ميشال كعدي - كاتب وأديب لبناني

 

المحور الأول:

محمد علوش: في المسيحية يعدّ عيد الفصح من أعظم الأعياد وأكثرها تقديراً.

معه ينتهي الصوم الطويل، وبه ينقضي أسبوع الآلام، وفيه يستذكر المسيحيون قيامة السيّد المسيح من قبره، بموته وقيامته تحرّر المؤمنون من الخطيئة والآثام.

وأضحى العابدون أقدر على الصَفح من الثأر، وأصبَر على الأذية من التذمّر.

فما أحوجنا في زمن القتل والإقصاء والتهجير إلى تلك القيم، ما أحوجنا إلى تعاليم السيّد المسيح في التسامح، والإيثار، والتضحية، والحب.

إلى ذلك الحب العابر للأديان والطوائف، في زمن السرديات القاتلة لمجرّد الاختلاف في الدين أو المذهب أو العرق.

فما هي معاني الوحدة التي يعزّزها عيد الفصح بقِيَمه وعِبَره؟ ما الذي يقدمه للمؤمنين بالرسالات السماوية على صعيد التوحّد وتقبّل الآخر؟

وكيف به ينتصر العقل على الانتقام، والحب على العقاب؟

حول عيد الفصح ومعاني الوحدة والتنوّع، نستضيف الكاتب والأديب اللبناني ميشال كعدي.

 

فاصل

 

محمد علوش: حياكم الله، وأهلاً بكم مشاهدينا، ونرحّب بضيفنا الكاتب والأديب اللبناني الدكتور ميشال كعدي، أهلاً وسهلاً بك.

ميشال كعدي: أهلاً بك، أبقاكم الله بهذا الانفتاح الجميل، لأن هذا رأسمالنا، نحن في لبنان. والإنسانية لا تقبل إلا هذا الانفتاح. 

محمد علوش: كل عام وأنتم بخير والمسيحيين وعموم العرب، وكل الناس إن شاء الله تكون كلها بخير. 

ميشال كعدي: وأنتم بألف خير.

محمد علوش: بدايةً، ما هو عيد الفصح؟ ولماذا سمّي بهذا الإسم؟

ميشال كعدي: أولاً سأمر لأعطي معنى كلمة الفصح، الفصح بمعناه الحقيقي عند المسيحيين هو العبور من الموت إلى الحياة. أما الفصح عند اليهود يختلف كلياً عن الفصح عند المسيحيين، الفصح اليهودي هو من أنواع إذا شاء للكلمة أن تكون بأبعادها، الفصح هو عند اليهود العبودية، الفصح يعني القوانين، يعني التشريع، وهذا ما لا نقبله نحن المسيحيين في هذا الإطار لأن الفصح يختلف كلياً عن الفصح اليهودي.

مثلا هناك تقويمان التقويم الغريغوري الذي نشأ سنة 1582 على يد البابا غريغوريوس وقد اعتمد التقويم القمري، أما عند الكنيسة الشرقية فاعتمدت التقويم اليوناني.

لذلك هناك فرق في الأعياد مثلاً هذه السنة الفرق هو عبارة عن أسبوع بين العيدين لأن الأرثوذوكس لا يمكن أن يعيّدوا، ولا يمكن أن يقبلوا أن يعيّدوا إطلاقاً قبل اليهود.

فالتقويم الشمسي والتقويم القمري جعل هذا الخلاف بين الإثنين.

فالتقويم الأرتوذوكسي ينتظر الفصح اليهودي، والفصح اليهودي يختلف كلياً، وإنسانياً، وأخلاقياً، بل يختلف كلياً في الأبعاد الإيمانية. عند اليهود هناك اعتماد القوانين والتشريع، بينما المسيح اعتمد على الحقيقة، والإيمان المطلق بالله.

محمد علوش: سندخل في إطار المعاني والأبعاد القِيَمية والروحية لهذه المناسبة، لكن ماذا عن العادات، والتقاليد المُصاحبة لهذا العيد؟ هل هي جزء من العبادات مسيحياً؟

ميشال كعدي: العادات والتقاليد هي جزء كبير في موضوع العيد، مثلاً الرموز، أنت تطلب مني أن أعطيك بعض الرموز المتّفق عليها أو المعمول بها في هذا الإطار، طبعاً عند المسيحيين يعتمدون البيضة، والبيض ماذا يعني؟ الذي يكرّم به الطفل، ويكرّم به الإنسان في هذه الأعياد وفي الكنائس المشرقية والغربية على السواء.

البيض هو الرمز الأساسي للتجديد، مثلاً التجدّد وقيامة المسيح، البيض هو الرمز لقيامة المسيح والرمز للتجديد في البشر. ما هو التجديد للبشر؟ هناك عادات عند اليهود لا يمكن أن يؤخذ بها، وهناك العادات بعد المسيح هي التي يؤخذ بها عند المسيحيين.

فلذلك البيضة أو البيض هو رمز التجديد، والكعك عادة في المناطق اللبنانية في البقاع على سبيل المثال عندنا في رياق وقوسايا وا وا وا الخ.

وفي الجنوب تحديداً يعمدون إلى خبز الكعك المبروم، الكعك المبروم يرمز إلى إكليل الشوك، إكليل الشوك الذي وضِع على هامة المسيح.

وهذه الرموز لا يعرفها الكثير على الإطلاق حتى عند المسيحيين.

اليوم قناة الميادين فتحت باباً، حتى المسيحي في كل أقطاره قد لا يعرف ما معنى هذه الرموز.

سأتابع المعمول مثلاً، هناك المعمول، والكعك المبروم كما قلنا الذي يشبه إلى حد بعيد الإكليل. المعمول يرمز إلى الإسفنجة التي بلّت بالخل، وعندما طلب المسيح أن يشرب أُعطي الخل بدل أن يُعطى الماء.

الصوص يرمز بطبيعة الحال إلى الولادة الجديدة، هذه العادات وهذه التقاليد وهذه الرموز فعلاً لا يعرفها الكثير، حتى من المسيحيين، ففتحنا الباب اليوم في الميادين.

محمد علوش: هذه ليست فقط عادات لبنانية، موضوع المعمول والكعك موجود في مناطق أخرى عند المسيحيين غير لبنان.

ميشال كعدي: طبعاً في أوروبا لا قيمة لهذا الأمر على الإطلاق، إنهم يأخذون الأشياء بسطحية بعكس البلاد العربية. نحن في لبنان وسوريا  والأردن والعراق، العراق هي أرض آشوريا أساساً في التاريخ، وأنتم أدرى بالتاريخ، وهذه العادات مازالت حتى اليوم. أما في أوروبا فتختلف كلياً عن هذه الأمور شكلاً ومضموناً، وأعني ما أقول.

وهناك عادات كثيرة أيضاً في الطوائف الغربية، طبعاً العادات الغربية تمتاز بكثير من القضايا التي تمّت إلى الدين بصلة، ولكنها ليست هي في الجوهر، ليست في الجوهر على الإطلاق، مثلا زيارة سبع كنائس. وقد بدأ الموارنة والكاثوليك والأرثوذكس زيارة سبع كنائس البارحة مثلاً، وكل ما يمّت إلى الكنيسة بصلة.

نهار خميس الأسرار يزورون الكنائس، وهذه أيضاً من العادات. أيضاً أريد أن أقول أإها لا تمّت إلى الجوهر بصلة، ولكنها من العادات. على ما تدل هذه الزيارات؟ عندما يزورون الكنيسة الأولى، هناك رمز لهذه الزيارة ترمز إلى صلاة يسوع في بستان الزيتون.

الكنيسة الثانية ترمز إلى مثول يسوع أمام قيافا الكنيسة. الثالثة ترمز إلى إعلان يسوع أنه إبن الله في الطوائف المسيحية، وعندما ندخل في إطار إبن الله، أنا أقول أيضاً أن أبناء آل البيت هم أبناء الله، لأنه في دراساتي، وفي كتبي أقول دائماً وأبداً أن هؤلاء القديسين على الأقل، وصفتهم بالقديسين ليسوا أبناء الأرض بقدر ما هم أبناء الله على الأرض.

كل واحد منا يعطي فكرة تقويمية، أو فكرة معنوية. أنا أقول الرسول هو أيضاً إبن الله على الأرض لأنه اصطفاه الله، كل واحد منا يأخذ طريقة معينة، ويفسّر القضايا.

أنا عندما قرأت القرآن سبع مرات، فوجدت أشياء كثيرة، وأخذت الكثير من القرآن. عندما تحدّثت عن الإمام الرضا، وعندما تحدّثت عن الحسين بالتحديد، لأن الحسين أخذ به العباقرة في إيطاليا والباباوات. أعطيكم مثلاً على إنسان مازال على قيد الحياة، وهو أنطوان بارا الذي تحدّث عن الحسين، وفاضَل ما بين المسيح والحسين عندما قال إن الحسين عُذّب عشر ما تعذّب المسيح، عذاب الحسين عشر ما تعذّب المسيح، وأنا درست كل هذه القضايا من خلال هذه المرتبة العظيمة.

الكنيسة الرابعة مثول يسوع أمام بلاطس الكنيسة، الخامسة مثول يسوع أمام هيروداس، السادسة مثول يسوع أمام بلاطس مرة ثانية، زيارة الكنيسة السابعة ترمز إلى درب الجلجلة وموت يسوع على الصليب.

وهذه الأمور لو عدنا إلى القرآن الكريم، لوجدنا مثل هذه الرموز في بعض النواحي التي ترجمت، والتي فسّرت على بعض أيدي المسيحيين من رهبان وكرادلة ومفسّرين الخ، هذه الأشياء موجودة في القرآن الكريم. ولو فتحنا الحديث على غاربه لقلت القرآن الكريم والإنجيل توأمان، كما الرسول والمسيح.

محمد علوش: دعني أسألك عن الأبعاد القِيَمية لهذا العيد، طبعاً كل عيد في أي دين له قِيَم وأبعاد روحية وقِيَمية. أشرت حضرتك إلى موضوع التجديد، ما هي الأبعاد الأكثر عمقاً في ما يتعلق بعيد الفصح مسيحياً؟

ميشال كعدي: عيد الفصح معناه الحقيقي هو العبور من الموت إلى الحياة، أما ماذا يعني أكثر؟ الفصح يدعو إلى المحبة، والعمل بإرادة الله على الأرض، والقبول بالمحبة لتكون سيّدة من أسياد العواطف الداخلية في الإنسان، بينما الفصح اليهودي هو عبارة عن تشريع  وقوانين العين بالعين.

محمد علوش: واضح.

ميشال كعدي: والسن بالسن، فهذا ما رفضه الدين المسيحي، أو العهد الجديد لأننا نحن لسنا ضد اليهودية. اليهودية دين يؤمن بالله، وكل دين يؤمن بالله نحن معه. أما الدين المسيحي والدين الإسلامي فيدعوان إلى المحبة بطريقة أو بأخرى، فلذلك ابتعدا عما يقوله اليهودي، فالمسلم أنا شخصياً عدة مرات قلت لست مسيحياً إن لم أكن مسلماً لله.

فالإسلام هو محبة، الإسلام هو إرادة طوعية، والإسلام هو خلاصة ود، وخلاصة إنسانية تماماً كما هو الدين المسيحي، والمسيح في قيامته أعطى للإنسان مجداً لم يكن يحلم به قبل هذا التاريخ على الإطلاق. 

محمد علوش: جميل.

في أجواء الأعياد المسيحية ما الذي يهدّد بقاء المسيحيين في المنطقة، ألسون كينغ المتحدّثة بإسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط، كتبت للميادين نت تحت عنوان عيد الفصح والأقليات الدينية في المشرق.

نشاهد معاً

 

الميادين نت: عيد الفصح والأقليات في المشرق أليسون كينغ

 

شكّل عيد الفصح الذي يحتفي به كثيرون في الشرق الأوسط والعالم فرصة مناسبة لتسليط الضوء على أوضاع المسيحيين وباقي الأقليات في المنطقة التي شهدت استهدافاً غير مسبوق للتنوّع الثقافي والحضاري فيها.

لقد هدّدت الصراعات في منطقة الشرق الأوسط حقوق الإنسان بما في ذلك حرية الأفراد في ممارسة الدين أو المعتقد، إضافة إلى ذلك ازداد العنف المرتَكب باسم الدين، وظلت منحة الأقليات الدينية والعرقية تبعث على القلق العميق.

كما فرّت مجتمعات أصيلة في المنطقة كانت موجودة بسلام لقرون من أجل العيش بسلام في مكان ما.

تشير الدراسات إلى أن المسيحيين كانوا يشكّلون 20 في المئة من سكان الشرق الأوسط منذ قرن مضى، أما اليوم فهم يشكّلون أقل من خمسة في المئة من السكان.

لعب صعود الأيديولوجيات المتطرّفة العنيفة في الشرق الأوسط دوراً كبيراً في تمزيق النسيج الاجتماعي، ونذكر على سبيل المثال داعش وجبهة النصرة وجماعات متطرّفة أخرى التي تقتل كل مَن يختلف مع ما تطرحه من أفكار منحرفة لا تمثل الإسلام.

وتنوّعت أشكال العنف والاضطهاد ضد المسيحيين، فمثلاً قامت جبهة النصرة حديثاً بمصادرة أملاك المسيحيين في مدينة إدلب السورية، ويجب ألا ننسى ما تعرّض له المسيحيون في العراق على يد داعش من قتل وتهجير وخطف وهدم للمنازل، وهو أمر لا تقبله شعوب المنطقة التي عاش وتعايش بعضها مع بعض على مر العصور.

 

محمد علوش: نعود طبعاً إلى ضيفنا الكاتب والأديب الدكتور ميشال كعدي. اللافت للنظر هذا الكلام للمتحدّثة باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تتحدّث عن واقع وتحديات المسيحيين في المنطقة، وتقول بتراجع المسيحيين من عشرين بالمئة إلى خمسة بالمئة في القرن الذي مضى مقارنة بما هم عليه اليوم.

بتقديرك، هل هذه التحديات بهذا العمق، أم أنها أبعد من ذلك بكثير؟

ميشال كعدي:  أولاً دخلنا في موضوع بريطانيا، فقد غيّر مارتن لوثر مفاهيم الكنيسة البيزنطية ومفاهيم الكنيسة الغربية، وأعطى على ذوقه الكثير من الأمور التي لا يقبل بها المسيحيون على الإطلاق.

لو عدنا إلى موضوع العدد، العدد بالنسبة لنا لا يعني شيئاً في لبنان. أنا فهمت أن موضوع العشرين بالمئة على الأرض العربية. عندما نقول الأرض العربية، هناك شبه الجزيرة العربية وأرض سوريا والشام. 

محمد علوش: سوريا الطبيعية: سوريا ولبنان وفلسطين والأردن.

ميشال كعدي: قديماً، كان أحدهم يقول هي وحدة الهلال الخصيب، هي هذه الوحدة إسمها في التاريخ آشوريا. تاريخياً إسمها آشوريا فأسقطت آشوريا، وصارت سوريا، لذلك هي أرض الشام.

العشرون بالمئة التي كانت أكثر بكثير قديماً لم تكن إلا عبارة عن تغييرات، هذه التغييرات أنا برأيي الشخصي، وبرأي الكثير من المؤرّخين لا تعني شيئاً قلّة أو كثرة. المهم أننا عندما نقول 20 في المئة أو 50 في المئة أو 60 بالمئة قلنا.

محمد علوش: لكنها تتحدّث عن تناقص أعداد المسيحيين لأسباب قسرية خارجة عن إرادتهم، وهناك عمليات تهجير تحصل، والواقع مرير بحقهم، هذا ما أريد أن أسأل عنه.

إلى أي حد بالفعل؟

ميشال كعدي: أنا لا أؤمن بهذا الكلام كثيراً، العشرون والخمسون والستون، طالما نحن نؤمن بأن هناك إلهاً واحداً، وهو نقطة الإرتكاز، وخرج منها الإسلام، والمسيحية. ومن يؤمن بالله، الآشوريون والمسيحيون والإسلام بحكم الواقع هناك فئة أصبحت أكثر من فئة، ولكنهم لا يشكلون إلا نقطة واحدة هي الإيمان بالله.

الآن عودة المسيحيين إلى العراق أو إلى سوريا أو إلى أي بلد آخر بما فيها فلسطين، فلسطين هي أرض الميعاد أتى اليهود إلى أرض الميعاد، وهي أرض فلسطين أنا لا أقول على الإطلاق الدولة اليهودية، أنا أقول الدولة الفلسطينية لأن لا بد في يوم من الأيام إلا أن تعود فلسطين إلى أهلها، هذا هو اعتقادنا بهذا الموضوع. وقلة المسيحيين في المناطق وراءها دولة عظمى.

محمد علوش: مَن هي؟

ميشال كعدي: الدول الأوروبية والدولة الأميركية والدولة البريطانية  من أسباب هجرة المسيحيين.

محمد علوش: لمَ برأيك؟

ميشال كعدي: مَن خلق الدواعش؟ كما قرأت وقاموا بهذه الأعمال البربرية. 

هل يقبل بها؟ أو هل يقبلها شعب؟ أو هل يقبل دين بما فعل الدواعش في العالم؟ لم يوفّروا على الإطلاق لا المسيحي المؤمن بالله، ولا المسلم المؤمن بالله. ألم يضربوا الكنائس والمساجد؟ وأنزلوا المآذن، وأنزلوا الأجراس ورموها في الشوارع الخ. مَن يقبل بهذا؟

فإذاً، السؤال هل يعود المسيحي إلى أرضه؟ أنا شخصياً أقول لابد من عودته إلى العراق الذي كان يشكل نسبة لا بأس بها من الوجود  البشري، ولابد من العودة، نحن هنا أخذنا العراق. ولدينا سوريا التي لم تتأثر كثيراُ بالموضوع، ولدينا الأردن، لم تتأثر فلسطين بالهجرة، ولبنان هو مازال يحضن هذه الفئات التي هاجرت من تلك البلاد حتى اليوم.

إذاً، العودة لابد منها إن كان هذا السؤال، أنا أقول إسرائيل لن تبقى في الوجود بدليل بعض المراجع، ولو دخلنا بمواضيع كثيرة، وقرأنا الكتب الكثيرة بأن إسرائيل لا يمكن أن تبقى في الوجود، ولا يمكن أن تكون شوكة في خاصرة الشرق، وفي المحيط كله.

شخصياً أنا أقول لابد من زوالها.

محمد علوش: سنتحدّث عن التحديات التي يعيشها المسيحيون في فلسطين وفي سائر مناطق الشرق الأوسط نتيجة الاحتلال الإسرائيلي من ناحية، وأيضاً بعض السياسات الخاطئة من ناحية أخرى. ولكن بعد فاصل قصير، مشاهدينا أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني:

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في حوار الساعة، نتناول عيد الفصح ومعاني الوحدة والتنوّع.

بين حريق كنيسة المهد على يد الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة عام 2002 وحريق كنيسة نوتردام في فرنسا كتب عبد الباري عطوان في رأي اليوم الإلكترونية.

نشاهد معاً.

 

رأي اليوم: نتألم لحريق كنيسة نوتردام ولكن لأسباب أخرى عبد الباري عطوان

زرت كنيسة نوتردام في باريس أكثر من مرة، وبهرتني بمعمارها وبرجها المتميّز. وآخر زيارة كانت بصحبة الشاعر الراحل الصديق محمود درويش الذي كان يحمل عشقاً خاصاً لها ويفضل الإقامة في فندق صغير بالقرب منها بين الحين والآخر بعد أن رحل عن العاصمة الفرنسية عائداً إلى رام الله.

شعرت بحزن كبير مثل الملايين غيري وأنا أرى أن النيران تلتهمها وبرجها التاريخي الشامخ يتهاوى وما خفّف من هذا الحزن تدفّق أكثر من مليار دولار من التبرّعات لترميمها وإعادتها إلى أبهى صوَرها كمعلم أثري ديني يشكل أحد أبرز معالم العاصمة الفرنسية.

في نيسان أبريل عام 2002 وهو الشهر نفسه الذي تعرّضت فيه كنيسة نوتردام للحريق حاصرت الدبابات الإسرائيلية العديد من المدن الفلسطينية في عملية عسكرية إسمها الدرع الواقي من ضمنها مدينة بيت لحم وكنيسة المهد على وجه الخصوص لمدة 39 يوماً لأن مقاتلين فلسطينيين لجأوا إليها واحتموا بها اعتقاداً منهم أن حرمتها وقداستها الدينية ستردع الهمجية الدموية الإسرائيلية.

لم نر أو نسمع ربع أو حتى عشر هذا التعاطف من قِبَل العالم الغربي مع كنيسة المهد، رغم القصف الذي تعرّضت له وحصار رهبانها وراهباتها وتدمير بعض أجزائها، وهي الكنيسة التي يعود تاريخها إلى أكثر من ألفي عام على الأقل.

وتشرّفت بمولد السيّد المسيح عيسى إبن مريم عليه السلام، والسبب أنها تقع في فلسطين المحتلة والقصف والحصار كانا من قِبَل الإسرائيليين الذين يضعهم الغرب فوق كل القوانين ويبارك كل جرائمهم حتى لو كانت المقدّسات مسيحية وليست إسلامية.

 

محمد علوش: طبعاً، بحسب الكاتب الذي قال أنه رغم الحرقة على ما حصل بكنيسة نوتردام، وهي إرث تاريخي إنساني كبير، فضلاً عن أنه إرث مسيحي أيضاً، إلا أنه كان يفترض أن تكون الهبّة العالمية التي وقفت إلى جانبها مثيلة أو على الأقل شبيه بتلك التي يفترض أن تكون مع كنيسة المهد التي يبلغ عمرها حوالى 2000 سنة، وهي مهد المسيح عليه السلام، وهي في الأرض المباركة مسيحياً وإسلامياً.

بدايةً، بتقديرك إلى أي حد العاطفة المسيحية الغربية مشدودة إلى فلسطين المحتلة، وبالتالي تشعر بمرارة وأوجاع مسيحيي فلسطين قبل غيرهم؟

ميشال كعدي: قبل الإدلاء ببعض التفاصيل، يجب أن أنوّه إلى أن المسيحية هي مهد أساسي ورئيس في موضوع المسيحية. فلسطين الإسلام  والمسيحية توأمان، المسيحية رمزها كنيسة القيامة في فلسطين، والأقصى  رمز الإسلام.

المسيح هو أساساً من فلسطين، والإسلام هم رمز كبير في فلسطين، فكان الإسلام امتداداً إلى فلسطين، هذا الإمتداد هو كيان رئيسي لابد منه على الإطلاق.

المسيحية من دون أي جدل  رمز أساسي، فالشعب الأوروبي اليوم بعدما قرأنا ما حصل في كنيسة نوتردام في باريس، ما حصل حرّك الضمير المسيحي في العالم.

الضرب سواء كان للمساجد أو الكنائس أمر مرفوض، وهدم الكنيسة تخريب وجهل، ولكن وراء هذا التخريب وهذا الجهل يجب أن نسأل من وراء هذا التخريب، وهذا الجهل؟ قلنا قبلاً هناك الأميركي، ولنقولها على بساط أحمدي، وهناك الذين خرجوا على الإسلام حتى لا نبعد أكثر هؤلاء دفعوا الثمن لهدم الجامعين ولهدم الكنيسة في فرنسا.

الإنسان المؤمن لا يمكن أن يقوم بهذه الظاهرة على الإطلاق، فلذلك اليوم هدم الجامعين المذكورين وهدم الكنيسة في فرنسا هي عبارة عن لملمة وجمع الأفكار الإنسانية في أوروبا وفي العالم العربي والإسلامي، ممنوع على الإطلاق بيت الله أن يُهدَم سواء الجامع أو الكنيسة.

محمد علوش: كأني أفهم منك، أنك تعتقد أن حريق نوتردام هو حريق متعمّد؟

ميشال كعدي: طبعاً متعمّد.

محمد علوش: متعمّد؟

ميشال كعدي: حريق متعمّد، ووراءه أيدي مخرّبة.

محمد علوش: ما الهدف منه؟

ميشال كعدي: ما عليك إلا أن تسأل الصهيونية العالمية، وأميركا. 

محمد علوش: سألت حضرتك في ما يتعلق بكنيسة المهد، لماذا لم يكن هذا الاهتمام لموضوع كنيسة المهد رغم أنها تعرّضت لتخريب متعمّد معروف ومباشر؟

ميشال كعدي: أخشى على الأقصى وعلى كنيسة المهد أيضاً أن يُهدما، أخشى ذلك لأن الأيدي المخرّبة هي نفسها التي أقدمت على ضرب الجامعين وهدم الجامعين وهدم الكنيسة في فرنسا، أخشى حتى على الأقصى وعلى كنيسة القيامة.

الصهيوني لا يعرف الله، الصهيوني لا يعرف قيمة الإله، الصهيوني الذي قتل الأطفال والشيوخ والأرض. هل يخشى أن يضرب الأقصى وكنيسة المهد؟ أنا أخشى في داخلي أن نصل إلى هذه اللحظة.

محمد علوش: في موضوع كنيسة نوتردام، هل هذا قائم على معطيات أم تحليلات وانطباعات لديك بناء على المشهد الذي شاهدته؟

 ميشال كعدي: أخ محمّد أنا لا أبعاد عندي، أو تفسيرات بعيدة أو قريبة. كل ما أعرفه وعرفته أيضاً مما أتى من رهبان، أن ما حصل في كنيسة نوتردام في باريس وراءها أيدي مخرّبة، هذه الأيدي هي التي فعلت كل ما جرى لهذه الكنيسة التي ستكلّف مليار دولار، هناك أيد مخرّبة أنا لا أعرف من هذه الأيدي. لكني أعرف أين مصدرها؟ هناك تخمين وظن، لا أعرف حقيقة، لأنه حتى الآن لم يعرفوا الحقيقة، ولكن أنا أعتقد أنها متعمّدة.

محمد علوش: تماماً، لكن لم تفسّر لي بعد بعيداً عن التوجّه الدولي والمخابراتي وا وا الخ. لماذا المسيحيون في الغرب على سبيل المثال لم يهبّوا لنصرة كنيسة المهد التي تعرّضت أكثر من مرة وتحديداً في عام 2002 مع عملية الدرع الواقي للإحتلال الإسرائيلي كما هبّوا لنُصرة نوتردام علماً أنه بالمقياس المسيحي ربما يفترض أنها أكثر قداسة، لا أدري يمكن أن توضح حضرتك؟

ميشال كعدي: لا أنا أخالف الرأي، في أوروبا عندما زرناها وعرفنا، الصحافة الفرنسية والأوروبية والروسية وجميع هذه الصحافة استنكرت ما يجرى في فلسطين. هناك أحزاب أو هناك مخططات أو هناك كم أفواه أخذت أموالاً للسكوت، هذا أمر آخر أما إذا حاولت أن تحتك ببعض الناس في روسيا على سبيل المثال وفي فرنسا، لا هناك أشخاص استنكروا ما يجرى في فلسطين حتى أنه يوجد الكثير من الصحافيين الذين يعتقدون ما أعتقد، وأنت تعتقد أنه لابد من الخلاص من الصهيونية ومن اليهود ومن الاحتلال في فلسطين.

هناك صحافي قال لي بالحرف الواحد، وهو من المحترمين جداً، قال أنت على حق، وأنا هذا معتقدي، وأراني موضوعه إن اليهود لن يبقوا على الإطلاق في يوم من الأيام لأنهم سيجدون أنفسهم خارج اللعبة. والآن هناك أرقام أنه في كل يوم في فلسطين، هناك الكثير من اليهود الذين يغادرون إلى بلادهم التي أتوا منها.

محمد علوش: هجرة معاكسة؟

ميشال كعدي: من ألمانيا، روسيا، سويسرا، النمسا، كل يوم هناك أشخاص يسافرون ظناً منهم أن البقاء في هذه المنطقة لا محال سيجدون أنفسهم مضطرين في يوم من الأيام للذهاب، هذا ما عرفناه في رحلاتنا الكثيرة. 

محمد علوش: كيف تقيمّ حضرتك الآن واقع المسيحيين في المنطقة؟ المنطقة هذه فيها تنوّع طائفي، مذهبي، وحتى عرقي.

لا شك أنه مرت حقبات استعمارية على هذه المنطقة، وعاشت كثير من بلدانها اضطرابات داخلية. ماذا عن النسيج المجتمعي؟ هل تجد ثقافة الحوار موجودة حقيقة على مستوى التحدّي الذي تعيشه هذه الدول بشكل عام؟

ميشال كعدي: قصة الحوار أمر ضروري جداً، وأنا شريك في هذا الحوار، أنا شخصياً شريك في محاضرات كثيرة تتحدّث عن الحوار، وأنا مع الحوار أنا لا أقول العيش المشترك، أقول الحب والمحبة والمودّة بين الناس التي يجب أن تبقى في ألفة، هذا ما أقوله أنا شخصياً. كلمة العيش المشترك كلام.

محمد علوش: العيش الواحد؟

ميشال كعدي: أنا أقول بالمحبة بين الطوائف، ولكن لم أخرج عن الموضوع إذا قلت أننا بحاجة ماسة أيضاً أن يعرف المسلم من هو المسيحي، والمسيحي يجب أن يعرف من هو المسلم. أنا قرأت القرآن سبع مرات، وعندما كتبت أطروحتي عن سيّد الأئمة الإمام علي بن إبي طالب عليه السلام، قرأت القرآن سبع مرات حتى توصلت إلى نتيجة. وعندما دخلت في الفواصل الدقيقة، رأيت الإسلام  جزءاً من المسيحية، والإسلام امتداداً للمسيحية وغير ذلك لا يمكن.

محمد علوش: ما الأسباب التي تحول دون فَهْم متبادل؟ بناءً على وجهة نظرك أنه لا يوجد فَهْم متبادل بشكل كامل. المسيحي لا يفهم المسلم بشكل واضح وأيضا المسلم لا يفهم المسيحي.

ميشال كعدي: هذا تقصير من المدارس.

محمد علوش: مَن يتحمّل المسؤولية؟

ميشال كعدي: هذا تقصير من المدارس، وتقصير من رجال الدين.

محمد علوش: مسلمين ومسيحيين؟

ميشال كعدي: دعني أكون صريحاً، هذا تقصير من رجال الدين. أنا عندما كتبت أطروحتي عن الإمام علي عليه السلام، وألفت ثمانية كتب آخرها كان الحسين قدوة ورسالة، والرضا أبعاد روحية وعلمية، آخر كتابين منذ شهرين صدرا"الإمام الحسين قدوة ورسالة" والإمام الرضا.

وجدت أن التقصير موجود من رجال الدين الذين يجب أن يعرفوا الحقيقة، وينشروها. أما استفحال عدم المعرفة فهو الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه. صدّقني عندما قرأت القرآن وجدت أن القرآن أعطى قِيَم المسيح أكثر مما أعطى المسيحي للمسيح. الإنجيل هو روح الله، هو محبة الله، لو عدنا إلى ما قاله القرآن الكريم المنزل "سلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا"، هل يجوز بعد هذا الكلام أن يكون هناك أشخاص لا يعرفون معنى القرآن؟ ومعنى هذا الكلام؟ نحن بحاجة إلى مدارس تعلّم الولد التلميذ في الصف، وآباء وأمّهات يعلّمون الأبناء كيف يكون الدين؟ وكيف نتعاطى مع الآخرين؟ وكيف وكيف وكيف؟ ولما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، ولكن الوهّابيين يعرفون ذلك الذين قاموا بهذه الظاهرة.

محمد علوش: مَن المسؤول عنها؟ أنا أسأل.

ميشال كعدي: مَن المسؤول عنها؟ هل هناك في الدنيا إنسان؟

محمد علوش: تقصد ظاهرة التطرّف؟

ميشال كعدي: هل هناك في الدنيا إنسان عرف الإسلام على حقيقته؟ ويقوم بمثل ما قاموا به من الصعب جداً. لماذا؟ أنا قرأت القرآن وتفهّمت القرآن الكريم، وأنا اليوم أنادي بالإنسانية التي قال فيها القرآن، وأنادي بالإنجيل الذي قامت عليه المحبة.

محمد علوش: عطفاً على ما تحدّثت به حضرتك من أنك شاركت في مؤتمرات الحوار الإسلامي المسيحي.

هذه المؤتمرات ليست جديدة، قديمة بالمناسبة، لكن عملياً على الأرض وكأننا لا نجد لها مفاعيل حقيقية تترجم في أرض الواقع في الحياة الاجتماعية البسيطة للمواطن؟

 ميشال كعدي: هناك تقصير، ولكن نتيجة هذه الحوارات التي قمنا بها مع كثير من رجال دين ورجال علمانيين ورجال عرفوا الله، ورجال لهم تقوى في قلوبهم. توصلّنا إلى شيء مهم جداً أن نكون متفقين مع بعضنا البعض، ونخرج في نتيجة  أن الإنسان يجب أن يعرف حقيقته، المسلم يجب أن يعرف مَن هو، والمسيحي يجب أن يعرف مَن هو.

ولا يجوز على الإطلاق أن يرذل القرآن، أو يرذل الإنجيل وإلا كان هناك نقص في حياة البشر من دون الإنجيل ومن دون القرآن ومن دون الإنسان والإنسانية، ومن دون المسيحي والمسلم لا يمكن أن ينهض مجتمع في العالم أبداً. هذه الحقيقة، هذه نتيجة حوارنا.

منذ ثلاثة أسابيع كان هناك حوار، أنا كنت مشاركاً فيه وتوصلنا إلى نتيجة، قال أحدهم أحد كبارهم طالما هناك تقارب، أنت كمسلم يمكنك أن تنكر ما قاله جبريل، وما بشّرت به العذراء قل لي، والمسيحي هل ينكر أن الرسول أتى مصطفى من الله على الأرض أنا شخصياً اعتبرت آل البيت قديسين، واعتبرت الزهراء كذلك، ولديّ كتاب "الزهراء أولى الأديبات"، اعتبرت الزهراء  قدّيسة بنت 18 سنة و70 يوماً قامت بكل هذه الأعمال، وعلّمت الرجال ووضّحت ما هو الإسلام وعلّمت النساء وتحدّثت عن الإسلام وكان لها دور كبير في بقاء الإسلام. وأنا أقول على الملأ يقبل من يقبل ومن لا يقبل هو حر، لولا الإمام علي وتنازله عن الإمامة لما بقي الإسلام اليوم، ولم يكن هناك من إسلام على الإطلاق، قلتها مرات عديدة على الأقنية التلفزيونية والإذاعات في لبنان، قلت هؤلاء ليسوا من البشر العاديين هؤلاء من القديسين على الأرض، واعتبرتهم كما في المسيحية قديسين هؤلاء قديسون أيضاً.

الإمام علي له دور وآل البيت لهم دور، وهم خلاصة الأخلاق في المعاملة.

محمد علوش: سؤال أخير دكتور ميشال كعدي، حتى لو كان هناك خلاف في العقائد لنفترض، ألا يفترض دينياً أن يثمن ثقافة الاختلاف ويبني عليها لخلق نوع من التعايش أو العيش، طالما أن الأهداف المشتركة لجميع الفلسفات أو الأديان السماوية وغير السماوية هو تحقيق إنسانية الإنسان؟

ميشال كعدي: أخ محمّد حبيبنا، أنا عندما قلت الدين الذي يصل عامودياً إلى فوق، ونحن جميعاً مؤمنون بأن هناك إله واحد هو الله، والمعتقدات الإسلامية والمسيحية وحتى المعتقدات الأخرى تؤمن بالله.

أنا شخصياً  أتحدث عن نفسي، لم يكن هناك أيّ فرق على الإطلاق، أنت ولِدت وأسموك محمّد، وأنا ولِدت وأسماني أبي وأمّي ميشال، أنت وأنا أخوان طالما نحن نؤمن بإله واحد. فنحن لا خلاف على الإطلاق، الخلاف هو عدم معرفة قراءة القرآن الكريم، وعدم معرفة الإنجيل، وعدم معرفة المسيح، وعدم معرفة الرسول، وعدم معرفة الأئمة، وعدم معرفة القديسين الذين أعطوا نفوسهم لخدمة الله على الأرض.

إذا لا فرق بيني وبينك على الإطلاق، أنت في معتقد كالأحزاب، أنت في معتقد وهذا في معتقد آخر طالما نحن نؤمن بإله واحد.

محمد علوش: كلام جميل تماماً.

شكراً جزيلاً، الكاتب والأديب اللبناني الدكتور ميشال كعدي، وكل عام وأنت بخير والمسيحيين عموماً بكل خير.

ونشكر لكم مشاهدينا حسن المتابعة، وإلى اللقاء.