نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

أدوار ألمانيا وروسيا والنمسا في الاستيطان الصهيوني

اهتمت المانيا بتوطين اليهود في فلسطين وغلفت أطماعها بأبعاد دينية، بينما دخلت روسيا والنسما على خط المنافسة بين الدول الأوروبية للتسابق على حجز موقع لهم في الشرق عبر عملية الاستيطان. وفي هذه الحلقة من البحث الذي أعده الباحث عمر الراشد ل"الميادين نت"، يسلط الضوء على أدوار الدول الثلاث في الحركة الاستيطانية اليهودية في فلسطين.

السلطان العثماني عبد العزيز
السلطان العثماني عبد العزيز

كتب عمر الراشد:

المانيا وتوطين اليهود في فلسطين

اهتمت ألمانيا بفلسطين تاريخيا وجغرافيا وهذا الاهتمام الألماني عكس النظرة الاستعمارية الدينية التي غلفت أطماع المانيا. ونشط التبشير الالماني في فلسطين منذ 1841 م، واستمر حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، وانتشرت المستعمرات الألمانية في المدن الفلسطينية في القدس، وحيفا، وغيرها من المدن.

(م.س. دور القنصليات الأجنبية. ص: 117-118)

دعمت المانيا وجودها في فلسطين عام 1842 م، من خلال تأسيس قنصلية ألمانية في القدس. عينت "أرنست شولتز" وكيل قنصل، ثم رفع إلى قنصل، وجعل من اولوياته مساعدة اليهود زمن القحط والجدب الذي أصاب فلسطين عام 1866 م، وعملت على تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية في: القدس، وحيفا، وساعدت الرعايا اليهود الألمان على السكن في القدس، والإقامة الدائمة فيها.

(م.ن. دور القنصليات الأجنبية. ص: 164).

سعى اليهود الألمان في عام 1860 م إلى الهجرة إلى فلسطين، وتزعم الحركة يهودي يدعى "هوفمان" من بلدة روتنبرغ في المانيا، وكانت الدعوة ذات مظهر ديني، فأسست الحركة جمعية دينية عرفت باسم "المعبد"، أو "جمعية محبي القدس". وأرسلت الجمعية رئيسها هوفمان مع يهودي آخر اسمه "هاردج" عام 1868 م، إلى الدولة العثمانية وطلبا من السلطان عبد العزيز ترخيصا، بتأسيس مستعمرة يهودية ألمانية في فلسطين يقطنها المهاجرون اليهود، ووافق السلطان على الإذن لهما.

 


المستعمرة الألمانية في حيفا من ويكيبيديا
المستعمرة الألمانية في حيفا من ويكيبيديا

توجه هوفمان وهاردج إلى حيفا، ومناطق أخرى من سوريا للاستطلاع، والتخطيط للاستيطان اليهودي الألماني. وتم إنشاء مستعمرة في الجهة الغربية على مقربة من حيفا القديمة، وبدأت في عام 1869 م قوافل اليهود من "روتنبرغ" تصل إلى فلسطين، واستقرت في حيفا ثم ابتاع "هوفمان" أراضي في يافا والقدس، واسكن فيها المهاجرين اليهود الألمان الذين أسسوا قرية "صارونة" التي تبعد عن يافا حوالي 45 كلم، واصاب قسم كبير من المهاجرين اليهود الفقر والعوز لا سيما في حيفا، فانشئت لهم قرية "ويلهلمة" الحميدية عام 1900 م.

(م.س. موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية. ص: 78-79).

ولم يأت عام 1872 م، حتى ارتفع عدد اليهود الألمان الذين حصلوا على الحماية الألمانية إلى 950 شخصا، زيادة عن عدد الرعايا الذين شملت القنصليات الألمانية الأولى الحماية والرعاية لهم، ونجحت المانيا في بناء أول مستعمرة ألمانية في حيفا، شملت مجموعة بيوت على سفح جبل الكرمل، وبنت مدرسة ومكانا للعبادة، ووضع على مدخل المستعمرة عبارة يهودية-ألماني: "تنساني عيني إن نسيتك يا قدس".

 


مستعمرة سارونا من ويكيبيديا
مستعمرة سارونا من ويكيبيديا

وتوالت عمليات شراء الأراضي في حيفا، ويافا، لإقامة المزيد من المستعمرات الالمانية، مستفيدين من قانون الأجانب. اشترى القنصل الالماني ادمون إشميدت في الثاني من أيلول 1914 م، ست قطع من أراضي قرية الطور القريبة من أسوار القدس الشرقية، فقد عملت ألمانيا على تعزيز الوجود اليهودي في فلسطين تحت ذريعة حماية مصالح الرعايا اليهود، الذين يحملون الجنسية الألمانية.

(م.س. دور القنصليات الأجنبية. ص: 165-167).

عقب زيارة المبشر الانجيلي "زالمياء" برفقة ميسلر الألماني إلى فلسطين، أقيمت مستعمرة ثانية في يافا، وقام بشراء مستعمرة أمريكية أطلق عليها في حينه اسم "قرية أدمز"، وهي تتكون من 19 بيتا خشبيا، فيها طائفة دينية مسيحية أمريكية. واشترى الهيكليون المستعمرة الثالثة بالتدرج، إلى أن امتلكوها عام 1871 م، وأصبحت مستعمرة خاصة بالهيكليين الألمان، وعرف الهيكليون تاريخيا ب"فرسان المعبد"، وهم جمعية عسكرية رهبانية من مخلفات الحروب الصليبية.

المستعمرات الألمانية بعد المستعمرة الثانية:

١- صارونا: (سارونا) واقيمت على قطعة أرض بين يافا وتل أبيب. اشتراها الألمان الهيكليون لتكون المستعمرة الثالثة.

٢- ريفايم: أقيمت شمال غرب محطة القطار، خارج حدود يافا عام 1872 م.

٣- فالهالا: أقيمت بين يافا وتل أبيب عام 1892 م.

٤- فيلهلما: أقامها المستعمرون الألمان عام 1902 م.

(م. س. دور القنصليات الأجنبية. ص: 165-167).


صورة تذكارية للجمعية الامبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية
صورة تذكارية للجمعية الامبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية

دعم قناصل ألمانيا الوجود اليهودي في فلسطين، في مخالفة صريحة وواضحة للتوجه السياسي الرسمي في المنطقة العربية، ومن ثم الدعم الكامل للوجود الصهيوني في فلسطين، ولا تزال ألمانيا تقدم الدعم للكيان الصهيوني حتى الآن.

قام اليهود الألمان بإنشاء "جمعية إغاثة اليهود الألمان" على يد تجار يهود ألمان منهم جيمس سيمون وباول ناثان عام 1901 م. أدارت الجمعية شبكات المدارس اليهودية، وإنشاء معهد عالٍ للعلوم التطبيقية في حيفا، ووضع حجر الأساس لجمعية الإغاثة في مدينة حيفا في الثامن عشر من شهر نيسان 1912 م. ويبدو من التوجه الألماني في التدخل لدى الدولة العثمانية، أنه كان لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين. وعندما أعلنت الحركة الصهيونية قيام دولة الكيان الاسرائيلي، استولت على جميع ممتلكات ومؤسسات تعود لألمانيا في فلسطين.

روسيا والهجرة الاستيطانية اليهودية في فلسطين

 


مستشفى أوغستا من ويكيبيديا
مستشفى أوغستا من ويكيبيديا

فتح محور التنافس الاستعماري تحت ذريعة حماية الطوائف المسيحية في فلسطين، التابعة للدولة العثمانية، الصراع والتنافس على مصراعيه، ومن خلاله استطاعت روسيا الدخول إلى سوريا وفلسطين. وفي عام 1858 م، أقامت روسيا لها قنصلية في القدس، وكلفت قنصلها بشراء مساحات واسعة من الأراضي، في القدس، وبيت لحم، ويافا، والناصرة، والرملة، لتكون تابعة للمؤسسات المسيحية الأرثوذكسية الروسية.

(م. س. دور القنصليات الأجنبية. ص: 119 و160)

لعبت القنصلية الروسية في القدس دورين هامين، الدور الأول: متابعة شؤون الطائفة الأرثوذكسية التعليمية، والاقتصادية، والاجتماعية، والدينية. الدور الثاني، تقديم العون، والمساعدة لليهود فيما يتعلق بالهجرة اليهودية من روسيا إلى فلسطين. ويظهر من خلال المساعدات التي قدمتها روسيا لتسهيل وتيسير وصول اليهود إلى فلسطين وانتقالهم، وأساليب التنقل، والوسائل التي استخدمت لإنجاز موجة الهجرة اليهودية الرسمية الأولى التي بدأت عام 1882 م، أن المصالح الروسية الحيوية في فلسطين تلتقي مع مصالح اليهود، وكانت الاضطرابات التي سادت في روسيا عقب خسارتها الحرب مع اليابان، دافعا للهجرة الثانية.

(م. س. دور القنصليات الأجنبية. ص: 38، 125)

الدور النمساوي

شاركت النمسا في التنافس الاستعماري الأوروبي على بلاد الشام، ومن ضمنها فلسطين، ولكنها لم تهتم بالبعد الاستراتيجي، والسياسي، ودعم الحركة الصهيوينة. ومن المؤسسات النمساوية التي تم إنشاؤها في فلسطين: مستشفى أوغستا فكتوريا، في الطور في القدس، والمأوى النمساوي "الهوسيس"، داخل القدس القديمة.

(م. س. دور القنصليات الأجنبية. ص: 119 و160)