تانيا نابلسي

ناشطة اجتماعية ووطنية على مسار العودة إلى فلسطين - مخيّم البدّاوي - من مدينة نابلس في فلسطين ولها جذور من والدتها من الطنطورة جنوبي حيفا

بلفور كان الوعد.. والمجازر هي رسالته

أرخ إيلان بابه في كتابه "التطهير العرقي" عن احتلال عشرات المدن والقرى الفلسطينية، ورأى أن الحرب الفلسطينية – الصهيونية سنة 1948 هي في نظر الصهاينة "حرب الإستقلال"، بينما بالنسبة إلى الفلسطينيين ستظل إلى الأبد "النكبة"، وبالأخص عبر لجوء اليهود آنذاك إلى "الخطة دالِتْ"

صور شهداء مجزرة كفر قاسم

 

بعد مرور مئة عام على وعد بلفور المشؤوم، والذي يعتبر البداية والأساس لمعاناة شعبٍ بأكمله، دعونا نستذكر بعض المجازر التي كانت نتاجاً لهذا الإنجاز الصهيوني العظيم: "وعد من لا يملك لمن لا يستحق"، والتي كانت إحدى أكبر الوسائل التي أدت إلى تهجير الشعب الفلسطيني وبالقوة، والتي، في نفس الوقت، تعتبر دليلاً دامغاً أن إشاعة الصهاينة لما سمّوه قيام الفلسطينيّين ببيع أرضهم هو محض كذبة.

أرخ إيلان بابه في كتابه "التطهير العرقي" عن احتلال عشرات المدن والقرى الفلسطينية، ورأى أن الحرب الفلسطينية – الصهيونية سنة 1948 هي في نظر الصهاينة "حرب الإستقلال"، بينما بالنسبة إلى الفلسطينيين ستظل إلى الأبد "النكبة"، وبالأخص عبر لجوء اليهود آنذاك إلى "الخطة دالِتْ"، والّتي كانت أوامرها لكل لواء: "سيتمّ تحديد القرى التي يجب احتلالها وتطهيرها أو تدميرها، بالتشاور مع مستشاريكم في الشؤون العربية وضباط الاستخبارات"، وقد تحولت فيما بعد إلى أمر عسكري في الشروع في تدمير القرى.

 

 


قرية دير ياسين

مجزرة دير ياسين

لقد ذكرتُ الخطة "دالِتْ" في بداية المقال، لما كان لها الأثر الأكبر وأحد الأسباب في مجزرة دير ياسين الواقعة غربي مدينة القدس، والتي كانت في حينها قد توصلت إلى معاهدة عدم اعتداء مع "الهاغاناه" في القدس، ولكن لكونها تقع داخل المناطق التي حددتها "دالِتْ" أهدافاً للتطهير، تمت تصفيتها، فقام الجنود اليهود من عصابات شتيرن، والأرغون، والهاغاناه  باقتحام القرية في فجر ٩ نيسان ١٩٤٨، راشقين البيوت بنيران المدافع الرشاشة، ليقتلوا ما يمكن من سكانها، "ومن ثم جمعوا بقية القرويّين في مكان واحد وقتلوهم بدم بارد، وانتهكوا حرمة أجسادهم، في حين اغتصب عدد من النساء ومن ثم قتلن". ووصل عدد الشهداء إلى ٣٦٠ شخصاً معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ.

 


  قرية الطنطورة

مجزرة الطنطورة

 

جاء دور قرية الطنطورة في٢٢ أيار/مايو 1984، وقد كانت أول مجزرة تحصل بيد الجيش النظامي، وليس العصابات. فهوجمت القرية ليلا ومن دون إنذار، كما كان يحصل مع باقي القرى عبر عربة تحمل مكبراً للصوت يدعو للإستسلام. فاندفع جنود كتيبة ٣٣ التابعة للواء الإسكندروني إلى الشوارع، وإلى داخل البيوت قاتلين بشكل عشوائي عبر اطلاقهم النار على كلّ من صادفهم. وجاء الهجوم من أربع جهات، وكان هذا خارجا عن المألوف، فقد كان من عادة هذا اللواء الهجوم من ثلاث جهات "تاركا لغرض تكتيكي الجهة الرابعة، لتكون بمثابة "بوابة مفتوحة" يمكن طرد الناس من خلالها". وبالتالي وجدت قوات العدو نفسها "وفي عهدتها عدد كبير من السكان". وأجبر سكان الطنطورة الأسرى تحت تهديد السلاح على التجمع على الشاطئ، ثمّ فصلت القوات اليهودية الرجال عن النساء والأطفال، وطردت الآخرين إلى قرية الفريديس المجاورة، وقام ضابط استخبارات صهيوني، وهو شمشون ماشفيتس، ومعه معاون عربي مغطى الرأس، بإعدام مئات الرجال المجمّعين على الشاطئ، وكان "الرجال" في نظر الجيش الصهيوني هم جميع الذكور من العمر ١٠ حتّى ٥٠ سنة، حيث اقتادوهم في مجموعات صغيرة وفقا لقائمة معدة سلفا، ومأخوذة من ملف قرية الطنطورة، واشتملت كل من شارك في ثورة ١٩٣٦، أو في هجمات على وسائل النقل اليهودية،.... . وفيما يلي وصف ضابط يهودي للإعدامات في الطنطورة:

 

"اقتيد الأسرى في مجموعات إلى مكان جانبي يبعد ٢٠٠ متر وقتلوا رميا بالرصاص. كان الجنود يأتون إلى القائد العام ويقولون: "ابن عمي قتل في الحرب." يسمع القائد ذلك ويأمر الجنود بأخذ مجموعة يتراوح عددها ما بين خمسة وسبعة أشخاص، جانبا وإعدامها. وأتى جندي وقال إن أخاه قتل في إحدى المعارك، من أجل أخ واحد العقاب أشد. أمر القائد جنوده بأخذ مجموعة أكبر، وأُعدمت. وهكذا دواليك."

 

بالإضافة إلى قصص كثيرة من شهود عيان تروي الفظائع التي كانت تحصل في قرية الطنطورة، وعندما انتهت العربدة في القرية وتمت الإعدامات أمر فلسطينيان بحفر قبور جماعية بإشراف مردخاي سكولر الذي أقر سنة ١٩٩٩ أنه دفن ٢٣٠ جثة وضعهم "واحداً تلو الآخر في القبر".

 


مذبحة قبية 14\10\1953

مجزرة قبية

قامت وحدات من الجيش النظامي الصهيوني بتطويق قرية قبية (كان عدد سكانها يوم المذبحة حولي 200 شخص) بقوة قوامها حوالي 600 جندي، بعد قصف مدفعي مكثف استهدف مساكنها، وبعد ذلك اقتحمت قوات الاحتلال الصهيوني القرية وهي تطلق النار بشكل عشوائي. وبينما طاردت وحدة من المشاة السكان الفلسطينيين العزل وأطلقت عليهم النار، عمدت وحدات أخرى إلى وضع شحنات متفجرة حول بعض المنازل، ونسفتها فوق سكانها، وقد رابط جنود الاحتلال خارج المنازل أثناء الإعداد لنسفها، وأطلقوا النار على كل من حاول الفرار من هذه البيوت المعدة للتفجير، وقد كانت حصيلة المجزرة تدمير ٥٦ منزل،ا ومسجد القرية، ومدرستها، وخزان المياه الذي يغذيها، كما استشهد فيها 67 شهيدا من الرجال والنساء والأطفال وجرح مئات آخرون. وكان قائد القوات الصهيونية التي نفذت تلك المذبحة أرييل شارون رئيس الوزراء الصهيوني.

 


29 تشرين الأول/أكتوبر

 يحمل هذا الشهر في طياته ثلاث مجازر مرعبة حصلت في حق الشعب الفلسطيني من قبل العدو الصهيوني:


قرية الصفصاف سنة 1948

قتل فيها اليهود أكثر من 60 شاباً وشيخاً واغتصبوا نساء من القرية بدماء باردة. بدأ الهجوم المزدوج من الشرق ومن الجنوب سبقه قصف من الطيران واستمرت المعارك من المساء حتى الفجر، دخل الصهاينة إلى القرية ووصلوا إلى مبنيين حيث كان الشيوخ والأطفال والنساء يتجمعون بأمر من أحد ضباط فوج العلويين، فاختاروا الأشخاص التي تتراوح أعمارهم بين 15 و 55 سنة، وأوقفوهم في صفوف وبدأوا بإطلاق النار عليهم على مرأى ومسمع أمهاتهم وأولادهم.

 


قرية كفر قاسم عام 1956

مجزرة كفر قاسم

وقعت المجزرة في اليوم الأول للعدوان الثلاثي البريطاني- الفرنسي- الصهيوني، على مصر 1956 مساء يوم 29\10\1956. بعد أن قررت قيادة جيش الاحتلال فرض حظر التجول على سـكان كفر قاسـم وقـرى عربية فلسطينية أخرى المتاخمة للحدود الأردنية أنذاك، كخطوات تحضيرية لشن حرب على مصر. تم ابلاغ مختار القرية قبل نصف ساعة فقط من بدء منع التجول، والذي حذر أن مئات من أهل القرية يعملون خارجها ولم يعودوا بعد، ولن تكفي نصف ساعة لإبلاغهم، الا ان مندوب الجيش اجابه أنه سيتم الاهتمام بهم. بعد نصف ساعة وفي الخامسة مساء بدأت المذبحة حيث كانت أربع فرق لما يسمى ب"حرس الحدود" على مداخل القرية، وأخذت باطلاق النار واعدام كل من كان خارج القرية، وكل من كان عائدا إلى القرية، خلال ساعة واحدة سقط في طرف القرية الغربي ٤٣ شهيدا، وفي الطرف الشمالي سقط ٣ شهداء، وفي داخل القرية سقط شهيدان، كان من بين الشهداء في كفر قاسم 9 نساء، 4 طفلات و17 طفلاً وفتى دون الثامنة عشرة، منهم 5 أطفال دون العاشرة. كان إطلاق النار داخل القرية كثيفاً وأصاب تقريباً كل بيت، وجرح 18 آخرين.

وصل عدد الضحايا إلى 49 شهيداً، 25% تقريباً من عدد سكان كفر قاسم الذي لم يتجاوز يتجاوز الألفي نسمة أنذاك، ولم تبق عائلة في كفر قاسم إلا وفقدت شهيداً.

 


قرية الدوايمة عام 1948

وهي واحدة من أكبر المجازر التي ارتكبتها المنظمات الصهيونية المسلحة (عملية يوآف)، وأسفر الهجوم على القرية عن قتل حوالي 100 شخص حتى لم يتبق بيت بدون شهيد.

(هناك بحث خاص بهذه المجزرة في مقال مستقل)

وغيرها وغيرها من المجازر والمذابح، التي نكل فيها بالشعب الفلسطيني وتعرض من خلالها إلى أشد أنواع التطهير العرقي.

في ذكرى وعد بلفور الوقح، علينا أن لا نكتفي بذكر النكبات رغم أهمية الموضوع نظرا لخطورة الوضع، بل علينا أن نبدأ بالفعل والتحرك والنضال على الأرض.. علينا أن نرفض، ليس بالكلمة وحسب، ولكن أيضاً بالحجر والسلاح والقبضة في الداخل، وفي مخيمات الشتات.

فلسطين ليست مجرد مكان كان يوجد على الخريطة .. فلسطين هي الخريطة والبوصلة، وكل مجازر العالم لن تستطيع أن تمحيها من الوجود.


 

التعليقات