نقولا طعمه

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

البصة: حكاية كل فلسطيني.. لا بد عائد

بلدة البصة من البلدات الفلسطينية التي كانت مزدهرة وعامرة، هجر الصهاينة سكانها في نكبة 1948. ظلت بيوتها قائمة حتى أوائل السبعينات، ثم أجهز عليها الإسرائيليون، ولم يبق فيها إلا كنيسة ومسجد ومنزل ومقام.

المعمر الياس شاهين يتحدث عن بلدته البصة

"البصة" بلدة عربية تقع على بعد 19 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من مدينة عكا، وهي ملاصقة للحدود اللبنانية، وتقع جنوبي رأس الناقورة، قريباً من شاطئ البحر، وتعلو 65 متراً عن سطحه.

اسمها تحريف للكلمة الكنعانية "بصاه" وتعني المستنقع, تحيط بها أراضي وقرى العرامشة، ومعليا، والكابري، وأراضٍ من لبنان. دمرها الصهيانة عام 1948، وأبقوا على الكنيسة وأحد المقامات، وبعد عام أقاموا في موقع القرية مستوطنة "بيتست"، وبالقرب منها مطاراً عسكرياً. (عن معجم أسماء المدن والقرى الفلسطينية لحسين لوباني).

والبصة من قرى فلسطين الكبيرة، انقسم سكانها بين راحل إلى الخارج متعارف عليه دولياً بلاجئ، وباقٍ في أرضه موزع بين القرى والبلدات والمدن المجاورة، بصفة مهجر.

والبلدة مزيج من مسلمين ومسيحيين، وفيها المسجد والكنيسة متجاوران. ينشط سكانها بشكل مشترك في طريق العودة، يتشاركون الحياة، والعادات، والطقوس كأنهم واحد.


البصة: حكاية كل فلسطيني..لا بد عائد

استقر كثير من الراحلين من البلدة خارج الوطن، في مخيمات لبنان المختلفة. في مخيم الضبية الواقع على بعد 15 كيلومتراً شمالي بيروت، تعيش عائلات من مختلف البلدات الفلسطينية المهجرة، منهم المعمر إلياس شاهين الذي تجاوز التسعين، وكلما فُتح الحديث معه عن فلسطين، انهمرت الدموع من عينيه. ترعاه ابنته، ويتفقده ابنه المهاجر إلى إحدى الدول الأوروبية، بين فترة وفترة.

يتذكر شاهين زمن وطنه الجميل: "فلسطين كانت جنة. كنا نعيش حياة جميلة مشتركة"، يضيف "لكن البصة، القريبة من حدود لبنان، كلها تدمرت، وبقيت فيها كنيسة الروم. راح سكانها إلى عكا".

يتذكر لحظة التهجير التي عاشها "قالوا لنا تخرجون من فلسطين لـ 15 يوماً، وتعودون، بقينا 65 سنة. مش حرام؟!. ولدت سنة 1924 في فلسطين، وخرجت سنة 1948".

ثم يتذكر البلدة، وماذا كان فيها "كان فيها كنائس ومساجد، والمسيحيون ثلاث فئات، أرثوذكس، وكاثوليك، وبروتستانت. الرؤساء العرب بشارة الخوري، وشكري القوتلي، والملك عبد الله، طلبوا أن نخرج. خرجنا إلى جبل قريب، وكان سجل نفوس أهالي البصة في صور بلبنان، وعندما جاء الانكليز، فصلونا عن صور".

 


المعمر الياس شاهين: 15 يوماً أصبحت 65 عاماً

ويلحظ أنه "بعد مذبحة دير ياسين كل الناس خافوا، وأن أول معركة كانت دير ياسين، وعملوا بها إرهاب، وصار الناس خائفون. الدول العربية، ساعدونا على الخروج، على أساس 15 يوم.. ولم تنته الـ 15 يوم”. يغص ولا يستطيع المتابعة.


في البصة نسبة عالية من المتعلمين، والسبب بحسب شاهين، "وجود مدرسة حكومية، وأخرى خاصة، واستمرت المدرسة تتطور حتى أصبحت جامعة”.

 

عن أعمال الناس، تحدث أنها تركزت على زراعة كل المزروعات، وكان "أحسن موسم عندنا هو موسم الزيتون، وقد اقتلعوا الأشجار”. وهناك أعمال بالتجارة لتلبية حاجات الناس، وبيع الإنتاج الزراعي.


البصة راهناً

ابن بلدة البصة سليم واكيم يتحدث عن زيارته الأولى لبلدته

في ظروف نكبة 1948، كانت السلطات الإسرائيلية في عز قوتها، مدعومة من الدول الغربية، المنتصرة في حربين عالميتين متتاليتين، والواقع العربي في الحضيض. والفلسطينيون، اللاجئون منهم، أم المهجرون في الداخل، لم يكن لهم سند يتيح لهم التفكير بالعودة، بينما كانت صدمة النكبة تلقي على رؤوسهم أثقالاً لا يمكن احتمالها. لم يعرفوا ماذا يفعلون، وهمهم الصمود، والاستمرار، حيث وجدوا، بانتظار ظروف متغيرة.

 

ومع حدوث بعض التغيرات العالمية، تراجع الدور الغربي قليلاً، ووقعت معارك أسقطت الهيبة الإسرائيلية، بين سنوات 2000، و2008، ولم تعد الغطرسة الإسرائيلية سائدة، وكان الفلسطينيون قد استعادوا بعض أنفاسهم أواسط التسعينات، وبدأ المهجرون في محيط بلداتهم يفكرون بزيارة مسقط الرأس. منهم من بدأ بترميم المقبرة، فهي الأقل استفزازاً للمستوطنين، ولا بأس بها كبداية، لكن العودة في الذهن.

ابن البصة سليم واكيم، من الجيل المتوسط، لم يعرف البصة قبل التهجير، لكنه يرتاد بلدته بين حين وحين برفقة ابنته حنان، وينتظر الزيارة على أحر من الجمر، كما قال لـ "الميادين نت".

 

ويتحدث واكيم عن بدايات معرفته ببلدته، وشعوره تجاهها، ويقول: "كنت أسمع من والدي وجدتي عن البصة، ومجتمعها، وكنت دائماً متشوقاً أن آتي إليها، وكطفل كنت أتخيل أنني إذا جئت البلد أجد فيها حياة. كانت صدمة لي أن أرى بلدي أكواماً من البيوت المهدمة والمهجرة. الأشجار ما زالت مثمرة لكن لم يعد هناك من يعتني بها. للأسف، كان عندي صدمة وغصة في نفس الوقت".


سليم واكيم: أبي رباني على حب البصة وربيت أولادي وأحفادي على ذلك

ويتابع سليم انطباعاته، ويقول "والدي ربانا على حب البصة، وعلى أمل العودة إليها، وآمل ذلك. وزرعت ذلك في أولادي وفي أحفادي، ونهتم أن يرافقنا أحفادنا وهم بعمر 3 سنوات و 5سنوات إلى مسيرات العودة، حتى نغرس فيهم حق العودة، وانتماءهم إلى هذه الأرض".


واكيم: عشت حياتي أنني مهجر ويجب أن أعود

لم أشعر بالغربة كثيراً عن البصة لأننا نعيش في موقع قريب منها، وعشت حياتي أنني مهجر ويجب أن أعود، رغم أن البلدة التي نقيم فيها هي "معليا"، بلدة والدتي، ومحل عملي اليوم مدينة "نهريا" أقل من 10 دقائق من البصة، وخلال عودتي إلى بيتي في "معليا"، أحاول أن أمر بجانب البصة، بسبب حنين وشعور يربطني بهذا الموقع. وبعد أن قمنا بالمحافظة على الأماكن المقدسة في البلدة، وهذا أقصى ما استطعنا القيام به، وعملياً هما كنيستان، ومقام الخضر والمسجد، عملنا على مدى سنوات للمحافظة على هذه الأماكن المقدسة، منذ السبعينات.


واكيم يتحدث عن أول زيارة له إلى بلدته منتصف الستينات

وتحدث واكيم عن أول زيارة له للبصة، سنة 1964، قبل نهاية الحكم العسكري سنة 1966، وكان عمره، كما ذكر، 10 سنوات، وقال "جئت مع جدتي ووالدتي، وبعض الأقارب، وزرت بيت أهلي، وكان لا يزال قائماً في ذلك التاريخ، وكانت معظم بيوت البلدة قائمة حتى أول السبعينات".


واكيم يتحدث عن زيارته لبلدته قبل أن تتغير معالمها

في الفترة التي كان الحكم العسكري لا يزال قائماً، كان الفلسطينيون يرزحون تحت الحكم العسكري القاسي، وكان يسمح بالزيارات من دون تصريح، في يوم هم يسمونه يوم الاستقلال، ونحن نسميه يوم النكبة. سمعت الكثير عن البصة، فكانت غصتي أكبر من أن توصف عندما شاهدت بلدتي قائمة، لكنها مهجورة من السكان.


مشاهد خاصة لبلدة البصة

ملاحظة: الجولة في البصة، والمقابلات مع سليم واكيم، تمت بزيارة قام بها شخصياً مع كريمته حنان، التي تولت التصوير تجاوباً كريماً مع رغبة "الميادين نت".