المقاربة الأميركية للمنطقة.. شيء ما تغيّر

تواجه الولايات المتحدة تحديات جمّة في المنطقة عام 2018. من جهة لديها أولويات مختلفة عن السابق، ومن جانب آخر هناك تصاعُد لأدوار دولية وإقليمية. كيف ستتعاطى مع الأزمة السورية ومع التغيّرات المُتسارعة في الخليج؟ وكيف ستواجه الدور الروسي المُتعاظم في المنطقة؟ عن هذه الأسئلة وغيرها تجيب إليزابيث ديبل نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية السابق لشؤون الشرق الأوسط ومديرة العمليات في مؤسّسة كارنيغي، ضمن ملف "2018.. المخاض العسير".

جملة من التحديات سوف تواجهها الإدارة الأميركية في المنطقة العربية والشرق الأوسط عام 2018.

جملة من التحديات سوف تواجهها الإدارة الأميركية في المنطقة العربية والشرق الأوسط عام 2018. هناك النزاع الدائر في سوريا ومعها، ورغبة الإدارة الأميركية للمضي قدماً في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، إضافة إلى التحوّل في الخليج، لاسيما في ظل القيادة الجديدة التي أظهرها محمّد بن سلمان. هناك أيضاً العلاقة مع مصر، عدا عن النشاط الإيراني في المنطقة.

تتفاعل هذه القضايا بعضها مع بعض بطبيعة الحال. المزيج بينها مجتمعة يشكّل تحدياً رئيسياً. لكن تبقى الصورة ناقصة في حال تجنّبنا الإشارة إلى جانب أساسي. الإدارة الحالية كانت واضحة جداً من حيث اعتبار أنّ السياسة الخارجية ليست أولوية لديها كالسياسة الداخلية. لقد تم انتخاب دونالد ترامب على أساس "أميركا أولاً". رغبته وفق ذلك يحدّدها تحقيق الأمان والسعادة للولايات المتحدة.

بالتالي سيكون من الهام مراقبة كيف ستتعامل أميركا مع أهدافها في ظل ما يحصل في العالم.


سوريا والمنطقة.. انحسار الدور الأميركي

أبعدت واشنطن نفسها عن دور المنافس الرئيسي في المنطقة.

تتخذ روسيا نهجاً براغماتياً. هي ليست مهتمة بأن تهيمن على المنطقة بأكملها كقوة عالمية. لديها مصلحة واضحة في سوريا وعلاقات قوية مع إسرائيل. جزء غير قليل من المواطنين الإسرائيليين يعود إلى أصول روسية. هناك انسجام في المصالح.

أيضاً، لدى روسيا مصالح مشتركة مع إيران في سوريا. هناك مصلحة ذاتية ترشد روسيا في المنطقة. أما في اليمن فلديها مصلحة، هناك شيء ما.

لا يمكن التحديد على وجه الدقة كيف ستكون السياسة الأميركية حيال سوريا. بماذا تفكّر واشنطن حيال مستقبل هذا البلد؟ هناك رغبة عالمية بإنهاء النزاع، ولكن كيف سيحصل ذلك؟ يبقى السؤال مفتوحاً.

لقد رأينا الدور المتصاعد لروسيا في الشرق الأوسط وتحديداً في سوريا. الدور الذي تلعبه موسكو اليوم، لم تقم به قبل خمس سنوات.

لقد تحوّلت الأمور عندما اتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قراره بالانخراط في النزاع السوري بشكل مباشر عام 2015. بالتالي، روسيا اليوم لاعب أساسي أكثر من أي وقت مضى.

بصراحة أبعدت واشنطن نفسها عن دور المنافس الرئيسي في المنطقة. انسحبت بكل تأكيد. هذا الأمر لا يقتصر على الشرق الأوسط. إذا نظرت إلى آسيا وإلى الشراكة عبر المحيط الهادئ، ترى أنه كلما تراجع دور أميركا في آسيا، تملأ الصين هذا الفراغ أكثر فأكثر.

هل بإمكانها أن تعود لاحقاً إلى دورها في الوقت الذي يملأ غيرها الفراغ؟

يصبح الأمر أكثر صعوبة، ولكن لا توجد حتى الآن دولة واحدة استطاعت أن ترث الدور العالمي للولايات المتحدة في أماكن مختلفة. إقليمياً، هناك لاعبون يحلّون تلقائياً أو بإرادتهم في بعض الحالات ولا أعتقد أنهم يرثون دور الولايات المتحدة بالشكل الذي كانت تلعبه.

أما بخصوص داعش وما ستفعله أميركا بشأنه في العام الجديد فأعتقد أن الحرب عليه كانت ناجحة. داعش لا يزال موجوداً ولكن قوّته تتلاشى بشكل كبير. ما يقلقني هو الإيديولوجيا. لا يمكنك أن تطرد فكراً بهذه الطريقة. أعتقد أن أميركا ستواصل محاربته من أجل حماية الوطن.


تفسير خاطئ لأفعال ترامب

قيل إنه لا يمكن التنبّؤ بأفعال ترامب

أثير عدد من ردود الأفعال حيال إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل. يرى البعض أن أميركا لم تعد ترغب بلعب دور الوسيط بعد الآن. أستطيع أن أحاجج بأن هناك تفسيراً خاطئاً لأفعال ترامب. الإدارات الأميركية المتتالية كانت تقول إنه سيتم إعلان القدس عاصمة لإسرائيل. المرشّحون للرئاسة الأميركية فعلوا ذلك على الدوام.

إثارة هذه المسألة تعدّ نقطة جيدة بالنسبة لمرشّح الرئاسة، لكن عندما يصبح الأخير رئيساً يدرك أن الوضع أكثر تعقيداً.

أحد وعود ترامب الانتخابية كانت تتعلّق بهذه المسألة تحديداً. قيل إنه لا يمكن التنبّؤ بأفعال ترامب، ولكن أرى العكس تماماً من وجهة نظري. لقد قال خلال حملته الانتخابية إنه يريد بناء جدار عند الحدود مع المكسيك، والانسحاب من اتفاقية المناخ، وتطرّق إلى الاتفاق النووي مع إيران. أعتقد أن الناس ربما لم يصدّقوا أنه سيقدم على تنفيذ وعوده حينما يصبح رئيساً.

من الواضح أن الإسرائيليين كانوا سعداء بقراره، لكن لا أتصوّر أن هذا ما كانوا يتمنّونه أو يريدونه فعلاً.

علينا الانتظار لنرى ماذا سيحصل لاحقاً. حالياً هناك غضب لدى الرأي العام. نرى ذلك بوضوح في عدد من البلدان العربية وحول العالم. أتوقّع أن يكون هناك تأثير على المدى البعيد لما حصل.

البعض يقول إن الخطوة التي أقدم عليها كانت سريعة. هناك شعور في أوساط عدد من المراقبين أن قراره نابع من أن ردود الأفعال لن تتجاوز ما يحصل الآن.  

من ناحيتي أعتقد أن ترامب كان مجبراً على اتخاذ موقف من مسألة إعادة تأجيل قرار الكونغرس حول الموضوع. الحدث فرض عليه إذاً اتخاذ قرار. من جانب آخر لا يمكن أن ننفي بأن ترامب مؤمن بصوابية قراره.


إيران والخليج

ديبل: من الممكن أن تشتعل النيران من جديد ولكن سيحصل ذلك بطرق مختلفة

في أميركا يتعاظم القلق حيال الكارثة الإنسانية الناجمة عن الأزمة في اليمن. لدينا علاقات وثيقة مع دول الخليج المنخرطة في الحرب هناك. أرى أن أميركا تحاول القيام بدور كبير في اليمن، لكنني لا أمتلك إجابة واضحة عن كيفية ذلك.

غير بعيد من اليمن هناك تحديات صاعدة في منطقة الخليج. يرى عدد من الأشخاص أن الوضع في السعودية يتطوّر بسرعة لم يكن يتوقّعونها. الناس كانوا معتادين على الـ"ستاتيكو" السابق، إلاّ أن بن سلمان لديه هدف واضح بتحريك الأمور. يحاول صنع رؤية جديدة، من حيث دور المرأة وغيره من الأمور. إنها تغييرات بسيطة ولكن بالنسبة للسعودية هي كبيرة.

الرياض حليف متين لأميركا. هناك شيء آخر تغيّر في العلاقة بين البلدين. باتت أميركا أقل اعتماداً على مصادر الطاقة. أصبحنا مستقلين على مستوى الطاقة.

هل أميركا قلقة حيال هذه الوتيرة السريعة من التغييرات؟

لا أودّ القول إننا قلقون، إنما نراقب باهتمام كبير لنرى كيف ستستقرّ الأمور.

في ما يتعلّق بالاتفاق النووي مع إيران تغيّرت الأمور مرة أخرى بعد مجيء ترامب. عقب توقيع الاتفاق قيل إن الأمور كانت تسير باتجاه مختلف.

أعتقد أن هذا الأمر يعود إلى كيفية تعاطي ترامب على نحو أبيض وأسود تجاه القضايا. لقد قال خلال حملته الانتخابية إن الاتفاق النووي هو الأسوأ في التاريخ. من الهام تذكّر أن الولايات المتحدة لم تكن لديها علاقة مباشرة مع إيران على مدى عقود. الجيل الذي أنتمي إليه من الدبلوماسيين لم يذهب يوماً إلى إيران. اعتمدنا على الآخرين. إيران مجتمع معقّد ومتطوّر للغاية.

صراحة، كان الاتفاق النووي جزءاً من علاقة معقّدة مع إيران. هناك التدخّل الإيراني في سوريا، ودعم طهران لحزب الله، إضافة إلى وجودها في اليمن والعراق، ودعمها لمنظمات نصنّفها إرهابية. لديك مجموعة كاملة من القضايا.

هذا يستدعي السؤال عما إذا كان سيتم إشعال النار مرة أخرى.

جوابي أنه من الممكن أن يحصل ذلك بطرق مختلفة، وليس بالضرورة بشكل مباشر.

الذين فاوضوا في الاتفاق النووي سيقولون إن الاتفاق ليس مثالياً، ولكن لا يوجد اتفاق مثالي. في المفاوضات هناك "أخذ ورد".

من جهتي أرى أن الاتفاق هو أفضل الممكن، فقد أوقف طموح إيران النووي. وبالتالي أراه مكسباً للمجتمع الدولي بأكمله.