التوازنات المعقّدة والمفتاح الروسي

سينتقل الاهتمام على صعيد الأزمة السورية هذا العام من الميدان العسكري إلى الميدان الدبلوماسي. رأينا كيف انخرط الثلاثي الروسي والتركي والإيراني عام 2017 في رعاية حل دبلوماسي وسياسي للأزمة السورية. هذا التلاقي لم يلغ التباين في المصالح والأهداف، فلكل جهة رؤيتها الخاصة. ما هي الاختلافات الحقيقية بين الأطراف الثلاثة وكيف ستنعكس عام 2018 في ما يتعلق بالحل النهائي؟ الجواب مستمد من مقابلة مع ديميتري وترينين، مدير معهد كارنيغي في موسكو، ضمن ملف "2018.. المخاض العسير".

اللاعبون الكبار وتوازنات المنطقة

إذا ركّزنا على العلاقة بين إيران وروسيا يتراءى في الظاهر أن البلدين على علاقة جيدة، ولكن يبدو في المقابل أن هذه العلاقة يعتريها حذر متبادل.

إيران وروسيا لاعبان بارزان على المسرح السياسي ويتمتع كلاهما بتاريخ عريق. تاريخياً، كانت العلاقة بينهما معقدة جداً.

يدرك البلدان حاجة كل منهما للآخر إلى حد معين، لكنهما يعلمان أيضاً أن لكل منهما مصالحه التي لا تتقاطع بالضرورة كلياً مع الطرف الآخر.

أعتقد أنهما يحتاجان إلى حل هذا التباين لتفادي تقويض التعاون بينهما. من ذلك الوصول إلى حلول وسطية في سوريا، على سبيل المثال في ما يتعلق بالوجود العسكري الإيراني. يعتمد نجاح هذا المسعى على فن الدبلوماسية، وبالتأكيد على فن الدبلوماسية الروسية.

كما قلت العلاقة مع إيران مهمة بالنسبة إلى روسيا. لا تريد الأخيرة أن تكون في حالة عداء مع إيران، لذلك تتفهم "المصالح المشروعة" لطهران.

من جهة أخرى، لا تستطيع روسيا أن تدعم جميع مصالح إيران. هذا الأمر يضعها في نزاع مع لاعبين آخرين مهمين لموسكو. من بين هؤلاء إسرائيل والسعودية ودول أخرى في المنطقة.

من هنا تحتاج روسيا إلى إيجاد حل وسط حيال القضايا التي تتعلق بإيران وإسرائيل، أو إيران والسعودية. هذا الأمر سيجعل جميع الأطراف غير راضية بشكل كامل، لكن على الأقل سيكون معترف بدورها في المنطقة، وهذا هو فن الدبلوماسية.

بالقدر الذي تتمتع فيه روسيا بعلاقات جيدة مع تركيا وإيران، وتضطلع بدور أساسي في سوريا، لديها في الوقت نفسه علاقات حسنة مع إسرائيل. هناك ما يفسّر هذا التوازن.

لا يعتمد مفتاح العلاقة الجيدة دائماً على توافق الطرفين، ولكن على الصراحة دائماً وعلى شرح الأسباب التي تجعلك تدافع عن أمر معين، وعلى المحاولة المتواصلة لإيجاد أرضية مشتركة.

هذا ما يجعل روسيا قادرة على الحفاظ على علاقة مع إيران وإسرائيل في الوقت نفسه.


تجسير الهوة مع تركيا

ترينين: تاريخياً كانت العلاقة بين روسيا وإيران معقدة جداً.

بدا أن العلاقات الروسية التركية راحت تأخذ مساراً جديداً إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في تموز يونيو من العام 2016. هل سيتعزز هذا التقارب وينعكس أكثر في ملفات المنطقة وفي سوريا تحديداً في عام 2018؟

كما هو الحال مع إيران، يعتمد هذا الأمر على توصل الطرفين الروسي والتركي إلى تسوية حيال القضايا التي تباعد بينهما. مثال واضح على ذلك مسألة الكرد في سوريا. يفضّل الروس نوعاً من الحكم الذاتي للكرد يكون أساساً لمشاركتهم في عملية التسوية النهائية. لدى تركيا وجهة نظر مختلفة. تنظر أنقرة إلى وحدات حماية الشعب الكردية باعتبارها حليفة لحزب العمال الكردستاني المزعزع لاستقرارها.

بالتأكيد هناك مجال للتسوية، وأعتقد أن الروس يركزون على هذا الأمر. لذا يحاولون التمييز بين أمرين: المصلحة المشروعة للأمن التركي ومحاولة مراعاتها من جهة، والطموحات التركية غير المستدامة التي من شأنها أن تقوّض الحل السياسي في سوريا من جهة أخرى.

رأينا تركيا تقوم بعدد من التقلبات في سياستها الخارجية في السنوات الماضية. هناك من يأمل بأن تحافظ على علاقة متوازنة مع روسيا. قبل نهاية العام المنصرم التقى بوتين وأردوغان مراراً. هذا أمر هام من أجل الحفاظ على تعاون وثيق بينهما.


الصوت الروسي الخافت

ترينين: روسيا صريحة جداً مع شركائها الكرد، وأيضاً مع شركائها في بغداد ودمشق.

أزمتان رئيسيتان في المنطقة كان الصوت الروسي حيالهما خافتاً نسبياً. أولهما مسألة استقلال إقليم كردستان العراق وثانيهما الحرب على اليمن.

في ما يتعلق بمسألة كردستان، اتخذت روسيا موقفاً مبدئياً بدعم الوضع القائم في الشرق الأوسط. هي تدعم عراق موحداً، وسوريا موحدة. كما تتفهم مطالب الحكم الذاتي للكرد في العراق وسوريا، وتحاول التعامل مع هذين الأمرين.

روسيا صريحة جداً مع شركائها الكرد، وأيضاً مع شركائها في بغداد ودمشق.

بخصوص الحرب الداخلية في اليمن أعتقد أن موسكو لا تريد أن تتورط في الحرب الدائرة بالوكالة بين السعودية وإيران. حاولت المساعدة في المراحل الأولى من الصراع ولكن بكل وضوح لم تتدخل كثيراً.

في اليمن أعتقد أنه عندما يكون طرفا الحرب جاهزين للتسوية، فقد يقوم الروس بخطوة إلى الأمام.


عملية السلام.. روسيا بدل أميركا

ترينين: الروس راودتهم فكرة لعب دور في ملف التسوية الإسرائيلية الفلسطينية

إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل أثار العديد من ردود الأفعال. بدا أن روسيا كانت تحاول أن تلعب دوراً حيال الصراع. هل ستحاول روسيا أن تبرز من جديد في هذا الملف بموازاة ما يبدو أنه انسحاب أميركي؟

أعتقد أن الروس راودتهم الفكرة. في مرحلة معينة قبل سنوات كانوا يتحدثون عن دعوة أبو مازن ونتنياهو إلى موسكو وإجراء محادثات معهما. لكن لا أعتقد أن مثل هذا الأمر سيحدث عام 2018 لأسباب مختلفة. هذا لا ينفي أنهم يسعون إلى موقع يسمح بإيجاد تسوية مقبولة في ما يتعلق بالقدس.

ربما من المفيد هنا العودة إلى تصريح لوزير الخارجية الروسي بداية عام 2017 قال فيه إن روسيا تعترف بواقع أن القدس الغربية عاصمة لإسرائيل. لكنه قال أيضاً إن روسيا تفهم، في حال قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية، فإن القدس الشرقية ستكون عاصمتها.


 

التعليقات