أحمد سعدات يروي معاناة الأسرى في "صدى القيد"

يعتبر كتاب أحمد سعدات "صدى القيد" دراسة جيوسياسية عن سجون الإحتلال الصهيوني، وبالأخص منها الزنازين المغلقة.

"صدى القيد"للقائد الفلسطيني أحمد سعدات
"صدى القيد"للقائد الفلسطيني أحمد سعدات

كتاب "صدى القيد" لأمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات يعيد إلى ذاكرتنا أدب السجون وما كتب عنه في العالم العربي من روايات ، وعلى رأسها "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، و"تلك العتمة الباهرة" لطاهر بن جلون، و"شرف" لصنع الله إبراهيم، و"تزممارت" للجنرال أحمد المرزوقي.

إن كتاب "صدى القيد" يشكّل دراسة جيوسياسية عن سجون الإحتلال الصهيوني، وبالأخص منها الزنازين المغلقة. وسيتحول مع الزمن إلى أهم قاموس نتعلم منه ما هو الأسر والأسرى؟.

تقول سحر فرنسيس من "مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان" في تقديمها للكتاب: يختار سعدات أن يستعرض تجربة شخصية في العزل لما يقارب ثلاث سنوات، من خلال قصص من إلتقى بهم في زنازين العزل.

كان الهدف الصهيوني هو عزل الحركة الأسيرة ومن تصنفهم مصلحة السجون من الأسرى لتعزيز الفردانية والغرق في مواجهة المشاكل الخاصة في المعتقل والقسم. لكن الحركة الأسيرة أبدعت بإكتشاف أساليب تواصل ومواجهة لهذه السياسات.

تختم فرنسيس مقدمتها بقولها إن واقع الحركة الأسيرة الفلسطينية لا يختلف أبداً عن واقع الفلسطينيين خارج أسوار السجن على مساحة قطاع غزة، واَلاف العائلات عزلت عن أرضها ومحيطها خلف جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية.

يقول وزير شؤون الأسرى السابق عيسى قراقع في تقديمه للكتاب: إن سعدات يسلّط الضوء على ما يجري هناك في تلك القبور التي تسمى زنازين العزل.

ويتضمن الكتاب سبعة فصول:

الفصل الاول يتناول الإطار التاريخي لسياسة السجون عند الصهاينة منذ بداية الاحتلال. فقد كان الأسير يواجه أشد أنواع التعذيب فور استقباله، فيوضع في زنازين العزل الإنفرادي مُدداً متفاوتة لكسر شوكته منذ الأيام الاولى لاعتقاله، وإذلاله على استخدام كلمة "سيدي" بعد إجابته عن كل سؤال.

العزل الإنفرادي الذي شرعته القوانين الإسرائيلية كان إجراءً وقائياً انتقامياً، حيث مورس على عدد من الأسرى كحالة المناضل الأممي كوزو أكوماوتو الذي أخضع للعزل الإنفرادي في زنازين خاصة تنخفض أمتاراً عدة عن سطح الأرض في سجن الرملة لمدة أكثر من عشر سنوات. ويتذكر سعدات أسماء مناضلين تعرضوا لسياسة العزل في السجون مثل الشهيد إبراهيم الراعي قبل أن يتم اغتياله في داخل سجون الأسر عام 1988. وأبو علي شاهين من حركة فتح والأسير عبدالله العجرمي من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" والأسير جبر عمر من الاتجاه الإسلامي.

ويكمل سعدات مسحه الدقيق لمعاناة الأسرى فيقول: بعد أن فشل سجن نفخة الذي أنشأ  لكسر إرادة النواة الصلبة للأسرى، أقام الصهاينة في سجن بئر السبع قسماً للعزل الجماعي "بتشريع قانوني إسرائيلي" يحدد مدة العزل بثلاثة أشهر تجدد تلقائياً. وهذا الإجراء تم نعزيزه بإقامة قسم للعزل رديف في سجن "نيتسان"في الرملة، وفيما بعد أنشأ سجن هداريم غرفاً بتصميم خاص بحيث لا تتسع لأكثر من أسيرين، وفيه أقسام صنفت للعزل بحسب مستوى الأسرى المقيمين، وأشدها قسوة قسم (3) الذي بقي قائماً ومخصصاً للأسرى السياسيين.

يرى سعدات في الفصل الثاني أن سجن  كوزو اوكاموتو في قسم العزل، الذي رأت فيه إسرائيل ظاهرة عقائدية أممية كفيلة بأن تهز كيانها العنصري، في حال تعميمها، وستشكل نواة لبؤرة ثورية جديدة ضد الإستعلاء والرأسمالية في العالم. ولذلك لا بد من وأد هذه البؤرة في مهدها.

ويضيف سعدات: ولهذا تكالبت قوى الظلام في العالم على منابع هذا التوجه بدءاً بتشي غيفارا في بوليفيا ووديع حداد في فلسطين. فلجأت في تشديد عقوبة العزل بحق أوكاموتو كنموذج أول، وكذلك بحق عالم الذرة الإسرائيلي موردخاي فعنونو. ولنا أن نتصور الظروف التي عاشها الإثنان وخصوصاً أوكاموتو الذي لم يكن يجيد العربية أو العبرية، وفي الوقت نفسه جهل الوسط الذي يعيش فيه باللغة اليابانية أو الإنكليزية، مضافاً إلى طبيعة قسم العزل مناخياً وإجتماعياً، فمناخ المنطقة الذي يقع فيها سجن الرملة مشبع بدرجة رطوبة عالية. ولأن قسم العزل الذي سجن فيه أوكاموتو ينخفض عدة أمتار عن سطح الأرض فإن الوضع الطبيعي للحياة سيكون قاسياً ومزعجاً.

يبحث سعدات في الفصل الثالث الغلاف القانوني لتشريع سياسة العزل. فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تشرع انتهاكات حقوق الإنسان الأسير من خلال سن قانون مصلحة السجون عام 1971، الذي ينص على عزل الأسير بحجج أمنية، إلى أن أصبح العزل سياسة متبعة في كل السجون الصهيونية. وبات بإمكان مدير كل سجن أن يعزل أي أسير لأي مدة من دون الرجوع إلى القضاء.

ويعدد سعدات في الفصل الرابع أسماء أقسام العزل الانفرادي والفصل الجماعي. فكل قسم من أقسام العزل يتكون من مجوعة حجرات قد تصل إلى 18 حجرة، ورغم الإختلاف الشكلي بين هذه الحجرات، إلا أنها متشابهة في المضمون بشكل كلي، حيث صممت جميعها كي تكون مكاناً لتنفيذ عقوبة العزل.

ويقوم سعدات بوصف مفصل لأقسام العزل في سجون عسقلان، أوهلي كدار، بئر السبع، ريمون، الرملة، الشارون، الجلبوع، ونفحة الصحراوي.

الفصل الخامس يتحدث عن العوامل التي تساهم في صمود الأسرى، حيث يقول سعدات إن مجمل هذه العوامل ناجمة عن صلابة انتمائهم العقائدي والوطني. فقد وحدت تجربة عزل الأسرى من المشارب الفكرية والإجتماعية كافة، وصهرتهم في بوتقة واحدة على صعيد القسم الواحد.

من عوامل صمود المعزولين هو الدور الذي لعبه المحامون أو كما يطلق عليهم "ملائكة الرحمة" الذين كانوا من أهم اسباب انتصار إرادة المعزول على إرهاب السجان.

ويعرض سعدات كيف يتم تفتيش الزنزانة بشكل يومي مرتين وكيف يتم تعداد الأسرى ثلاث مرات يومياً.

يتعمد السجان إبقاء الأسير المعزول دائم التوتر وغير مستقر من خلال نقله مرة كل ستة أشهر من عزل إلى أَخر، حيث يتم نقله بسيارات هي عبارة عن عربات نقل تضم مجموعة من الزنازين الحديدية الضيقة التي لا تتسع إلا لشخص واحد. وغالباً ما يظل الأسير موثق اليدين والقدمين في تلك الرحلة.

ويروي سعدات في الفصل السادس قصصاً جميلة واقعية عن حياة الأسرى العُزل، تنم عن سخافة وغباء السجان وفيها "شر البلية ما يضحك" من منع الجريدة الإنكليزية ومنع إبرة الخيط وحكاية الشرطي الصهيوني الغبي.

يحكي سعدات قصة الرغيف المقسموم إلى جزئين . المشتبه به أمنياً وخضع لتفتيش غير إعتيادي، فهو يمر عبر جهار إلكتروني كاشف بالأشعة . بعدها وُزع على كل أسير. وعلق على ذلك سعدات بقوله: هنا يجبل الحقد بالغباوة، والنتيجة هي التنغيص علي السجين لأبسط الأسباب.

 في الفصل السابع يطالب سعدات بضرورة تماسك الحركة الأسيرة. ويقول: إن مواضيع القدس ، والإستيطان، والأسرى، والجدار يجب أن تخرج من دائرة المناكفات السياسية وأمراض إدارة الأقسام، وبالأخص قضية الأسرى.

ويختم سعدات هذا الفصل بأن العدو يستهدف من خلال سياسة العزل الإنفرادي ليس عزل الأسير عن قيمه وإنتمائه، مصدر قوته، فحسب، بل أن يعيش السجن داخل الأسير.

يخاطب "أبو غسان" أحمد سعدات من داخل عرينه/ سجنه، الأسرى قائلاً: "لا تسمح للسجن بالتسلل إلى داخلك. وتذكر عند أي منعطف صعب أنك لا تمثل نفسك وحدك، بل تمثل شعبك. وقبل كل ذلك أسرتك، وأصدقاءك وفوق الجميع رفاق دربك. وفي هذه الحالة يجب أن تشكل عنوان عزة وكرامة، ونموذجاً عصياً على الكسر أو الإحتواء. إن معركتنا عبارة عن صراع الإرادات بين قيم التقدم وقوى الرجعية. فلا تسمح للحقد بالإنتصار على قيم الإنسانية الخلاقة".