نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

عمواس: بلدة البطولة والمقاومة.. والخصب

عمواس بلدة فلسطينية تقع على حدود الضفة الغربية لفلسطين، قريبا من الخط الأخضر، ورغم وقوعها خارج الخط، فقد دمرتها السلطات الاسرائيلية لمقاومتها الاحتلال.

  • الباحثة الاجتماعية رنا عوايسة

أعدت الباحثة الاجتماعية، والناشطة في مجال العودة في صفوف "جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين" رنا عوايسة، العديد من الأبحاث عن فلسطين وبلداتها، خصوصا الممهجرة والمدمرة منها، ومنها التحقيق التالي عن بلدة "عمواس" ضمن نشاطات "جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين".

 

 

  • لقطة قديمة لعمواس من الجو

وفي تواصل من "الميادين نت"، وتنسيق معها، سلطت عوايسة الضوء على بعض نواحٍ من "عمواس، معلومات وصورا، بادئة أن "عمواس" بلدة فلسطينية، ومقاطعة مركزية ذات أهمية استراتيجية خلال عهود تاريخية مختلفة تعاقبت على فلسطين. ويعود ذلك إلى موقع القرية الاستراتيجي الذي يربط الساحل بمنطقة القدس، والمشرف على منطقة باب الواد التي اعتبرت مفتاحا للقدس.

تقع عمواس 25 كم شمال غرب القدس، وجنوب شرق مدينتي يافا والرملة، و33 كم جنوب غرب "رام الله”.

أقيمت القرية على تلة ترتفع بين 200 و 250 م فوق البحر، وتشرف على السهل الفلسطيني الساحلي غرباً، وعلى وادي كبير شمالًا.

  • نبع العقد من الينابيع العديدة المخصبة لعمواس

وتشير مصادر متقاطعة أن أراضيها بلغت 5151 دونما، ولم يملك اليهود فيها أي شبر، وفيها 15 دونماً مغروسة بالزيتون، سكانها 1450 نسمة في عام 1945، ولجأت إليها عائلات كثيرة مهجرة بعد احتلال مدنها، وقراها خلال النكبة.

تمتعت عمواس بوفرة الينابيع، وبأراضٍ خصبة، وواسعة امتدت حتى السهل الساحلي، وازدهرت فيها الزراعة، وتربية المواشي بشكل خاص، وصدرت القمح والشعير والذرة البيضاء والسمسم والتبن إلى الرملة، واللد، والقدس.

  • تهجير أهالي عمواس

وبفضل الحالة الاقتصادية المزدهرة لم تعرف عمواس هجرة داخلية، أو خارجية قبل نكبة1948، وعمل قسم من أهلها في المعسكرات البريطانية، والتحق عدد آخر بشرطة الانتداب البريطاني، أو في أعمال حرة مختلفة، وكان في القرية العديد من البقالات، والمقاهي، وصالونات الحلاقة، ومحلات الخضار، والفواكه، والأفران، ومشاغل أحذية، وتصليحها، ومزارع دجاج، وقصابون.

قضت النكبة على الازدهار، حيث احتلتها العصابات الصهيونية، مما أدى إلى هجرة واسعة منها طلًبا للرزق في أماكن أخرى،خاصة في مدينة عمان.

  • تضييق صهيوني على أهالي عمواس لتهجيرهم

ثم مرت على القرية سنوات عجاف، حيث اضطر أهالي القرية إلى بيع أدوات منازلهم النحاسية، وصوف فراشهم، وأكلوا التمر عوضا عن الخبز الذي غلا سعره، وعرف العام 1951 بـ “عام التمر”.

دفع أهالي عمواس ثمنا كبيرا لصمودهم في أرضهم، وتعرضوا لتضييقات من الإسرائيليين لدفعهم إلى هجرها. واستشهد كثيرون وهم يحرثون أرضهم، لكن الحالة الاقتصادية عادت للتحسن بعد أن عمل قسم من أبنائها في الإدارة الأردنية، وسلك التعليم، والوظائف المدنية الأخرى.

  • آخر صورة لعمواس قبل تدميرها

الحياة الاجتماعية

بنت عائلات عمواس بيوتها متلاصقة، يحيط بها سور واحد، ولها بوابة كبيرة. ويوجد أمام هذه البيوت ساحة واسعة يضع فيها الفلاح الأشياء الضرورية لدوابه، مثل "جابية" الماء لسقي الدواب، و"المدود" الذي يوضع فيه العلف، وأماكن خاصة لربط الحيوانات. ويطلق على هذا النوع من الأبنية اسم “الحوش”.

أما البيوت القديمة فكانت مبنية من الحجارة، بعضها ذو عقد، والبعض الآخر مسقوف بأعمدة من الخشب، والطين، والقصول.

  • الدبكة من الحياة الاجتماعية لعمواس

شهدت عمواس مضافة تسمى “بيت الرجال"، استقبل العمواسيون فيها الضيوف، والغرباء الباحثين عن مبيت، وكانت المشاكل تحل فيه، حيث يقضون أوقاتهم بقراءة القصص الشعبية، والحكايات، والأمثال، والنوادر، وتسلوا بالألعاب الشعبية كالسيجة.

وكان في القرية مذياع واحد للحكومة البريطانية، عند مختار القرية أحمد ذيب أبو غوش يبث نشرة مسائية واحدة في اليوم، فيتجمع أهل القرية للاستماع إليه من الشارع القريب من بيت المختار. وقد دخل المذياع الذي يعمل بالبطارية الجافة البلدة بعد عام 1948، أما التلفاز فلم يدخلها حتى عام 1967.

اعتاد الأهالي على الاحتفال بعيدي الفطر والأضحى، وبموسم النبي صالح الذي يقام على مشارف الرملة ليوم واحد، وتحضره مواكب من الجوار، وفرق صوفية، وتقام فيه حلقات الدبكة الشعبية، وطقوس أخرى، واحتفل الأطفال به بثيايهم الجديدة.

  • بقايا كنيسة عمواس

معالم أثرية

يوجد في عمواس لغاية اليوم العديد من الأماكن الأثرية التي تدل على تاريخ البلدة العريق، وتنوع الحضارات التي تعاقبت عليها. ومن المعالم الباقية:

بقايا قنوات رومانية، وآبار وعيون من عهد الرومان، والكنيسة القديمة المبنية بحجارة ضخمة من بقايا ثلاث كنائس بنيت خلال العهد الروماني من القرن الثالث الميلادي، والبيزنطي من القرن الخامس، والصليبي من القرن الثاني عشر والتي بنيت على بقايا الكنيستين القديمتين،

  • مقام الصحابي أبو عبيدة

ومقام الشيخ عبيد الذي أجرت جامعة تل أبيب حفريات داخله، وأغلقته بباب حديدي، ومقام الشيخ معلا، وكان بعض الأهالي يقدمون النذور فيه، والمقبرة القديمة وفيها قبور منذ العهد الإسلامي.

من الآثار أيضا، ديراللطرون الذي أسسه عام 1890 رهبان جاؤوا من فرنسا لنشر الحياةالنسكّية، ومقـام الصـحابي أبي عبـيدة بـن الجــراح فـي مـقبــرة القــريــة التي دفن فيها الشهداء الأردنيون والعرب.

  • مقاومون يستطلعون باب الواد

المقاومة 1948

شاركت عمواس وقرى منطقة اللطرون في المقاومة ضد الاحتلال البريطاني والصهيوني. وقد كان موقع عمواس استراتيجيا، ومنذ اللحظات الأولى لصدور قرار التقسيم عام 1947، نصب الثوار الكمائن في باب الواد للإنجليز، وفيه اندلعت عدة معارك مع العصابات الصهيونية فتكبد الصهاينة أفدح الخسائر، حتى أن بن غوريون كتب في مذكراته “المشروع الصهيوني يترنح عند باب الواد”.

  • آلية إسرائيلية مدمرة في المواجهات في باب الواد

وفي الهجوم الثالث على منطقة اللطرون، شارك أرييل شارون الذي يذكر في مذكراته شدة تلك المعركة قائلا: “قتل نصف رجالي تقريبا، وجرح معظم النصف الثاني، وجراح بعضهم خطيرة... كانت الحجارة تكشط جلد ركبتي أثناء زحفي، وكان الدم لا يزال يسيل على امتداد فخذي، نظرت حولي، فانتابني شعور غريب، هذا المشهد لا بد أن يكون الجحيم”.

  • جرافة صهيونية تعمل على هدم بيوت عمواس

حرب 1967

احتل الكيان الاسرائيلي ما تبقى من فلسطين التاريخية في حرب حزيران1967 ، ويرى المؤرخ غادي الغازي أن الحرب أكملت ما لم يتم في نكبة 1948، فقامت الجرافات الإسرائيلية بهدم قرى عمواس، ويالو، وبيت نوبا، وهدمت بيوت القرية فوق من بقي فيها من مواطنين، خاصة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، فماتوا تحت الأنقاض، ويقدر عدد الذين هُجِروا من القرى الثلاث بـ 10,000.