هيثم طفيلي

روائي وكاتب مسرحي سوري

مُخلّفات الحرب

"إلى متى نتحمّل الشعر الرديء من هذا والفن الميت من تلك؟"

بينما آدم يقرأ إحدى الروايات بعطشٍ عابر الصحراء، كانت حواء تتحيّن الفرصة لسرقته من الراوية التي يحملها، وما أن رفع عينيه إلى السقف ليريحهما لحظة حتى انقضّت عليه.

حواء: ما رأيك بأمسية البارحة؟

يُجيبها ساخراً.

آدم: كان المكان جميلاً والكراسي مريحة حتى أن النوم كاد ينتشلني منكم ويضعني في جيبه لولا أني رشوت نفسي بقطع الحلوى التي رأيتها عند باب الخروج.

حواء: أسألك عن الشعر وتُجيبني عن الكراسي والحلوى؟

آدم: لم يكن شعراً ولولا أنه كان صديقك لصرخت في وجهه "الشعر للمجانين والمِهن الأخرى للعُقلاء ... إرحمونا يا أصحاب الشعر الرديء"، ثم منذ متى صار هذا شاعراً؟ أليس هذا الذي ضحك مشمئزاً حين أهديناه رواية ثم نفث دخان سيجارته وقال لنا ساخِراً "مَن هذا الغبي الذي لازال يقرأ"؟

تبتسم وهي تهزّ يدها.

حواء: مُخلّفات حرب!

آدم: إلى متى نتحمّل الشعر الرديء من هذا والفن الميت من تلك؟ إلى متى نتحمّل الأغاني الهابِطة في الشارع والنُكات السخيفة من المارة؟ ثم نضرب كفينا ببعضهما ونقول مُستسلمين إنها "مُخلّفات حرب"؟

حواء: هل أفهم أنك لن ترافقني إلى حفلة دار الأوبرا هذه الليلة؟

آدم: اعذريني لن أذهب. كل الفنون من شعرٍ وموسيقى ومعارض ومسارح وسينما هم أصدقاء لحظة الصدفة التي تختار بدايتها ويختارون نهايتها، ومزاجي لا يتحمّل صديقاً رديئاً سيّىء الخلق سيبول في عيني أو أذني وربما في قلبي.

تبتسم حواء فجأة كأنها لم تعد تسمعه ثم تضع يدها على بطنها ثم تلتفت إليه.

حواء: إنها تتحرّك

يتقدّم منها بحماس ويضع أذنه على بطنها ثم يقطع أنفاسه وكأنه يخشى أن يُرعبها بصوتِ شهيقه أو زفيره. يبقى هكذا حتى يحسّ بركلة ناعمة على وجهه تجعله يشهق فرحاً.

آدم: لقد أحسستُ بها

حواء: أخاف على شقيقها الكبير من الغيرة

آدم: هي البكر، فمن أخاها الكبير؟

حواء: أنت يا طفل أحلامي

يبتسم لها ويكاد أن يهمّ بتقبيلها لولا أن أفزعهما جارهم بصراخه وسبابه.

آدم: يبدو أنني سأتشاجر اليوم مع جارنا هذا

حواء: سيقول لك كعادته إنه حرّ بلسانه وأن أولاده وزوجته وأخوته لا يفهمون عليه إلا بالشتائم والسباب الرذيل هذا. جارنا من "مُخلّفات الحرب" أيضاً!

آدم: لا ليس حرّاً، ثم إنني لا أنوي أن أجعل ابنتي تكبر في مجمّع قُمامة بحجّة الصبر على "مُخلّفات الحرب" هذه.

ينهض غاضباً

حواء: إلى أين؟

يفتح آدم الباب فيجد عند حافّته جاره يسبّ إبنه ويضربه ويستمر هكذا إلى أن يصرخ فيه آدم غاضباً

آدم: لست حراً، لا تبوّل عند باب منزلي!