المايسترو لبنان بعلبكي ساحر العصا الصغيرة

ليلة موسيقية كلاسيكية بإمتياز شهدتها القاعة الرحبة لكنيسة القديس يوسف للآباء اليسوعيين- مونو، أحيتها الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية المؤلفة من 50 عازفاً بقيادة المايسترو الشاب لبنان بعلبكي. حضر موزارت، رحمانينوف، وباخ، مع جمهور متنوع فاضت به القاعة لكن الصمت الكامل في مقابل الحضور الموسيقي الآسر جعل الأنغام تحكم المكان والمتواجدين فيه.

المايسترو لبنان بعلبكي يقود الأوركسترا في الفيلهارمونية اللبنانية
التقليد الذي يعتمده الكونسرفاتوار منذ فترة بإقامة حفلات موسيقية مجانية في أكثر من مكان ملائم لهذا النوع من الإحتفاليات، إنعكس إيجاباً على جماهيرية الإنسجام مع المناخات الموسيقية بمعزل عن الأجواء الغنائية التي أخذت حيزاً نموذجياً من الإهتمام طوال قرون، فتبدو الصورة الآن مختلفة تماماً عما كان شائعاً.واللافت بقوة أن الحضور مكوّن من شرائح متناقضة في السن والثقافة واللون، يجمعهم فقط حب واحد: الموسيقى.

 

50 عازفاً كأتهم واحد. والعصا الصغيرة في يد المايسترو لبنان بعلبكي( شقيق سمية) خريج المعاهد الرومانية، تأخذ الرواد المستسلمين للأنغام إلى عوالم بعيدة جداً عن كوكبنا، ولا تعيدهم إلى مكانهم إلاّ وقد مسحت من أدمغتهم ما علق بها من شوائب، وما أكثرها في أيامنا هذه.وكلهم حس واحد لناحية المتابعة المحترفة والحساسة للعزف بمايؤشر على أفضل فرصة متاحة للتصفيق مع كلمة: برافو.

 

المايسترو بعلبكي، ذواقة من نوع خاص، جنتلمان شكلاً ومضموناً، فلم تمر مقطوعة موسيقية فيها مهارة عازف إلآ وأعقبها بالدلالة على صاحبها والطلب إليه أن يقف لكي يحييه الحاضرون بلفتة تكريمية خاصة، وهو ما أظهر المكرّمين بهذه اللفتة سعداء يشعرون بأن جهدهم لم يذهب سدى، وهم خليط لبناني عالمي الغاية منه جعل عازفينا في حالة إستعداد دائمة للتجويد والإبتكار إنسجاماً مع الإحساس المتبدّل بين مقطوعة وأخرى، وفق مزاج وعطاء هذا العبقري أو ذاك من ملوك الأنغام الرفيعة. سيد المنبر لم تغادر الإبتسامة محيّاه، حين يبدأ وحين يقفل، بينما الباقي دخول في فضاء الموسيقى إنخفاضاً وصعوداً، وصولاً إلى حالة من التلاشي لا تشبه إلا ّ الغريق في بحر يحبه ويحلم بالسباحة فيه إلى الأبد.

 

بسلاسة وبساطة أحياناً، وخبطات صادمة مدويّة أحياناً أخرى، لعب المايسترو معنا لعبة أردناها وأحببناها وذهبنا معها إلى البعيد، ولم نفكّر في موعد العودة لأن الشموع المضاءة كزنار حريري لمّاع حول العازفين سمحت بالإنسجام التام مع كل نغمة، وبدا كل عازف مع آلته حالة خاصة قائمة بذاتها بعيداً عن فانتازيا الحفلات قريباً من الإبداع المنفصل الذي يجعل من كل عازف أوركسترا قائمة بذاتها.