الموت ولعنة الفراعنة في 150 ألف قطعة أثرية بالمتحف المصري

طبيعي أن تكون الحضارة الفرعونية حاضرة في المتحف المصري بوسط القاهرة، المفترض أنه يعكس كامل جوانب وتفاصيل ما إستطاعه المصريون القدماء من إنجازات ما تزال شاهدة بوضوح على قيمة ما حققوه في مجالات مختلفة، لكن اللافت أن موضوع الموت حاضر بعمق في كل المعالم التي تحملها 150 ألف قطعة أثرية موجودة في المتحف، وتعكس الصورة الأكمل لما وصلنا من زمنهم.

زرنا المتحف وأمضينا في أقسامه ثلاث ساعات، وكان من حظّنا أن رافقتنا إليه مرشدة أمّنتها لنا إدارة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وبالتالي فقد دخلنا بثقة أكبر، وكان المجال مفتوحاً أمامنا لطرح أكبر عدد من الأسئلة الإستفهامية عن الفراعنة والأفكار التي تداولوها و تتمحور في معظمها حول الموت، كل ما تابعناه وسمعناه وشاهدنا معالمه كان عن مصير الإنسان بعد الموت وكيف عمل الفراعنة على تجهيز رحلة أمواتهم إلى الأبدية، من خلال التحنيط، ووضع كل ما قد يحتاجه هذا الميت من أدوات تساعده في الراحة والطمأنينة خلال فترة سحب الروح منه لكي يمضي الجسد إلى عناوين مختلفة، منها المرور بمحطات إختبار فإذا كان على قدر المسؤولية والوعي تجاوزها وعبر إلى مرحلة أخرى ثم ثالثة ورابعة إلى أن يستقر في موقع ثابت يتهيّأ فيه لحياة جديدة هي السرمدية بعينها.

تنقّلنا بين أجنحة الطبقتين الرحبتيْ المساحة، أمعنّا النظر في معظم التفاصيل، النعوش التماثيل والمحنطات، أماكن الدفن والإستحمام، إشارات إلى الطريق التي إفترضوا أن الأموات سيسلكونها في رحلتهم، الإطار الذي يستقبل الجثث وهو أقرب إلى المستوعبات الضخمة التي نعرفها هذه الأيام، مع زيادة ست طبقات بداخلها تتسع الواحدة منها لجثة واحدة، على أن يكون الستة إما رجالاً أو نساء ولا يجوز جمع الجنسين في رحلة واحدة أبداً، على أن يتم تفريغ بطون الموتى من الأعضاء كلها (الأمعاء والمعدة والبنكرياس) بحيث يكون الجسد جاهزاً في المحطة الثانية من الرحلة لملئه بما يساعده على الإستمرارفي حُلّة جديدة إستعداداً لحالة الخلود التي إعتبروها ثابتة وهناك فقط يلتقي الراحلون رجالاً ونساءً في آخر المطاف، بعد تجاوز المراحل بسلام ويُسر.

توقفنا عند فراسة الوجوه كلها، لمسنا فيها غموضاً وفي الوقت نفسه تحضر معالم الطيبة الكاملة، وعندما سألنا المرشدة المرافقة عن سر إهتمام الفراعنة بالحياة الأخرى بادرتنا " كانوا متنوّرين جداً، وبدأت الحكاية معهم من اللحظات الصعبة التي يعيشها الإنسان عند فقدانه قريباً أو حبيباً، وخاضوا مع التحنيط فكرة إبقاء الميّت في صورته الحية لا يتحلل ولا يتآكل، ثم تطورت الفكرة ولتكن رحلة طويلة ريما طال هذا الكائن مرحلة الخلود وهاهي محنطاتهم ظلّت خالدة آلاف السنين، أما ما إصطلح على تسميته بـ "لعنة الفراعنة" فإعتقدوا أنها تصيب من يقلل من إحترام الميّت المحنّط ويحاول العبث بجثته".