أشعلت قلبين في حياتها وملأتهما حقداً بعد وفاتها

أحببنا له قبل سبع سنوات شريط "رصاصة طايشة"، وها هوالمخرج "جورج الهاشم" يطرح جديده "نار من نار" بدءاً من 11 كانون الثاني/يناير الجاري في الصالات اللبنانية، بعدما عمل عليه لسنوات، متعاوناً مع فريق متنوّع الطاقات، فإستفاد من اللبناني الكندي الناشط مسرحياً "وجدي معوض"، والأقوى في تجسيد الأدوار المركّبة "فادي أبو سمرا"، والممثلة الجزائرية المتمكنة "عديلة بن ديمراد"، والنتيجة سيبة مثلّثة شكّلت رافعة للفيلم (ومعهم رودريغ سليمان، ورامي نيحاوي) مع صورة تملأ العين لليوناني "أندرياس سينانودس"، وأنغام تشنّف الآذان لـ "زاد ملتقى".

في 110 دقائق إستطاع "الهاشم" الحفاظ على إيقاع متناعم من الأداء الممسوك والمؤثرات المشهدية، لكن الممثل الأكثر تأثيراً في مجريات التصعيد الدرامي كان "فادي" في دور "وليد" الذي يلتقي بصديقه وغريمه في آن "أندريه" (وجدي)، لقاء ملتبس،حساس، لصديقين حميمين جداً فرّقتهما إمرأة كانت مع الأول، لكنها إرتبطت بعلاقة قوية وعميقة مع الثاني، ودخلت الحرب في لبنان على الخط، كشف "وليد" الخيانة المزدوجة من زوجته وصديقه، فكان جرح ليس سهلاً شفاؤه، وماتت حبيبة الإثنين، وإندلعت الحرب، وفرّقت الناس عن بعضهم البعض، وسافر "وليد" وكذلك "أندريه"، وعندما كان أول لقاء بينهما بعد غياب بدا غريباً وقاسياً.

"أندريه" تصرّف وكأن الأمورالسابقة عبرت وباتت من النسيان، لكن الصورة كانت عكس ذلك عند "وليد" الذي ظلّ جامداً متجهّماً في مواجهة الحضن الذي بادر به "أندريه" صديقه القديم، وتلازم كل هذا مع مناخ متشنج صحا بقوة عند "وليد" وهو يواكب الأجواء الإحتفالية مع صديقات وأصدقاء مشتركين سابقين وحاليين التي تميّز حياة "أندريه" الذي لم يبتعد عن حبه للسينما وهو حالياً يحتفل مع أسرة فيلمه الجديد بحضور بطلته الجزائرية الفرنسية "كاميل موران" (عديلة)، ولأنها مقربة من "أندريه" فقد أراد "وليد" الإنتقام من خلالها فإندفع نحوها أمام الجميع معانقاً وسط إستهجان، وكاد يحدث صدام لولا تهدئة الأطراف وخروج "وليد إلى الشارع يمشي من دون هدف.

إنها ذكريات لبنان الحرب ما قبل المغادرة إلى دنيا الإغتراب "كندا" أو "فرنسا"، وعندما إلتقى الصديقان القديمان في باريس حيث يعيش "أندريه"، والوافد من "كندا": "وليد" إستيقظت فجأة الذاكرة الخصبة لكليهما من خلال الحبيبة المشتركة لكليهما "أميرة"(لا تظهر صورتها) التي خسراها معاً، لتبدو الحرب المنصرمة مسؤولة عن هذه الميلودراما. المخرج هاشم" يقبض على مسالك فيلمه بحرفية شديدة، والواضح أنه مولع بما يستطيع ممثلوه تقديمه له على الشاشة، لكن الإنصاف يقتضي الإشادة بالفريق المرتبط بعضه بالبعض الآخر بخيط رفيع من الإجادة، مع تخصيص "فادي أبي سمرا، بلفتة إضافية لما ألهبه في مشاهده العميقة والحادة من مشاعرصادقة ومؤثرة.