موسى الذي شيّد بتصميمه... قصراً

موسى المعماري، رحل عن عمر 87 عاماً تاركاً خلفه قصة قصر سيُحكى عنه على الدوام.

كان مسكوناً بالحلم. باح به لفتاة أحبها وكان ابن عشر سنوات، لكنه كلما تقرّب منها قوبل باستهزاء واستعلاء قائلة له:" بدلاً من أن تعمرّ قصراً، إبتع لك حذاء".

الأمر نفسه حصل معه داخل قاعة الصف. تجرأ وخطّ حلمه على ورقة كبيرة. ولما رأى أستاذه محتوى الرسم سخر منه ومزقها. كان الحلم قصراً في المخيلة، وعندما تناثر الرسم أمامه إلى مزق خمسة، لم يبارح الحلم خياله. بذل الجهد لسنين. تحول الحلم إلى حقيقة ساطعة. بناء ضخم بات أحد معالم لبنان السياحية. إنها قلعة موسى، أو ما يعرف أيضاً بــ قصر موسى.

القصر يحمل الإسم الأول لبانيه، موسى المعماري إبن بلدة دير القمر في جبل لبنان. ربما وفي تحدٍ لكل من حاول أن يثبط من عزيمته، أعاد جمع المزقات الخمسة لرسمه معلقاً إياها داخل لوحة يطالعها العشرات من زوار القصر كل يوم منذ سنين طويلة.

إنها حكاية الإرادة التي جسدّها موسى المعماري الذي رحل عن هذه الدنيا اليوم. إرادة شيّدت قصراً من العدم. أدوات الحفر والبناء التي يقع عليها الزوار، شاهد على ما بذله موسى من جهد خلال ستين سنة رفع فيها بيديه الغرف والجدران والأسوار حجراً فوق آخر. هكذا بات لكل حجر حكاية. غرف تحوي تراث وتاريخ لبنان عبر مجسمات تعكس حياة اللبنانيين في القرنين التاسع عشر والعشرين.

أنجز موسى المعماري عملاً ضخماً يحفر في أذهان الأجيال صوراً من ماضٍ جميل وحضارة عريقة تعبّر عن أصالة بلاده، ومنها مظاهر الحياة القروية وقصص أهلها وطريقة عيشهم بتفاصيلها الدقيقة.

ففي الطابق الأول من قصر موسى تماثيل تتحرك بواسطة المياه وتقوم بمختلف الحرف اللبنانية. بينما يضمّ الطابق الأرضي الأدوات البدائية التي استعملها لتحقيق حلمه، وكذلك غرفة الصف التي تعتبر العامل الأول لصنع هذا الحلم.

كما ينتقل الزائر إلى متحف الأسلحة القديمة من العصر العثماني إلى الانتداب الفرنسي، ويربو عددها على آلاف القطع.

أما الاستراحة فلها ما يميزها حيث يخلد الزائر إلى الراحة في الطابق السفلي على وتر الربابة وإيقاعات المهباج يطحن البنّ.

موسى المعماري رحل عن 87 عاماً حاملاً الكثير من الأمل والعزيمة. نموذج يستقر في ذاكرة كل من زار قصر موسى.