"واجب": معالم الناصرة، ناسها وعاداتها بعيون فلسطينية صادقة

الشريط الجميل والجاذب الذي أنجزته المخرجة الفلسطينية "آن ماري جاسر" بعنوان "واجب"، تأخر وصوله إلى لبنان عاماً كاملاً، حيث بادرت "دار النمر" في بيروت إلى عرضه في حفل خاص وحاشد يليق بسينما صُنعت داخل الأراضي المحتلة، وحملت إلينا شوقاً وحنيناً للتعرف على معالم هذا البلد العزيز على قلوب كل العرب، رغم كل مظاهر الزيف التي نواكبها حالياً في محاولة لتعميم تطبيع زائف مع إسرائيل.

شاهدنا "واجب" (96 دقيقة) ووجدنا فيه بعضاً من معايير الصورة التي تكمّل المشهد الناقص الذي إعتدنا على تلقّيه عبر السينما من دون نقاش، وقد غاب عنه الإنسان العادي الصامد في أرضه، والمستمر على عهد الصبر أملاً في تحرر غير بعيد لكل ذرّة من تراب الوطن الذي واجه أعتى المخاطر منذ العام 1948 وحتى الآن.

في "واجب" يحضر الإنسان كما هو في شارعه وبيته وحتى مع لهجته المقعّرة، ونستأنس كثيراً لمتابعة اللقطات التي تُظهر شوارع مدينة الناصرة الرحبة المساحة، مع جانب مهم من الحياة اليومية للناس في هذه البقعة الغالية من أرض العرب، وندخل مع كاميرا "جاسر" إلى المناطق الداخلية للطبقة المتوسطة، ونرى تفاصيل نحتاجها في ذاكرتنا الخصبة لتوليد الصورة الحقيقية لفلسطين حيث النبض الشعبي في أبهى حضوره وتجلّيه.

قصة  عادية جداً تكمن قوتها في حالات التفريع الواضحة صوب كل القضايا التي تدخل في يوميات الفلسطينيين العادية وهم يصنعون حياتهم كما يودّون في غمرة التناقضات السياسية السائدة، عن المواطن العادي "أبو شادي" (محمد بكري – 65 سنة) الذي يتحضر لحفل زفاف إبنته "أمال" (ماريا زريق)، وهو أمر إستدعى حضور الإبن الأكبر "شادي" (صالح بكري) من إيطاليا حيث يعمل منذ سنوات مهندساً معمارياً، لمشاركة والده في التحضيرات لحفل الزفاف، خصوصاً توزيع بطاقات الدعوة شخصياً من خلال زيارات ميدانية يقومان بها، إلى عناوين المدعوين فرداً فرداً، وهي صورة فزنا من خلالها بأفضل عرض سياحي دعائي لكل المناطق التي تم التصوير فيها، وقد هضمت ذاكرتنا كامل التفاصيل التي نقلتها الكاميرا بعفوية وصدق.

الأمور لم تمر من دون عقبات. فوالدا العروس مطلقان، و"أبو شادي" مصرّ على عدم دعوة طليقته لحضور الزفاف، إضافة إلى وجود رغبة عند الأب لدعوة بعض الأصدقاء اليهود ممن يعرفهم من زمان بعيد، وهنا يتواجه "أبوشادي" مع إبنه محاولاً دون جدوى الدفاع عن وجهة نظره التي تعكس صورة معروفة تحاكي الخلافات السائدة حول وجهتي نظر سياسيتين.

ويبقى في النهاية أننا تعرفنا على جوانب جاذبة من حياة الفلسطينيين في أرضهم من خلال من يعيشون في مدينة السيد المسيح، في شريط قال الكثير عن الأرض والناس بشفافية مطلقة، مع ممثليْن مبهريْن (محمد وصالح بكري) ولو أن للفنان "بكري" شابين آخرين يعملان في مجال التمثيل، هما: "آدم" و "زياد".