الأخوان بعلبكي حقّقا إمتاعاً سمعياً أصيلاً على خشبة الأونيسكو

كأنما الغناء الهابط إنسحب خطوات إلى الوراء في الفترة الأخيرة، مع حفل الفنان "غسان صليبا" في كازينو لبنان، و"الليالي اللبنانية" التي أحيتها المطربة "سمية بعلبكي" على خشبة قصر الأونيسكو، ترافقها الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق عربية بقيادة المايسترو "لبنان بعلبكي"، ورعاية وزير الثقافة الدكتور "غطاس خوري" ممثّلاً بمدير القصر "سليمان خوري" الذي سلّم "سمية" درع الثقافة تقديراً لغنائها الأصيل.

كانت سهرة ليل الخميس في 22 آذار/مارس الجاري أنيسة ومدروسة، في صالة إتسعت لـ 800 شخص، بينما تواجد على الخشبة الرحبة المساحة، 55عازفاً كانوا جميعاً في أفضل حالاتهم، وسط غياب أي كورال مما شكّل فراغاً غير حميد في المناخ الرائع الذي كانت عليه الأمسية التي تميزت بلبنانيتها المطلقة مع معزوفتين: "وردة" لـ "ريان الهبر"، و"أندلسية" لـ "علي الخطيب"، و11 أغنية للكبيرين الراحلين "صباح"(عالضيعة، يسلم لنا لبنان، قلعة كبيرة، ويا دلع) و "وديع الصافي" (سبحان من جملك، يا قمر الدار، على رمش عيونها، رح حلفك بالغصن يا عصفور، وعلى الله تعود) وواحدة للفنان "مارسيل خليفة"، وأغنية "لا أريد إعتذاراً" (كلمات الراحل أنور سلمان، لحن إحسان المنذر) التي حازت عنها "سمية" الميكروفون الذهبي من تونس.

المايسترو "لبنان" كان على عادته سيد اللعبة الفنية الحاضنة لصوت شقيقته "سمية" تخدمهما كيمياء محبة خالصة، فنية وأخوية، جعلت التماهي بين عصاه وحنجرتها على أرفع مستوى من التواصل والإحساس الكامل باللحظة وما يعتريها من مشاعر صادقة، تُعلي طبقة الصوت هنا وتخفضه هناك، ثم تصدح بأعلى ما تطال الحبال الصوتية من إرتفاع، وكانت مُجيدة في كل الحالات ومنسجمة إلى آخر درجات الهارموني، رغم قوة وصعوبة بعض الأغاني التي تتطلب حنجرة مرنة مطواعة وعارفة بأسرار التلاعب بالطبقات لضبط المسار على قاعدة الإمتاع. خفرها أضاف إلى حلاوة الصوت وقدراته الكثير مما يصب في خانة التجويد مع كل جملة غنائية تأخذ حقها في بلوغ الآذان الفاهمة من دون أي عقبة أو حاجز وهمي يبتغي عرقلة مسارها.

الأخوان "بعلبكي" حازا تصفيقاً حاداً للجو الأصيل الذي أشاعاه. وإذا كانت "سمية" إعتادت النهج الطربي وجرّبته أكثر من مرة على خشبة قصر الأونيسكو على مدى 20 عاماً وحظيت بالمباركة والتصفيق والإشادة، فإن ما إستطاعته الأوركسترا من عزف رائع متوهج، جعل كل عازف نجماً مع آلته في موقعه، واللقاء بين الطرفين جاء في غاية الجمال والقيمة النغمية، فيما كانت كلمات مدير المعهد العالي للموسيقى الدكتور "وليد مسلّم" عن روعة الأخوين بعلبكي في منتهى التقدير، خصوصاً وأن الخطوة التالية تمثلت في منحها وسام الثقافة (سبق لشقيقها لبنان أن نال مثيلاً له في وقت سابق) من وزير الثقافة ممثلاً بمدير الأونيسكو "خوري".