الديمقراطية التركية على مزاج إردوغان؟

تتوقّع الأوساط السياسية للرئيس إردوغان أن يستمر في سياساته الحالية للتخلص من جميع رؤساء بلديات الشعوب الديمقراطي، ليكون مرشحو حزب الشعب الجمهوري الهدف التالي

بعد 5 أشهر تقريباً من الانتخابات البلدية التي جرت نهاية مارس/ آذار الماضي، ومني فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم بهزيمة كبيرة، وفاز مرشحو المعارضة في 31 ولاية مهمة، بما فيها إسطنبول وأنقرة وأزمير وأنطاليا، فوجئ الجميع بقرار وزير الداخلية، الذي أقال رؤساء بلديات ديار بكر وماردين ووان، وهم من حزب الشعوب الديمقراطي "الكردي". واتهم الوزير من دون أي قرار قضائي رؤساء البلديات المذكورين بالعلاقة بالإرهاب، والمقصود به حزب العمال الكردستاني، الذي يقاتل تركيا منذ 40 عاماً. وأثار القرار، الذي رافقتهم سلسلة اعتقالات شملت نحو 450 من أعضاء الشعوب الديمقراطي وأتباعه، ردود فعل عنيفة في الأوساط السياسية، ووصفه نائب حزب الشعب الجمهوري أوزكور آوزال بأنه "يعكس فاشية حكم العدالة والتنمية".

وناشد قادة الشعوب الديمقراطي كل الأحزاب والقوى الديمقراطية اتخاذ موقف عاجل وعملي ضد الرئيس إردوغان. وتوقع له الحزب أن يتخذ قرارات مماثلة تستهدف رؤساء البلديات الأخرى، التي يحكمها ممثلو المعارضة، بما فيها إسطنبول وأنقرة. وهذا ما هدد به الرئيس إردوغان شخصياً قبل الانتخابات الأخيرة، إذ ناشد الناخبين عدم التصويت لمرشحي المعارضة من الشعوب الديمقراطي والشعب الجمهوري، بمنفيهم أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول. وقال إردوغان آنذاك إنه سيقيل هؤلاء إذا فازوا في الانتخابات، وهو ما بدأ به عملياً، من خلال إقالة رؤساء بلديات ديار بكر وماردين ووان، وهي من أهم المدن الكردية جنوب شرق البلاد.

فقد فاز مرشحو الشعوب الديمقراطي بنسبة 63٪ في ديار بكر، و65,2 ٪ في ماردين، و45٪  في وان. وكان الحزب قد حقق انتصاراً مهماً عندما فاز مرشحوه في 8 ولايات و50 مدينة و11 ناحية في جنوب شرق البلاد، على الرغم من المضايقات التي تعرّض لها خلال الحملة الانتخابية، التي سبقتها حملات اعتقال استهدفت المئات من أتباعه وأنصاره في المنطقة ذات الأغلبية الكردية.

وتتوقّع الأوساط السياسية للرئيس إردوغان أن يستمر في سياساته الحالية للتخلص من جميع رؤساء بلديات الشعوب الديمقراطي، ليكون مرشحو حزب الشعب الجمهوري الهدف التالي، وقبلهم رئيس بلدية تونجلي ذات الأغلبية الكردية العلوية، ورئيس بلديتها من الحزب الشيوعي. كما تتوقع الأوساط السياسية للمرحلة المقبلة بعد افتتاح أعمال البرلمان نهاية أيلول/سبتمبر المزيد من التوتر بين أحزاب وقوى المعارضة، والرئيس إردوغان قال قبل الانتخابات إن "العدالة والتنمية الذي يسيطر على الأغلبية في المجالس البلدية في إسطنبول وأنقرة وأضنة وبلديات أخرى سيعرقل نشاط رؤساء البلديات"، وهم من الشعب الجمهوري لتكون الخطوة التالية إقالتهم جميعاً عند اللزوم . فقد سبق لوزير الداخلية أن أقال عام 2017 جميع رؤساء البلديات، التي كان الشعوب الديمقراطي يحكمها، وكان عددها اكثر من 90 بلدية، كما اعتقلت السلطات بعد ذلك نحو 5 آلاف من أعضاء، وأنصار وأتباع الحزب المتهمين بالعلاقة مع حزب العمال الكردستاني. 

ويحمل قرار إقالة رؤساء البلديات الثلاث في طياته رسائل مهمة داخلياً وخارجياً، حيث الحرب مستمرة داخلياً ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني، وخارجياً ضد وحدات حماية الشعب الكردية شرق الفرات المدعومة من أميركا وفرنسا وبريطانيا. في الوقت الذي يستمر فيه النقاش داخلياً وخارجياً بشأن خلفيات وأبعاد وخفايا ومعاني الاتفاق الأميركي - التركي الخاص بالمنطقة الآمنة شرق الفرات، وطالما أن أميركا ستستمر في دعم الميليشيات الكردية جنوب المنطقة الآمنة، وهي بعمق 20 كلم تقريباً وبعدها مجهول تماماً لخطورته.

وترشح كل هذه المعطيات وتفاعلاتها الآنية واللاحقة تركيا لتطورات مثيرة جداً على الصعيدين الخارجي والداخلي، وهما متداخلان وبانعكاسات ذلك على الديمقراطية (!) التركية التي بات واضحاً أنها وصلت إلى نهاية الطريق بالقرار الأخير، ما دامت أصوات الناخبين لم تعد تعني أيّ شيء بالنسبة إلى الرئيس إردوغان، فعسى ألا يلغي فكرة الانتخابات برمتها، ما دامت نتائجها المحتملة لن تكون على مزاجه بعد الآن!