خوفاً من إعادة الانتخابات.. هل يمنح البرلمان التونسي ثقته لحكومة الفخفاخ؟

تكليف إلياس الفخفاخ، بتشكيل حكومة جديدة، لاقى ردود أفعال مختلفة من قبل الأحزاب والمنظمات الوطنية، بين الترحيب والاستغراب. ورغم ضبابية بعض المواقف، فإن المتابعين للشأن السياسي يرون أن المؤشرات تدفع نحو منح الثقة لحكومة الفخفاخ.

  • يتوجب على إلياس الفخفاخ تشكيل الحكومة في أجل لا يتجاوز مدة شهر

كلّف رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد، أمس الاثنين، إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة في أقرب الآجال، وقد جاء هذا التكليف بعد سلسلة من المشاورات التي أجراها رئيس الجمهورية مع الأحزاب والكتل والائتلافات في مجلس نواب الشعب، وبعد لقاءات مع ممثلي المنظمات الوطنية ومع عدد من الشخصيات التي تم ترشيحها.

الفخفاخ بين الترحيب والرفض

عبرت مجموعة من الأحزاب الممثلة بالبرلمان عن عدم اعتراضها على تكليف الوزير السابق إلياس الفخفاخ، بتشكيل الحكومة، موضحة أنّ موقفها من دعم الحكومة ومنحها الثقة مرتبط بالتشكيلة التي سيقترحها الرئيس المكلف .

واعتبرت هذه الأحزاب أن مساندة هذه الحكومة مرتبط ببرنامج عملها والأطراف التي ستشارك فيها، على أن يبقى القرار الأخير في هذا الخصوص من مشمولات هياكلها وقواعدها الحزبيّة.

وأعرب في هذا السياق، القيادي بـ"التيار الديمقراطي" غازي الشواشي، في تصريح لـ "الميادين نت" عن ارتياح حزبه لاختيار إلياس الفخفاخ لتولي تشكيل الحكومة المقبلة، مشيراً إلى أن الفخفاخ من الشخصيات التي اقترحها التيار لهذا المنصب.

واعتبر بأن الفخفاخ تتوفر فيه المواصفات والمعايير لرئيس حكومة ستكون وفق تقديره "حاملة لمشروع اجتماعي وذات نفس ثوري"، مشدداً على أن حزب "التيار الديمقراطي" سيدعمه وسيدخل المفاوضات بإيجابية من أجل إنجاحها.

ووصف الشواشي مهمة الرجل "بالصعبة ولكنها ليست بالمستحيلة"، مؤكداً أن منح الثقة لحكومة الأخير من عدمه، مرتبط بالتشكيلة التي سيقترحها وبرنامج عملها والأطراف التي ستشارك فيها، على أن يبقى القرار الأخير في هذا الخصوص من مشمولات هياكل حزب "التيار الديمقراطي". كما دعا أن تكون الحكومة المقترحة، حكومة سياسية بامتياز تضم كفاءات حزبية، وأن لا يتم تحييد وزارات السيادة حتى تتحمل كل الأحزاب مسؤولياتها، وفق تعبيره.

حركة "النهضة" لم تعترض بدورها على تكليف رئيس الجمهورية للفخفاخ، وقال المتحدث الرسمي باسم الحركة عماد الخميري، إن الفخفاخ لم يكن مرشّح "النهضة" لكن ليس لها "فيتو" ضدّه، وتعتبره "صديقاً قديماً" باعتباره شارك في الحكومة التي تحمّلت فيها حركة "النهضة" المسؤولية (حكومة الترويكا).

وأشار الخميري إلى أن بعض أعضاء كتلة حركة "النهضة" ساهموا في تزكيته بالانتخابات الرئاسيّة.

وبخصوص دعم حكومة الفخفاخ ومنحها الثقة بالبرلمان أكّد الخميري، أنّ الحديث عن هذا الملف سابق لأوانه وأن الأمر مرتبط بالمشاورات التي سيجريها وبالرؤية التي سيقدّم بها برنامجه الإقتصادي والاجتماعي وتصوّره للحكم إضافة إلى طبيعة حكومته المرتقبة.

وأكد الخميري أنّ حركة "النهضة" ستجري مشاوراتها مع الأطراف السياسيّة وستعود إلى مؤسساتها لتقديم موقفها النهائي حول دعمها لحكومة الياس الفخفاخ .

من جانبه سجّل حزب "تحيا تونس" ارتياحه لقرار رئيس الجمهورية المتعلّق بتكليف الفخفاخ بتكوين حكومة، داعياً إلى ضرورة تكوين حكومة مصغرة وتكون سياسية بامتياز.

أمين عام حركة الشعب زهير المغزاوي، رأى بدوره أن ما قام به رئيس الجمهوريّة كان خطوة مهمّة واستند فيه الى جملة من المعايير، مشيراً إلى أن حركة "الشعب" تقبل بهذا الاختيار رغم تحفّظاتها الموضوعيّة والمتمثّلة أساسا في فشل إلياس الفخفاخ وحزبه (التكتل من أجل العمل والحريات) في الانتخابات التشريعية و الرئاسيّة الاخيرة.

وقال المغزاوي إنّ حركة "الشعب" ستتعامل مع رئيس الحكومة المكلّف بجدّية وستحدّد موقفها على ضوء المشاورات والحوارات التي ستجريها معه وبالعودة إلى مجلسها الوطني.

كتلة "الإصلاح الوطني" اعتبرت بدورها، أن تكليف الفخفاخ إيجابي خاصة بعد تصريحاته بتكوين حكومة كفاءات مصغرة، وذلك في انتظار اجتماع الكتلة وتحديد موقفها في جملة من المسائل لها علاقة بتشكيل الحكومة، كمدى استجابتها للإصلاحات الكبرى المطلوبة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وخاصة لجهة تضمين تركيبة الحكومة شخصيات وكفاءات من مختلف الجهات.

في المقابل، حمّلت أحزاب أخرى على غرار "قلب تونس" و"الحزب الدستوري الحر"، رئيس الجمهوريّة مسؤوليّة اختياره حيث اعتبر "الدستوري الحر" هذا الاختيار "مناورة سياسية مع حركة النهضة"، مؤكدا أنه لن يمنح حكومته الثقة.

 واعتبر "قلب تونس" أنه "اقترح شخصيات تتمتع بأكثر تمثيليّة برلمانية من الفخفاخ لكن رئيس الجمهوريّة اختار شخصيّة لا يمكن لها أن تحظى بتوافق واسع من قبل مجلس نواب الشعب".

من جهته، أبدى "ائتلاف الكرامة" استغرابه من تكليف الفخفاخ، معتبراً أنّ هذا التعيين لا يعكس التوجّه الذي عبّرت عنه الأحزاب في اقتراحاتها لرئيس الجمهورية. 

واعتبر أنّ التبرير الذي جاء في بيان رئاسة الجمهورية مخالف لما ورد في نصّ الدستور، مستغرباً من صدور هذا الموقف عن أستاذ قانون دستوري، في إشارة إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد.

كما أشار "ائتلاف الكرامة" إلى أنّ الحجم الإنتخابي لإلياس الفخفاخ وحزبه لا يبرّران هذا الإختيار حيث أنّ التكتّل غير ممثل في البرلمان كما أنّ الأصوات التي تحصّل عليها في انتخابات الرئاسة في 2019 لا يجعلان منه الشخصية الأقدر.

"الفخفاخ سيواجه في مهمته الكثير من الصعوبات"

وفي قراءة تحليلية لاختيار الياس الفخفاخ باعتباره الشخصية "الأقدر" لتشكيل الحكومة، قال المحلل السياسي جمعي القاسمي في تصريح لـ"الميادين نت" إن تكليف الفخفاخ، هو تكليف الضرورة الدستورية، وبناءً على معايير ومقاييس خاصة بالرئيس.

 وأشار القاسمي إلى أنه بذلك "حشر الأحزاب السياسية في مربع سيكون من الصعب الخروج منه" باعتباره اختار شخصية من خارج ما يسمى بـ"الشرعية الانتخابية"، وفق تقديره.

وأضاف أن إلياس الفخفاخ سيواجه في مهمته الكثير من الصعوبات، خاصة وأن الحزام السياسي الذي لديه لغاية الآن يتمثل في حزب "تحيا تونس" (14 مقعداً)، في حين بقية الأحزاب لازالت، في نظره، مترددة ويقصد بوجه بالخصوص "التيار الديمقراطي".

وتابع: "على واقع السجال السياسي المتزايد الذي تراوح بين الترحيب والاستغراب حيناً والرفض حينا آخر، وكذلك التحذير من خفايا واستهداف التكليف في هذا الوقت بالتحديد فإن قيس سعيد يتحمل مسؤولية هذا التكليف وما سينتج عنه إن فشلت أو نجحت الحكومة المرتقبة أمام البرلمان أولاً وعلى مستوى الأداء الذي سينتج عن عملها خلال الأشهر القادمة".

القاسمي أوضح أن محاولة قيس سعيّد التنصل من المسؤولية وفق ما جاء في بيان التكليف الصادر عن رئاسة الجمهورية، لا يعفيه من تحمل هذا التكليف، لافتاً إلى وجود إجماع على أن هذا التكليف لم يراعِ الارادة التي عبر عنها الناخبون في الانتخابات التشريعية، باعتبار ان الفخفاخ خاض الانتخابات الرئاسية وحصل على نسبة 0.3 بالمائة من الأصوات ولم يتمكن حزبه "التكتل من أجل العمل والحريات" من انتزاع أي كرسي في البرلمان.

واستنتج القاسمي أن "الحجم الانتخابي والسياسي للفخفاخ لا يبرران أبداً أن يكون الشخصية الأقدر لتسكيل الحكومة كما نص عنها الدستور في فصله 89."

لا خيار غير منح الثقة

ورغم أن الوضع مازال ضبابياً، أكد المحلل السياسي جمعي القاسمي، أن المؤشرات تدفع نحو منح الثقة لحكومة الياس الفخفاخ.

 وقال إنها ستحظى بأغلبية محدودة لاعتبارات تعود بالأساس إلى تخوف العديد من الأحزاب من المرور إلى الفقرة الثاثلة من الفصل 89 من الدستور وهو حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.

وتجدر الإشارة، إلى أنه يتوجب على إلياس الفخفاخ تشكيل الحكومة في أجل لا يتجاوز مدة شهر وهي مهلة غير قابلة للتجديد بحسب ما تنص عليه الفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور، على أن تُعرض تركيبة الحكومة على مجلس نواب الشعب لنيل الثقة.

ويخوّل الفصل 89 من الدستور، لرئيس الجمهورية تحديد الشخصية التي يراها الأقدر على تكوين حكومة متيحاً بذلك للجهة التي منحها سلطة التقدير أن تختار من يتراءى لها أنها الأقدر.