مشروع قانون "للجم الأفواه" وخنق حرية التعبير في تونس

مشروع قانون مكافحة الأخبار الكاذبة الذي تقدمت به مجموعة من النواب في البرلمان التونسي لم يكتب له الحياة حتى قبل عرضه على البرلماني إذ أنه تعرض لنقد كبير من كل الأطراف سواء في الحقل الإعلامي أو الحقوقي أو النقابي أو السياسي.

  •  انتاب الرأي العام التونسي غضب واستياء بسبب مشروع قانون "مكافحة الأخبار الكاذبة"

 انتاب الرأي العام التونسي غضب واستياء بسبب مشروع قانون "مكافحة الأخبار الكاذبة" الذي تقدمت به مجموعة من النواب في البرلمان التونسي.

المشروع أعده النائب والوزير السابق ميروك كورشيد، بهدف ما اعتبره "محاربة الأخبار الكاذبة وأخلقة الحياة السياسية والاجتماعية عبر التصدي للجريمة الالكترونية المتعلقة بهتك الأعراض والمساس بشرف الأفراد".   

مشروع القانون لم يكتب له الحياة حتى قبل عرضه على البرلمان، فقد ولد ميتاً منذ اللحظات الأولى إذ أنه تعرض لنقد كبير من كل الأطراف سواء في الحقل الإعلامي أو الحقوقي أو النقابي أو السياسي، ما دفع بعدد من النواب الذين مضوا على المشروع إلى سحب إمضاءاتهم بل حتى صاحب المشروع  قام بسحب المبادرة.

وقال مبروك كرشيد في تدوينة له على الفيسبوك إن قراره يأتي "إعفاءً لكل الزملاء الشرفاء الذين أمضوا معه على نص المشروع بقناعة تامة خالية من كل حرج وإزاء الحملة التي وصفها بغير العقلانية ودون الاطلاع علي نص المشروع".

وأكد النائب أن مشروع القانون لا يمس الحريات ولا يستهدف أي مدون شريف ولا يطال إلا شبكات الكذب والإشاعة المغرضة التي تلوث حياتنا جميعاً"، وفق تعبيره.

مشروع فاشي تحت غطاء محاربة الأخبار الزائفة

وفي بيان مشترك صادر عنها اليوم الإثنين عبرت عدد من الجمعيات والمنظمات الحقوقية عن عميق انشغالها إزاء ما تضمنه مقترح القانون عدد 29/2020 المتعلق بتحوير الفصلين 245 و247 من المجلة الجزائية من أحكام متعارضة بصورة صارخة مع الفصول 31 و32 و49 من الدستور التونسي والمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه من طرف الجمهورية التونسية. 

كما استنكر قيام أصحاب المبادرة، في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به بلادنا، بطلب استعجال النظر في مقترح القانون، حيث تمّ إيداعه يوم 12 أذار/ مارس الجاري بمجلس نواب الشعب مع التماس إحالته طبق الإجراءات المستعجلة.   

وحذرت في ذات السياق من خطورة هذا المقترح الذي قالت إنه سيؤدي حتماً إلى نسخ عدة فصول من المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرخ في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، نظراً لتضمنه أحكاماً قانونية مستوعبة لجرائم نشر الأخبار الزائفة (الفصل 54) والشتم (الفصلين 55 و56).   

كما اعتبرت أن مشروع القانون يتعارض مع الشروط الدستورية المنصوص عليها صلب الفصل 49 من الدستور والواجب احترامها عند تقييد الحقوق والحريات، حيث تضمّن عقوبات غير متناسبة مع الأفعال المجرمة، وأيضاً غير ضرورية، بما أن نشر الأخبار الزائفة مجرّم بمقتضى الفصل 54 من المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرخ في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر.

وكان رئيس نقابة الصفيين التونسيين ناجي البغوري، انتقد مشروع القانون في تدوينة له على الفايسبوك قائلاً: "بعد فضيحة جواز السفر الدبلوماسي، عدد من نواب البرلمان يطالبون بتحصين أنفسهم من النقد، عبر اقتراح قانون فاشي يسجن منتقديهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي الغطاء: محاربة الاخبار الزائفة".

لجم الأفواه وخنق حرية التعبير

من جهتها انتقدت النقابة العامة للإعلام التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، هذه المبادرة التشريعية، معتبرة أن في باطنها تنم عن رغبة في لجم الأفواه، وخنق حرية التعبير من خلال بث الرعب في النفوس، وذلك لما تضمنته من "أحكام زجرية لا تراعي مبدأ التناسب بين  الجريمة والعقاب".

وعبّر الهيكل النقابي عن اعتراضه على الصبغة الزجرية لأحكام المبادرة، داعياً لجنة التشريع العام إلى رفضها نظراً لأنه قانون يتعارض مع الدستور ويضرب حرية النقد والتعبير ويعيد إلى أذهان التونسيات والتونسيين فرق الرقابة الإلكترونية وتعقب المدونين زمن بن علي.

بدوره، عبّر مجلس الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين عن رفضه لمشروع القانون، واعتبر في بيان أن هذا " القانون خطير ومحاولة غير مقبولة لضرب الحريات العامة".

كما استغرب من السعي إلى تمرير بعض القوانين الزجرية لضرب حرية التعبير باستغلال الأزمة التي يمر بها العالم، والتي لا يمكن أن تشكل سبباً للاعتداء على حريات الشعب والانفراد بالرأي.

ودعت هيئة المحامين، مجلس النواب لرفض التصويت على هذا المشروع والتصدي لمحاولات الرجوع إلى مربع مصادرة حرية التعبير، والنظر في مشاريع القوانين المستعجلة المتعلقة بتجاوز تبعات الأزمة الحالية بالبلاد، ومنها مشروع تعليق سريان الآجال والإجراءات وسقوط الحقوق.

كما طالبت الشعب التونسي بالتنبه من مثل هذه المشاريع الخطيرة من حيث المحتوى ومن حيث توقيت طرحها.

وللإشارة، فإنه بموجب هذه المبادرة التشريعية يعاقب مرتكب "القدح الإلكتروني" بالسجن مدة عامين وبغرامة مالية تتراوح بين 10 آلاف و20 ألف دينار. ويرفع العقاب إلى الضعف إذا كان القدح والذم واقعاً، أثناء عملية انتخابية أو في الستة أشهر السابقة لوقوع الانتخابات.
ويضاعف العقاب إذا تمّ القدح والذم من شخصيات مستترة أو متنكرة تحت أي مسمى ويضاعف العقاب في حالة العود.