فنزويلا: شعب حرّ وعملة أسيرة

لا ينتظر العمل لمواجهة هذه الحرب الناعمة انطلاق عَجَلة الولاية المقبلة للرئيس مادورو مطلع العام المقبل لستّ سنوات. إذ تطبخ على نار هادئة مكوّنات الحكومة المقبلة التي تستهدف في طليعة أولوياتها سدّ الثُغَر التي عزّزت من الذرائع الأميركية للتدخّل بشؤون فنزويلا.

غريبة تلك العلاقة الروحية التي تنشأ مع بلد الزعيم الراحل هوغو تشافيز، لعلها مستمدة من الألوان الزاهية لمبانيها المتناثرة في الجبال
غريبة تلك العلاقة الروحية التي تنشأ مع بلد الزعيم الراحل هوغو تشافيز، لعلها مستمدة من الألوان الزاهية لمبانيها المتناثرة في الجبال

بفرحٍ وتوقٍ تودّع العاصمة الفنزويلية كاراكاس زائريها على أمل اللقاء مجدّداً في أوضاع اقتصادية أفضل. غريبة تلك العلاقة الروحية التي تنشأ مع بلد الزعيم الراحل هوغو تشافيز، لعلّها مستمدة من الألوان الزاهية لمبانيها المُتناثرة في الجبال يُمنة ويُسرة ضمن الأحياء الشعبية (باريوس)، أو من مناخها العليل طوال العام، أو ربما من عفوية وبساطة أهلها بمن فيهم ذوو الأصول العربية والإسبانية والإيطالية.

يسبقك إلى مطار سيمون بوليفار انطباع بأنّك تحلّ ضيفاً على بلد مقهور يفتقد للحدّ الأدنى من مقوّمات الرفاهية. وإذ بموسيقى الكاليبسو والسالسا تعبق في كلّ الأرجاء، داخل سيارات النقل المشترك وفي المحال التجارية الشعبية وأمام المباني وعلى الأرصفة وفي الساحات العامة. جو من الفرح الداخلي تعيشه الروح الفنزويلية بلا تمييز بين اللون ولا الدين ولا الانتماءات الحزبية، فالروح هنا تتهادى على الأنغام اللاتينية هانئة مُستأنسة. ويرتضي أحفاد المحرّر بوليفار بما رسمه لهم القدر اقتصادياً مؤخراً، ولا يغيب من وجدانهم الأمل بغدٍ مشرق تبزغ فيه شمس الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية الموعودة لانتشالهم من تبعات الحصار الاقتصادي المفروض من أميركا بالتواطؤ مع البرجوازية اليمينية الداخلية والاقليمية والعالمية. 

لم أتوقّع خلال رحلة فريق الميادين إلى فنزويلا لتغطية الانتخابات الرئاسية وعضوية مجالس الولايات، أن يُتيح الوقت لنا فرصة التعرّف إلى معالم العاصمة بحُكم التزامات العمل، لكن إرث مؤسّس الحزب الاشتراكي الموحّد يُعبّر عن متانة علاقة الشعب الفنزويلي بزعيمه الرمز. صوَره على جدران المباني التي شيّدها للفقراء لقاء إيجارات رمزية، وشعار الحزب على الطُرقات، وحتى صوَره خلف الرئيس الحالي نيكولاس مادورو، كلها ترسل لك إشارات تشي بانتماء شريحة واسعة لرؤية التيار اليساري في البلد اللاتيني، والنهج التقّدمي التحرّري الذي تشكّل له فنزويلا اليوم رافِعة لدول الجوار بوجه السياسة الخارجية لأميركا وحلفائها في دول الجوار وأوروبا.

فالاختلاف في الآراء بين أطياف المجتمع الفنزويلي حول الرؤية الاقتصادية الأنجع للجمهورية البوليفارية لا يعدو كونه جدلاً بين أهل البيت الواحد عن الاستراتيجية المرجوة للعيش برغدٍ وبحبوحة كما دأب أحفاد بوليفار. فالعملة التي تحمل على أوراقها إسم وصورة مُحرّر فنزويلا من الاستعمار الإسباني تأبى أن تقع أسيرة العملة الصعبة جراء ارتفاع وتيرة الحصار الاقتصادي على البلد النفطي المُحصّن بمُقدّرات ذاتية وموارد طبيعية لا تقف عند حد مناجم الذهب جنوباً.

وقد شكّل اعتبار فنزويلا تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة ذريعة أميركية لتجويع الشعب بأكمله وخَنْق مرافقه الحيوية وإضعاف العملة في السوق الدولية، بغية رفع مستوى النقمة على مادورو وحكومته، وخلق حالة من العصيان تؤدّي إلى ارتفاع حدّة الشغب والعنف وزعزعة الاستقرار الأمني، وبالتالي شلّ القطاعات الاقتصادية كافة.

ولا ينتظر العمل لمواجهة هذه الحرب الناعمة انطلاق عَجَلة الولاية المقبلة للرئيس مادورو مطلع العام المقبل لستّ سنوات. إذ تطبخ على نار هادئة مكوّنات الحكومة المقبلة التي تستهدف في طليعة أولوياتها سدّ الثُغَر التي عزّزت من الذرائع الأميركية للتدخّل بشؤون فنزويلا.

خلال الحملة الانتخابية لمعركة تجديد ولايته، بنى مادورو خطابه على الدعوة للسلام والحوار الشامل بين الأطراف وفي طليعتهم تحالف "طاولة الوحدة الديمقراطية"، وعلى تنفيذ الاستراتيجية الاقتصادية لإنقاذ البلد من تبعات الحصار والإصرار على الاقتداء بإرث "بوليفار" التحرّري وعلى تحدّي الإدارة الأميركية ومواجهتها بنديّة.

أصداء السقف العالي للخطاب ونبرة الثقة التي تكلّم بها مادورو وصلت إلى العالم بقصد نقل أجواء الحرية والنزاهة والشفافية التي تلفّ أجواء العرس الديمقراطي، وهو ما سمع همساً وعلانيةً في الأروقة الدبلوماسية الدولية بناءً على نصوص تقارير المرافقين الدوليين للعملية الانتخابية الرابعة والعشرين منذ توليّ تشافيز الرئاسة عام تسعة وتسعين. ولكن تبقى العبرة في الالتفاف على المُخطّط المرسوم لعضو منظمة "أوبك|، والنهوض بسياسة فنزويلا في ظل شرذمة المعارضة وفشل الإدارة الإميركية في خطف مقعد الرئاسة في قصر ميرافلوريس.