ساديو ماني.. خارج السيطرة!

ساديو ماني اللاعب السنغالي ونجم ليفربول الإنكليزي يستمر في إثبات نفسه جولة بعد جولة كأفضل لاعب في الدوري الإنكليزي حالياً، وواحد من أفضل اللاعبين في العالم. ماني تخرّج من أكاديمية في العاصمة دكار ومن هناك كانت بداية الحلم.

  • ميسي منح صوته لماني في جائزة "The Best"

لن تنسى القارة الأوروبية الأسماء التي جاءت من الأحياء الفقيرة في أفريقيا لتلمع كالنجوم في سماء كرة القدم. أسماء تركت بصمتها في الميادين الكروية، لتعبر إلى العالمية، أمثال الإيفواري ديديه دروغبا، الليبيري جورج وياه الحائز على الكرة الذهبية، والكاميروني صامويل ايتو والقائمة تطول. ومن الأحياء الفقيرة نفسها، خرج طفلٌ حالم، لا يرّغب إلّا في أن يكون لاعب كرة قدم، ورغم معارضة الجميع له من أهله، إلّا انه كان عازماً على فعل ذلك.

لم يكن يبالي للـ 4 كيلومترات التي يقطعها يومياً من أجل لعب كرة القدم، وعند انتهائه من اللعب يعود إلى منزل العائلة في قرية بامبالي السنغالية. ليس بالبعيد أن هذه الكيلومترات والجري المستمر هي التي أوصلت ساديو ماني إلى ما هو عليه اليوم. بات ماني واحداً من أفضل لاعبي الدوري الإنكليزي الممتاز، ربما أفضلهم، وفي ليفربول ساديو هو الأفضل، ثبات مستوى ماني هو الذي يجعل منه الأفضل مع "الريدز" حالياً. 

ساديو أفضل لاعب في الدوري الإنكليزي

  • مع تراجع مستوى محمد صلاح ارتفع المجهود الذي يقدمه ماني للفريق

 

"في هذا العام كان هناك العديد من اللاعبين الجيدين، لكنني اخترت ماني لأنني استمتع بمشاهدته، فيما كان عامه رائعاًً مع ليفربول"، بهذه الكلمات برر ميسي (أفضل لاعب في العالم 2019) تصويته لماني لجائزة "الأفضل" التي يمنحها الإتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا".

نجح ماني بتسجيل 22 هدفاً في "البريميرليغ" في 36 مباراة حقق من خلالها جائزة الحذاء الذهبي مناصفة محمد صلاح وبيير ايمريك اوباميانغ. توّج ماني مع ليفربول بدوري أبطال أوروبا، ووصل مع منتخب بلاده إلى نهائي بطولة إفريقيا ورغم الخسارة أمام المنتخب الجزائري إلى أن الحقيقة تقول بأنه استحق لقب "الكاف". 

 لم يتوقف ماني مع انطلاقة الموسوم الحالي، ومع تراجع مستوى محمد صلاح ارتفع المجهود الذي يقدمه "أسد التيرانغا" للفريق،  فهو يهاجم ويدافع ويبذل مجهوداً بدنياً ملفتاً، ومما لا شك فيه أن المدرب الألماني يورغن كلوب يبني خطة لعبه بحسب استعداد ماني من الناحية البدنية. أما اللافت فإن ماني لم يظهر بشكل سيء في أي مباراة هذا الموسم، بل على العكس فهو "يحمل الفريق على ظهره" كما يعبر الشارع الرياضي. سجل ماني 9 أهداف حتى  الآن وصنع 4 في الدوري. 

مباراة ديربي "الميرسيسايد" أمام ايفرتون في ملعب الأنفيلد اختصرت كل شيء، قدّم ماني درساً في مباراة واحدة، حيث سجل وصنع (سجل 1، صنع 2). وبعيداً عن الأرقام، طريقة تحرك ماني وتمركزه، سيطرته على الكرة كل هذا يُبرز قيمة ماني ووزنه في تشكيلة ليفربول، خصوصاً أن ليفربول خاض المباراة بدون محمد صلاح وروبرتو فيرمينيو إضافة إلى غياب فابينيو (للإصابة)، ومع ذلك فاز الفريق وسجل 5 أهداف أكثر من أي مباراة أخرى في الدوري هذا الموسم وكل الفضل يعود لماني رجل المباراة دون منافس. 

ماني يقدم للفريق أموراً عديدة داخل الملعب، ليس فقط الهدف أو حتى "الأسيست"، بل لديه دور محوري في الصناعة والبناء وجعل طريقة لعب ليفربول أكثر حدة، جنباً إلى جنب مع ثنائي الأظهرة ترينت ألكسندر أرنولد واندي روبرتسون.

تخلى ماني عن دوره الهجومي في العديد من المباريات خصوصاً عندما يتحول الفريق من 4-4-3 إلى 4-4-2، فهو يمنح الإضافة للاعبي الوسط في حال تغيّرت طريقة اللعب، ذلك لأن صلاح لا يدافع كثيراً وفيريمينو في أغلب الأوقات يكتفي بالضغط على المدافعين. شخصية ماني تغيّرت وتطورت خلال الموسم نفسه حتى، نسيّت الجماهير غضبه على صلاح في لقطة سابقة وذلك لأن ماني منضبط بشكل مستمر، كما يرغم الخصم على ارتكاب الأخطاء. صلاح يعاني بشدة في المساحات الضيقة، وفيرمينو يختفي في بعض مباريات الاندفاع البدني والتحولات، ماني تجده دائماً في الخدمة، ولديه الإجابة على أي سؤال، كلما عانى ليفربول.


ماني غادر منزله .. قصة ساديو ووالدته

  • تم استدعاء ماني للمشاركة في الألعاب الأولمبية "لندن 2012" مع المنتخب السنغالي

 

كانت والدة ماني ترفض بشكل مستمر فكرة أن يكون ساديو الطفل لاعب كرة في المستقبل، فهذه اللعبة بالنسبة لها كانت مساحة لممارستها في أوقات الفراغ. لم يقتنع ساديو برأي أمه. لم يكن يرغب في أن يكون طبيباً أو محامياً، حلمه الوحيد كان كرة القدم، وهو الأمر الذي لم يعاونه عليه أهله. لجأ ماني لعمه الذي لبى رغبته وسعى معه خلفها، فدفعه إلى خوّض تجارب الأداء في أكاديمية "دجينيرايشن فوت" في العاصمة دكار، ولم يخيّب ساديو الظن فتم قبوله. 

تربط الأكاديمية معاهدة مع نادي ميتز الفرنسي، بحيث ترسل أفضل خريجيها للاحتراف في صفوف النادي. في عام 2011 كان ماني واحداً من هؤلاء اللاعبين، ولكنه لم يكن محظوظاً مع ميتز، إذ واجه صعوبة في التأقلم مع أجواء الدوري الفرنسي، فضلاً عن تعرضه للإصابة التي منعته اللّعب لمدة طويلة.  

تم استدعاء ماني للمشاركة في الألعاب الأولمبية "لندن 2012" مع المنتخب السنغالي، ورغم إقصاء منتخب السنغال من دور الربع على يد المنتخب المكسيكي، كان ساديو ماني واحداً من اللاعبين المؤثرين و المساهمين في تجاوز السنغال للدور الأول، وبالتالي تلقى عرضاً من نادي ريد بول سالزبورغ النمساوي. في النمسا أثبت ساديو وجوده، سجل 31 هدفاً في 63 مباراة، ومنذ ذلك الحين بدأت رغبة يورغن كلوب مدربه الحالي في ضمه، وكان الأخير لايزال مدرباً لبروسيا دورتموند الألماني، ولكن الأخير لم يستطع الحصول على خدماته. ورغم كل العروض التي تلقاها ماني من الخليج العربي، الصين وأوروبا، اختار اللعب لساوثهامبتون الإنكليزي، إذ اعتبر أن هذه ستكون فرصة له للظهور في دوري الأضواء. 

ومن فريق "القديسين" استطاع ماني أن يلفت نظر ليفربول، ومع قدوم كلوب "المعجب به منذ زمن" للنادي تعززت فرص انتقاله لليفربول. وبالفعل حدث ذلك، واجتمع كلوب باللاعب الذي نال إعجابه منذ "لندن 2012"، ومما لا شك فيه أن الألماني لعب دوراً كبيراً في تطوير قدرات ساديو.  

ما يميّز ساديو ماني خارج المستطيل الأخضر تواضعه، وإحساسه بالآخرين، حيث يقول في تصريح سابق له إنه لا يرغب في أن يركب سيارة "فيراري" فخمة، إنما يفضل أن يتبرع بالأموال للفقراء في بلدته، ابتعاد ساديو عن الإعلانات وأضواء الشهرة من خلال التسويق وغيرها قد يكون سبباً في ثباته من الناحية الفنية. وصل ماني إلى مرحلة متقدمة جداً يصعب إيقافه وقد ينصّب له تمثال في مدينة ليفربول إذا استطاع "الحمر" تحقيق لقب الدوري بعد غيابٍ لمدة 30 عاماً.