إفراط إدارة ترامب في استخدام العقوبات قد يفقدها فعاليتها

أدرجت إدارة ترامب نحو ألف شخص وكيان في القائمة السوداء العام الماضي. وهذا يزيد بنحو 30% على ما تمت إضافته إلى القائمة في العام الأخير من ولاية أوباما.

إفراط إدارة ترامب في استخدام العقوبات قد يفقدها فعاليتها

كتبت المراسلة الدبلوماسية لصحيفة واشنطن بوست مقالة عن إفراط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في استخدام العقوبات ضد الأعداء والخصوم بشكل يثير قلق الحلفاء والخبراء من تراجع فعاليتها. والآتي ترجمة نص المقالة:

كان شهر شباط - فبراير شهرًا مزدحمًا بالنسبة للمسؤولين الأميركيين الذين أعلنوا فرض عقوبات حكومية.

حزمة واحدة من التدابير الصادرة عن وزارة الخزانة استهدفت كوريا الشمالية، مع عشرات السفن والشركات والكيانات الأخرى التي ذكرت بسبب شحنها الفحم والوقود الى البلاد في انتهاك لعقوبات سابقة.

 وقبل انتهاء الشهر، تم أيضاً فرض عقوبات على مهربي المخدرات الكولومبيين ومهربي النفط الليبيين والأفراد المتهمين بالاعتداء الجنسي وتجنيد الأطفال في الكونغو.

لقد فُرض المزيد من العقوبات على محرضي الجماعات الإرهابية المختلفة في باكستان والصومال والفلبين، بالإضافة إلى حزب الله في لبنان. وأضافت وزارة الخارجية (الأميركية) إلى قائمتها للجماعات الإرهابية المحددة منظمات في الفلبين وغرب أفريقيا وبنغلاديش وبوركينا فاسو.

حالياً، في معظم الأشهر، تصدر الولايات المتحدة وابلًا مماثلاً من العقوبات، حيث تتبع إدارة ترامب استراتيجية عدوانية لاستخدام الأدوات الاقتصادية بدلاً من القوة العسكرية ضد الأعداء.

 تستهدف العقوبات التي تجذب أكبر قدر من الاهتمام الحكومات التي تهدد مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، بمن في ذلك كوريا الشمالية وإيران وروسيا. لكن بشكل متزايد، يتم استخدام العقوبات لمواجهة أنواع أخرى من السلوك المزعزع للاستقرار.

كانت العقوبات موجودة منذ السنوات الأولى من عمر الولايات المتحدة، لكنها استخدمت بشكل أكثر تكراراً منذ هجمات الحادي عشر من أيلول -سبتمبر 2001. وينظر إليها على أنها أداة قوية لقطع سبل الإرهابيين ومموليهم من الوصول إلى نظام التمويل الدولي، فضلاً عن أنها وسيلة للقضاء على انتهاكات حقوق الإنسان والقادة الفاسدين.

 لكن الاعتماد على العقوبات قد أدى إلى مخاوف من أن يتم الإفراط في استخدامها كسياسة خارجية كأول خيار، ما يضر بمصداقية الولايات المتحدة بين الحلفاء الذين يشكون من أنهم يجبرون على الانصياع لسياسات الولايات المتحدة واحتمال تقويض الدولار الأميركي.

 أداة "مغر للغاية"

ورفض مسؤولو الإدارة الانتقادات قائلين إنهم أثبتوا فعاليتهم في إقناع دول مثل إيران وكوريا الشمالية بالموافقة على التفاوض بشأن برامج أسلحتها النووية.

 

أداة "مغرية للغاية"

ورفض مسؤولو الإدارة الانتقادات قائلين إنهم أثبتوا فعاليتهم في إقناع دول مثل إيران وكوريا الشمالية بالموافقة على التفاوض بشأن برامج أسلحتها النووية.

وقال سيغال ماندلكر، وكيل وزارة الخارجية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية في وزارة الخزانة: "لا شك، نحن استراتيجيون وندرس كيفية نشر هذه الأدوات"، مشيراً إلى قضايا حقوق الإنسان والفساد كمجالات يمكن للعقوبات أن تغيّر السلوكيات فيها. وأضاف: "عندما تفكر في الأعمال الوحشية التي تحدث، وأنت تعرف أن القادة يحاولون سرقة ثروة مواطنيهم، كيف لا يمكنك عزلهم عن النظام المالي(العالمي)؟".

ووفقاً لتحليل أجرته شركة المحاماة "جيبسون دان"، أدرجت الإدارة ما يقارب الألف شخص وكيان في القائمة السوداء في العام الماضي. وهذا يزيد بمقدار 30 في المائة على ما تمت إضافته في العام الأخير من ولاية الرئيس باراك أوباما، وزاد العدد إلى ثلاثة أضعاف عن القائمة السوداء خلال سنته الأولى.

وقالت جوديث أليسون لي، الرئيسة المشاركة لشركة "انترناشونال تريد براكتيس غروب" International Trade Practice Group: "إن وضعك تحت العقوبات هو المكافئ الاقتصادي لعقوبة الإعدام. إنه أمر مغرٍ للغاية لأي إدارة تستخدم العقوبات، لأنها لا تتطلب أي إنذار مسبق، ولا تتطلب أي مراجعة قضائية وأنها فعالة على الفور. بالنسبة لهذا الرئيس بعينه، بشخصيته، فالعقوبات مغرية للغاية ".

ويقول مسؤولو الإدارة إن استخدام العقوبات كأداة من أدوات السياسة الخارجية عندما لا تعمل الدبلوماسية قد أدى إلى مواجهة عدد متزايد من التهديدات.

وقال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية معني بفرض العقوبات، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لشرح الاستراتيجية: "نحن ننظر إلى العقوبات حيثما يكون ذلك مناسباً. وقد حدث أن يكون ذلك مناسباً في العديد من الأماكن في العالم حالياً بسبب التهديدات التي نراها... إنه العالم الذي نعيش فيه اليوم، حيث نرى الكثير من الفرص. نرى الكثير من التهديدات. لدينا مصالح في الكثير من الأماكن المختلفة. ولدينا هذه الأدوات التي نستخدمها".

تعتبر عقوبات الولايات المتحدة هي الأقوى في العالم، ويرجع ذلك إلى حد كبير لأن العديد من التحويلات الدولية، من البنوك إلى أموال النفط، تتم بالدولار الأميركي. وبمجرد استخدامها مثل المطرقة، يتم الآن تطبيق العقوبات بشكل أكثر دقة ضد الأشخاص الذين قد يغيّرون سلوكهم بمجرد تجميد أصولهم، مثل محاسب لأحد رجال المخدرات.

ويقول منتقدون إن توسيع العقوبات من قبل الإدارة والكونغرس يهدد بتقويض فعاليتها.

في خطاب ألقاه عام 2016، حذر وزير الخزانة السابق جاك لو من الإفراط في استخدامها. وقال "إن الإفراط في العقوبات يخاطر بدفع الشركات بعيداً عن النظام المالي في الولايات المتحدة، ويمكن أن يضعف قوة الدولار كعملة بارزة".

يقول البعض إن الولايات المتحدة قد دخلت بالفعل في حالة مفرطة من العقوبات في قائمة الأفراد والكيانات التي تفرض عليها عقوبات تشتمل على أكثر من 1100 صفحة. ومن الممكن أن يتم شطب بعضها، ولكن تتم إضافة أسماء أكثر بكثير مما يتم حذفه.

 

التوترات مع أوروبا

إن الإحباط السائد بين العديد من حلفاء الولايات المتحدة بشأن استخدام العقوبات يمكن أن يزيد من صعوبة تشكيل تحالفات مثل الإجماع متعدد الأطراف الذي جلب إيران إلى المحادثات حول برنامجها النووي. ويقول المنتقدون إنه في نهاية المطاف، قد يتسبب ذلك في قيام بعض الدول بالبحث عن بدائل للدولار الأميركي.

ومن المتوقع أن تتعرض العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا لضغوط عندما يتم اليوم الاثنين إحياء أول عقوبات مالية مرتبطة بالملف النووي تم تعليقها بموجب الاتفاق الإيراني لعام 2015، كما أمر الرئيس ترامب عندما انسحب من الاتفاق في أيار – مايو الماضي.

الأوروبيون - بمن في ذلك فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ثلاثة من الدول التي فاوضت على الاتفاق النووي إلى جانب الولايات المتحدة - يعتبرون هذا الاتفاق حيوياً لأمنهم وتعهدوا بالالتزام بتعهداتهم على الرغم من الانسحاب الأميركي. وهذا يمهد الطريق للمواجهة إذا فرضت واشنطن عقوبات ثانوية على الشركات الأوروبية التي لا تزال تعمل في إيران، كما هو مسموح لها بموجب القانون الأوروبي. ولكن في الوقت الذي يحذر فيه المسؤولون الأميركيون من فرض تطبيق قوي للعقوبات، بدأت العديد من الشركات الأجنبية بالفعل في إغلاق أعمالها في إيران.

ومن المحتمل حدوث المزيد من التوتر يوم 4 تشرين الثاني - نوفمبر، عندما يتم فرض عقوبات أميركية أخرى تحظر شراء النفط من إيران، والتي تشكل العمود الفقري لاقتصادها. وهذا يمكن أن يدفع إيران إلى الانسحاب من الصفقة (النووية) أيضاً.

وقالت كيلسي دافنبورت، المحللة في جمعية الحد من التسلح والتي تدعم الاتفاق المعروف بخطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA) والتي وضعت بموجبها إيران حدوداً لبرنامجها النووي في مقابل تخفيف العقوبات عنها: "في حالة إيران، فإن الولايات المتحدة تلحق الضرر بالعقوبات كأداة من أدوات الحكم".

وقالت: "لقد وضعت الولايات المتحدة الكثير من الدول بين المطرقة والسندان. إنها ملزمة بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يؤيد الصفقة لدعم خطة العمل المشتركة. لكنها مهددة من قبل الولايات المتحدة بفرض عقوبات عليها إذا لم تلتزم بالعقوبات الأميركية. لقد فاقم الأمر العداء بين الطرفين".

العقوبات تعمل عادة بشكل جيد فقط عندما يتعاون الحلفاء، كما يقول الخبراء.

وقالت إليزابيث روزنبرغ، وهي باحثة كبيرة في مركز الأمن الأميركي الجديد Center for a New American Security: "نحن الدولة الوحيدة في العالم التي تفرض عقوبات على كوبا. كل الدول الأخرى لديها أعمال مع كوبا. جعلت كندا والاتحاد الأوروبي من غير المشروع مقاطعة كوبا بسبب العقوبات الأميركية. إن العقوبات غير فعالة ما لم تكن متعددة الأطراف. يمكن للولايات المتحدة الانسحاب من خطة العمل المشتركة المشتركة، ولكن ما لم تستخدم عقوبات ثانوية، فلن يكون لذلك تأثير كبير".

لقد حذر عشرة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين مؤخراً في رسالة موجهة إلى سفراء بريطانيا وفرنسا وألمانيا من أن حكوماتهم قد تواجه "تحركاً سريعاً للكونغرس، بالتنسيق مع عناصر أخرى من الحكومة الأميركية، لضمان اتمامها" إذا تحدوا العقوبات الأميركية على إيران.

كما تبنى الكونغرس بشدة العقوبات كأداة للسياسة الخارجية، وخاصة عندما اعتقد الأعضاء أن الرئيس لم يضغط بقوة كافية. كان أحد المعالم البارزة هو المرور الساحق في عام 2010 لقانون فرض عقوبات نفطية موسعة على إيران. في العام الماضي، صوت الكونغرس بموافقة 98 عضواً مقابل معارضة إثنين لصالح مشروع قانون يسمى قانون "مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات". واستهدف القانون روسيا وإيران وكوريا الشمالية من خلال توسيع الإجراءات العقابية التي وضعت في السابق بموجب أمر تنفيذي.

 

العقوبات ليست سلاحاً أميركياً فقط

الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تستغل الأدوات الاقتصادية لدفع السياسة الخارجية. فالنروج، على سبيل المثال، تمنع خطة التقاعد الحكومية الضخمة من الاستثمار في الشركات الأميركية المشاركة في إنتاج أو صيانة الأسلحة النووية.

وقال أورد كيتري، أستاذ القانون في جامعة ولاية أريزونا الذي كتب كتاب "الحرب القانونية: القانون كسلاح حرب"، إن الولايات المتحدة أكثر مهارة في فرض عقوبات متشددة من دفاعها عن الشركات الأميركية من العقوبات التي يفرضها الخصوم".

وقال كيتري، وهو أيضاً زميل أقدم في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: "أنا من محبي العقوبات. إنها طريقة لتحقيق أهداف السياسة بأقل التكاليف، اقتصادياً وفي الخسائر البشرية. إن استخدام العقوبات أقل تكلفة بكثير من إسقاط الكثير من القنابل في مكان ما. إنها لن تذهب بعيداً. لكنها بحاجة إلى أن تستخدم بشكل أكثر حكمة في ضوء حقيقة أنهم يستخدمون ذلك ضد الولايات المتحدة".

ترجمة: الميادين نت