الغطرسة الاستعمارية الجديدة لخطة كوشنر

إن أيام اللورد كورزون واللورد بلفور قد ولّت، فقد انتهى عصر الاستعمار. فمن خلال الخطط الاستعمارية الجديدة التي وضعها كوشنر وفريقه للفلسطينيين، فهو يسبح وحلفاؤه الإسرائيليون ضد تيار التاريخ.

  • جاريد كوشنر وزوجته إيفانكا ترامب خلال افتتاح السفارة الأميركية في القدس المحتلة في 14 أيار - مايو 2018

كتب المؤرخ والباحث الفلسطيني رشيد خالدي مقالة في مجلة "ذا نيويوركر" الأميركية انتقد فيها محاولة إدارة الرئيس دونالد ترامب فرض خطة جاريد كوشنر للسلام المعروفة باسم "صفقة القرن" على الفلسطينيين، مع أنها تبنّت المشروع اليمين الصهيوني من جهة رفض قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، ورفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والاعتراف بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل" والقبول بضمها للجولان السوري، وبعزم "إسرائيل" ضم أجزاء من الضفة الغربية. والآتي ترجمة نص المقالة:

 

"لا يمكنكم فعل شيء من دوننا"، أخبر اللورد كورزون بهدوء الهنود الذين حكمهم كنائب للملك الإمبراطوري البريطاني قبل أكثر من قرن. وبينما كانت عائلة ترامب قد فركت الكتفين بالرياحين أثناء زيارتها الأخيرة إلى لندن، لم يكن هناك خطأ في الاختلاف بين الأرستقراطية الحقيقية وتلك الملفقة. ومع ذلك، فإن جاريد كوشنر، صهر الرئيس وكبير المستشارين المسؤولين عن صياغة خطة سلام في الشرق الأوسط، لديه شيء مشترك مع اللورد كورزون ومثاله الاستعماري.

في مقابلة مع أكسيوس تم عرضها على HBO في الثاني من حزيران - يونيو الجاري، قبل وقت قصير من وصوله إلى المملكة المتحدة، شكك كوشنر في جدوى الحكم الذاتي الفلسطيني المستقل، وأعلن: "سيتعين علينا أن نرى"، مضيفًا أن "الأمل هو أنه مع الوقت يصبحون قادرين على الحكم". وعندما سئل عما إذا كان ينبغي للفلسطينيين أن يتمتعوا بالتحرر من "الحكومة الإسرائيلية أو التدخل العسكري الإسرائيلي"، قال فقط إن هذا "عائقاً كبيراً".

وبعد أن اقترح المحاور أن كوشنر قد تشاور مع عدد قليل من الأشخاص إذا كان هناك بينهم أي فلسطيني على مدار العامين اللذين كانت فيه خطته للسلام قيد التنفيذ، سأله عما إذا كان يفهم سبب عدم ثقة الفلسطينيين به. أجاب كوشنر بهدوء: "أنا لست هنا لأكون موثوقاً."

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُخبر فيها الفلسطينيون أنهم لا يستطيعون أن يحكموا أنفسهم، وأنهم ملزمون بالبقاء تحت وصاية أجنبية، ولا يضمنون التشاور بشأن مستقبلهم الوطني. في عام 1919، كتب إمبريالي بريطاني آخر، اللورد بلفور، في مذكرة سرية إلى كورزون نفسه قال فيها: "في فلسطين، لا نقترح حتى أن نذهب إلى الأمام من خلال استفتاء رغبات السكان الحاليين في البلاد ... الصهيونية، سواء أكانت ذلك صحيحاً أو خطأً، جيداً أو سيئاً، فهي متأصلة في التقاليد القديمة، والاحتياجات الحالية، والآمال المستقبلية، أكثر عمقاً من رغبات والأحكام المسبقة لـ700000 عربي يعيشون الآن في تلك الأرض القديمة ".

إعلان عام 1917 المرتبط باسم بلفور، وهو أساس الانتداب البريطاني الذي أدى إلى قيام إسرائيل، استبعد الفلسطينيين - الذين لم يذكرهم بلفور بالإسم - من الحقوق السياسية والوطنية التي منحها لليهود. في مقابلة مع أكسيوس، ردد كوشنر كلمات بلفور، واستبعد الفلسطينيين مرارًا وتكرارًا من الحقوق السياسية والوطنية. أكد كوشنر وزميلاه، مستشار البيت الأبيض جيسون غرينبلات، وديفيد فريدمان، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، باستمرار أن مبادراتهم هي في الأساس مبادرة تنمية اقتصادية للضفة الغربية وقطاع غزة المحتل، تهدف إلى العمل في ظل الظروف الحالية تحت السيطرة الإسرائيلية شبه المطلقة.

حتى الآن، ليس لدى هذه الخطة أي عنصر سياسي معلن، باستثناء الإشارة الواضحة إلى استبعاد قيام الدولة الفلسطينية وسيادتها. كل الفلسطينيين يستحقون، بحسب رأي كوشنر، "فرصة للعيش حياة أفضل ... فرصة لدفع رهنهم العقاري" تحت حكم "إسرائيل".

من المفهوم ، في جميع أنحاء العالم تقريباً، أن الفلسطينيون - إلى جانب العديد من المعلقين الدوليين – يرون أن هذا النهج يمهد ببساطة لتطبيع الاحتلال الذي لا ينتهي أبداً والضم الزاحف في ظل ظروف من التمييز القانوني الشديد بين اليهود الإسرائيليين والعرب الفلسطينيين: وضع لا يشبه شيئاً بقدر ما يشبه نظام الفصل العنصري (السابق) في جنوب أفريقيا.

من المثير للدهشة، بالنسبة لشخص يفترض أنه رجل أعمال ناجح، يبدو كوشنر جاهلاً بالإجماع الاقتصادي الذي يصف الاقتصاد الفلسطيني بأنه مُخنوق في المقام الأول بسبب التدخل المنهجي للاحتلال العسكري الإسرائيلي الذي يدعو كوشنر إلى الإبقاء عليه. لقد أضافت إدارة ترامب إلى هذا الخنق الاقتصادي بقراراتها بقطع المساعدات الأميركية المباشرة عن الضفة الغربية وقطاع غزة ودعمها للأونروا.

في هذه الأثناء، تواصل الولايات المتحدة دعمها للحصار الإسرائيلي على غزة، بمساعدة مصر، بما له من آثار كارثية على سكانها البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة، بما في ذلك النقص المزمن في الطاقة والمياه، والحد الأدنى من معالجة مياه الصرف الصحي، والبطالة بأكثر من 50 في المائة، والافتقار التام إلى حرية حركة.

هذه ليست سوى بعض الطرق التي جعلتها إدارة كوشنر جزءاً من الاحتقار للفلسطينيين. من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل"، فقد أيدت من جانب واحد قضية "إسرائيل" ملزمة بموجب معاهدة أوسلو بالتفاوض مع الفلسطينيين عليها، وخالفت أكثر من سبعين عاماً من السياسة الأميركية، مع تجاهل الإجماع الدولي على أن الوضع النهائي للمدينة سيخضع إلى اتفاق سلام مقبول للطرفين.

كما تجنبت إدارة ترامب بشكل صريح تأييد حل الدولتين أو أي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية، وهو ما كرره كوشنر في مقابلته. لقد أغلقت البعثة الفلسطينية في واشنطن العاصمة، وقطعت المساعدات الأميركية عن السلطة الفلسطينية. فقد ادعت أنه على عكس وضع جميع اللاجئين الآخرين منذ الحرب العالمية الثانية، فإن أحفاد الفلسطينيين الذين أعلنوا كلاجئين في عام 1948، ليسوا هم أنفسهم لاجئين. أخيراً، فإن إدارة ترامب، بتأييدها لضم إسرائيل لمرتفعات الجولان (السورية)، قد مهدت الطريق لضم أي جزء من الضفة الغربية تريد "إسرائيل" أن تختاره لابتلاعه.

في الواقع، في مقابلة أجريت مؤخراً مع صحيفة نيويورك تايمز، صرح السفير الأميركي لدى "إسرائيل" ديفيد فريدمان، الذي يُقال إنه "قوة دافعة" في صياغة سياسة إدارة ترامب في الشرق الأوسط، بأن إسرائيل لها "الحق" في ضم "بعض الضفة الغربية، ولكن من غير المحتمل كلها". بعد ذلك، أصبح فريدمان فلسفياً: عندما سُئل عما إذا كانت خطة كوشنر تتضمن دولة فلسطينية، قال: "ما هي الدولة؟" واختتم حديثه بكل سخافة بمقارنة الاحتلال الإسرائيلي القسري غير المحدود للأرض الفلسطينية بالوجود العسكري الأميركي القائم على معاهدات في ألمانيا واليابان وكوريا. هذه التصريحات هي أوضح مؤشر ممكن للطريقة التي تهب بها الرياح في واشنطن.

في مقابل هذه الاستثناءات من الحقوق الفلسطينية، سيتم تقديم أموال للفلسطينيين، يتم جمعها من دول الخليج العربية، وهو عرض يفترض أن يتم إضفاء الطابع الرسمي عليه في مؤتمر في أواخر حزيران – يونيو الحالي في البحرين. إن اقتراح كوشنر بشطب المعارضة الفلسطينية لخطة تلغي التسوية السياسية المتفاوض عليها ليس فقط متغطرساً وأحمقاً، لكنه يتماشى تماماً مع سجلّ أسرته وأقاربه. كما أنها ليست أكثر من نسخة مُعاد تسخينها لخطط مماثلة "للسلام الاقتصادي" بدلاً من الحقوق الفلسطينية التي يروّجها القادة الإسرائيليون من شمعون بيريس إلى بنيامين نتنياهو.

منذ زمن اتفاقات أوسلو في منتصف التسعينيات، طرح بيريس، الذي كان ملتزماً برفض الدولة الفلسطينية والسيادة، أفكاراً مختلفة من أجل "السلام الاقتصادي". وقد طرح بنيامين نتنياهو نفس الموضوع، بدءاً من انتخابات عام 2009، ومع التركيز المتزايد منذ ذلك الحين، إذ أصبح بشكل متزايد ضد الدولة الفلسطينية. بالنسبة لنتنياهو وأنصاره المتشددين اليمينيين من المستوطنين المتطرفين، مثل زميله في مجلس الوزراء الأخير، نفتالي بينيت، فإن التحلية الاقتصادية لحبة الدواء المرة التي يُقصد من الفلسطينيين ابتلاعها، قد أصبحت خطوة أساسية في مقاربة ضمهم الصريحة (للأراضي الفلسطينية المحتلة).

ليس سراً أن إدارة ترامب وحكومة نتنياهو يسيران على قدم وساق، سواء فيما يتعلق بفلسطين أو في المواجهة مع إيران، لكن ما يثير الدهشة هو مدى استعانة سياسة البيت الأبيض في الشرق الأوسط، بما في ذلك خطة كوشنر نفسها، بمصادر خارجية لنتنياهو وحلفائه في "إسرائيل" والولايات المتحدة. إن "المبادرات" بشأن الشرق الأوسط لإدارة ترامب حتى الآن تم تجميعها كلها مسبقاً من مخزن أفكار اليمين المتطرف الإسرائيلي، بما في ذلك نقل سفارة القدس، والاعتراف بضم الجولان، والاستغناء عن قضية اللاجئين الفلسطينيين، ومحاولة تصفية وكالة الأونروا، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. لا يزال هناك عدد قليل من البنود في قائمة أمنيات نتنياهو، بما في ذلك ضم جزء كبير من الضفة الغربية، والرفض الأميركي الرسمي لدولة فلسطينية، وإنشاء قيادة فلسطينية مروضة بالكامل، وغيرها من الطرق المؤسفة لإكراه الفلسطينيين على القبول بأنهم شعب مهزوم.

ما يقوله كوشنر وزملاؤه هو أن الفلسطينيين ليس لديهم مظالم مبررة، ولا حقوق مشروعة، باستثناء الحق في أي رخاء يمكن تحقيقه بأموال خليجية في ظل احتلال عسكري إسرائيلي دائم لأرضهم. ومع ذلك، فإن فكرة خطة كوشنر المتمثلة في إلقاء أموال الآخرين على القضية لن تجعلها تختفي، عندما يتعلق الأمر بالحقوق الوطنية والسياسية والمدنية والإنسانية لما يقدر بنحو 12 مليون شخص. كما يجب أن يكون واضحاً من نشاط المجتمع السياسي والمدني مثل حركة المقاطعة الدولية BDS، وغيرها من أشكال المقاومة في قطاع غزة والضفة الغربية، وبين الفلسطينيين داخل "إسرائيل" وفي الشتات الفلسطيني، فإن الشعب الفلسطيني ليس على وشك القبول بشرائه.

أوضحت إدارة ترامب أنه بينما يتعين على الإسرائيليين أن يكون لهم إسهام وافٍ في تقرير ما يحدث في فلسطين، فإن الفلسطينيين أنفسهم لا يستحقون التشاور معهم بشأن مستقبلهم. بل إن كوشنر، وفريدمان، وغرينبلات، ومنظرّيهم الإسرائيليين من الجناح اليميني بغطرستهم يعرفون أفضل. إن الروتين المتعب المتمثل في حرمان الفلسطينيين من السلطة، كما تفعل خطة كوشنر بطريقة حادة وغير محترمة، قد تمت تجربته منذ أكثر من قرن.

لم تنجح في ظل الانتداب البريطاني، ولم تنجح في الفترة ما بين عام 1948 وصعود منظمة التحرير الفلسطينية في الستينيات من القرن الماضي عندما حاولت الأنظمة العربية فرض وصاية عليها، ولم تنجح في ظل الحكم العسكري الإسرائيلي. كل ما سمح به للفلسطينيين من قبل "أسيادهم" الإسرائيليين، من مناحيم بيغن في عام 1977 وحتى بنيامين نتنياهو اليوم، هو مستويات مجملة من "الحكم الذاتي" ومقيدة بشكل كبير تحت الإبهام الإسرائيلي.

واضح أن هذا كل ما كوشنر على استعداد لتقديمه.

إن الوضع الراهن للاحتلال العسكري والاستعمار الذي يقترحه كوشنر لتمديده إلى أجل غير مسمى يتناقض كلياً مع عقود من السياسة الأميركية المعلنة، ومع كل مبدأ من مبادئ الحرية والعدالة والإنصاف، التي يُفترض أن تؤيدها الولايات المتحدة. إنه يجعل الولايات المتحدة في موقف سيئ السمعة للسماح لسياستها بوضعها في صورة شخصية تافهة، تعمل تحت تأثير الأفكار الرجعية لليمين الإسرائيلي.

في حين أن صراع جاريد كوشنر مع الملوك في لندن ربما يكون قد قلب رأسه، سواء كان يعرف ذلك أم لا، فإن أيام اللورد كورزون واللورد بلفور قد ولّت، فقد انتهى عصر الاستعمار. من خلال الخطط الاستعمارية الجديدة التي وضعوها للفلسطينيين، يسبح هو وحلفاؤه الإسرائيليون ضد تيار التاريخ.

 

ترجمة: هيثم مزاحم – الميادين نت

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً