صبر الجبهة الداخلية قصُر منذ 1991

إسرائيل هي دولة صغيرة، يسهل اختراقها واستهدافها، والتي يتركز معظم سكانها في منطقة صغيرة. لذلك قاموا بتركيز كميات ضخمة من الصواريخ على حدودنا. ونحن أيضاً توصلنا إلى الاستنتاج الصحيح. وأصبح الدفاع أحد الدعائم الأساسية لأمن إسرائيل.

  • صواريخ المقاومة الفلسطينية تنهال على المستوطنات الإسرائيلية (من الأرشيف)

بعد أن بدأت رشقات الصواريخ الأولى صباح الثلاثاء في 12/11/2019، سمعنا أن الكثير من المواطنين من منطقة غلاف غزة قد جمعوا عائلاتهم وغادروا المنطقة. وهم قد أجروا مقابلات مع وسائل الإعلام وقالوا بدون خوف إنهم قد قرروا عدم الانتظار وإنهم يريدون حماية أولادهم وأنفسهم والانتظار خارج مدى الصواريخ إلى أن يمر الغضب. ولم تحدث أية ضجة، ولم تصدر أية ردود غاضبة على هذه الأٌقوال. 

لم استطع ألا أفكر في التغيير الهائل الذي طرأ على المجتمع الإسرائيلي منذ أن أصبحت الجبهة الداخلية جبهة حقيقية في حرب الخليج عام 1991. فحتى ذلك الوقت اعتادت إسرائيل أن تدير حروبها من وراء الحدود وصد أعدائها من هناك. في حرب الخليج وصلت الحرب إلى قلب الدولة، وعندها، كما نذكر، بدأت موجة مغادرة من سكان تل أبيب لمدينتهم، وقد أطلق عليهم رئيس البلدية شلومو لاهط اسم "الفارين"، من وجهة نظر الطباع الإيجابية للمجتمع الإسرائيلي، وبدأ جدل كبير حول إذا ما كان هذا الفعل مقبول. أما هذه المرة فهناك صمت مطبق.

تغير الواقع تماماً. فقبل كل شيء حدد أعداؤنا الجبهة الداخلية بوصفها الخاصرة الرخوة. فإسرائيل هي دولة صغيرة، يسهل اختراقها واستهدافها، والتي يتركز معظم سكانها في منطقة صغيرة. لذلك قاموا بتركيز كميات ضخمة من الصواريخ على حدودنا. ونحن أيضاً توصلنا إلى الاستنتاج الصحيح. وأصبح الدفاع أحد الدعائم الأساسية لأمن إسرائيل، ولذلك بدأ يترسخ دور قيادة الجبهة الداخلية بوصفها هيئة تنظيمية متكاملة.   

لقد تعودنا. فالصواريخ بدأت بالوصول أكثر فأكثر. بعضها يتم اعتراضها، وبعضها لا. وتحول الأمر إلى واقع ثابت وروتيني. والواقع هو أن السكان المدنيين لا يلبسون البدلة العسكرية وبالتالي هم لا يخضعون للأوامر العسكرية، وغير مجندين لخدمة الأهداف القومية. ويفضل المدنيون العيش حياة طبيعية، حياة هادئة. والشذوذ عن هذا النمط يشكل تهديداً لهم ويعطل قوانين حياتهم. ووفق التجربة فإن اليوم الأول يمر بسلام. ولكن عندما يبدأ المصابون بالوصول، ومع اشتداد الإرباكات في الحياة المعتادة، يبدأ الصبر بالنفاذ.  

لم يعد طول المعركة التي يخوضها الجيش الإسرائيلي غير محدود، وفي هذه اللحظة بدأت العديد من ساعات ضبط التوقيت بالعمل. الساعة الدولية التي تكون في البداية مريحة وتصبح بعد ذلك عصبية وغاضبة، وساعة الاحتياطي في مستودعات الجيش الإسرائيلي (إذ اتضح في الماضي غير البعيد أنه كان محدوداً هو الآخر)، وأخيراً ساعة قدرة المدنيين على الصمود.

فطول المعركة يتم تحديده وفق قدرة الجبهة الداخلية على الصمود في الأيام القادمة، كما هو الحال في اليوم الذي مضى. بهدوء وصبر. لكن الوضع خاص في الجبهة الداخلية، التي تعاني من إرباكات في التعليم، وتعطيل الاقتصاد بشكل كامل تقريباً والتأخير على منافذ المغادرة في البلاد، كل ذلك يؤدي إلى نفاذ الصبر.  

من المستحسن أن يتم التعامل بحذر مع المناعة لدى المدنيين. فهي خزان قابل للتآكل. فالجمهور بطبيعته عديم الصبر، ويتطلع إلى خطوات وحلول سريعة وحادة تقلل من استهدافه، لكن المعركة متدنية القوة تستمر لوقت طويل. والعدو الذي يواجهنا أقل حساسية منا (تجاه الخسائر) ولديه الأقل مما يمكن أن يخسره. 

إنني اقترح على القيادة ألا تتعامل مع صمود الجمهور بوصفه أمراً مسلماً به. فالجمهور يجب إقناعه. وهو بكل تأكيد غير موجود في جيب الحكومة. وتظهر، وبحق، في الخطاب العام، الداخلي والعلني، شكوك وتساؤلات واعتراضات. والسيطرة على المعلومات وعلى صور المعارك لم تعد تحت السيطرة الحصرية للدولة. فشبكات التواصل الاجتماعي قد هزمتها منذ زمن طويل. انتبهوا أيها القادة: يوجد هناك إسرائيل أخرى. خذوا هذا بالحسبان. الوقت قصر.

ترجمة: مرعي حطيني

 

 

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً