"جيروزاليم بوست": العلاقات الإسرائيلية - الأردنية تتوقف على الفلسطينيين

صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية تتناول العلاقات بين الأردن و"إسرائيل" وتقول إن ما تقوم به الأخيرة تجاه الفلسطينيين ومخططاتها قد تهدد اتفاقية السلام مع عمان.

  • ملك الأردن الحسين بن طلال يشعل سيجارة لرئيس وزراء الإحتلال الإسرائيلي إسحاق رابين

 

الأردن مرتبط ومتصل بجميع القضايا الأساسية تقريباً في قلب المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية، وبالتالي له دور مهم في أي حل مستقبلي.

مسألة الصلة بين المسار الإسرائيلي - الفلسطيني والمسار الإسرائيلي - العربي هي قضية خلافية في الخطاب العام الإسرائيلي.

يدّعي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مرارًا وتكرارًا أن القضية الفلسطينية يمكن تجاوزها عن طريق التطبيع مع العالم العربي، حتى من دون إحراز تقدم على تلك الجبهة. ومع ذلك، فإن تاريخ العلاقات الإسرائيلية - الأردنية يشهد على العلاقة القوية والجوهرية بين هاتين الساحتين.

إن الاختراق الذي أدّى إلى إبرام معاهدة السلام مع الأردن في سنة 1994 تم بفضل التقدم في المفاوضات مع الفلسطينيين، وكل أزمة منذ ذلك الحين في الساحة الفلسطينية انعكست على العلاقات مع الأردن. كل المحاولات لتدفئة العلاقات مع الأردن وزيادة التعاون في القضايا المدنية (بما يتجاوز التعاون الاستخباري والعسكري) تتطلب تحركاً موازياً تجاه الفلسطينيين.

لقد شعر الملك حسين آنذاك أنه تم إحراز تقدم في القضية الفلسطينية وأنه يحق له بالتالي المضي قدماً على طريق منفصل مع إسرائيل.

وأطلق اتفاق أوسلو تسارعاً في الاتصالات الإسرائيلية - الأردنية، وبعد أسبوعين من توقيعه، عُقد اجتماع قمة سري في العقبة بين الملك حسين ورئيس الوزراء آنذاك إسحاق رابين. في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر 1993، بدأ حسين ووزير الخارجية شمعون بيريز مناقشات حول تفاصيل اتفاق السلام. ومع ذلك، في تلك المرحلة كان الملك لا يزال حذراً وظلّت الاجتماعات سرية.

أدى اتفاق القاهرة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في أيار/مايو 1994، والانسحاب الإسرائيلي من غزة وأريحا (المتاخمة للحدود الأردنية) إلى إلقاء الضوء على حسين أمام لقاء علني مع القيادة الإسرائيلية والتقدم نحو معاهدة سلام. في 25 تموز/يوليو 1994 وقع رابين وحسين إعلان واشنطن الذي أنهى حالة الحرب بين بلديهما، وبعد مفاوضات أخرى، تم توقيع معاهدة السلام في 26 تشرين أول/أكتوبر 1994.

انعكس الارتباط الجوهري بين الساحة الفلسطينية والعلاقات الإسرائيلية - الأردنية في الاتجاه المعاكس أيضاً. كان للأزمات في عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية، التي ازدادت بعد تشكيل حكومة نتنياهو في سنة 1996، تأثير فوري وواضح على العلاقات مع الأردن.

وهكذا، على سبيل المثال، كان رد فعل حسين قاسياً تجاه افتتاح أنفاق حائط المبكى في أيلول/سبتمبر 1996، ووافق على استئناف العلاقات مع حكومة نتنياهو فقط بعد تدخل إفرايم هاليفي، رجل الموساد الذي كان يتمتع بمكانة خاصة في الأردن. كما أرسل حسين إلى نتنياهو خطاباً مطولاً وقاسياً في أعقاب القرار الإسرائيلي عام 1997 ببناء حي يهودي جديد في القدس الشرقية، "هار حوما" [جبل أبو غنيم].

في الوقت نفسه، بذل الملك الأردني كل ما في وسعه لإنقاذ جهود السلام الإسرائيلية - الفلسطينية. 

التصعيد في الساحة الإسرائيلية - الفلسطينية في السنوات التالية تُرجم إلى تصعيد في الإجراءات الاحتجاجية الأردنية تجاه إسرائيل في عهد الملك عبد الله، الذي حل محل والده.

بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول/سبتمبر 2000، لم يتولّ السفير الأردني المعين حديثاً إلى إسرائيل منصبه، ولم يكن هناك أي سفير أردني في تل أبيب لأكثر من 4 سنوات. عين الأردن سفيراً جديداً عقب قمة شرم الشيخ وإعلان شباط/فبراير 2005 لوقف إطلاق النار الإسرائيلي - الفلسطيني.

ومع ذلك، أدت عملية الرصاص المصبوب في غزة (من كانون أول/ديسمبر 2008 إلى كانون الثاني/يناير 2009) إلى استدعاء الأردن لسفيرها، وتم تعيين سفير جديد في سنة 2012 فقط.

في الوقت نفسه، كان عبد الله أحد اللاعبين العرب الرئيسيين في الترويج لمبادرة السلام العربية كأداة للسلام الإسرائيلي - الفلسطيني.

والأردن وثيق الصلة أيضاً بجميع المسائل الأساسية التي تكمن في صميم المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية، وبالتالي يلعب دوراً هاما في أي حل مستقبلي.

على سبيل المثال، الأردن لاعب رئيسي في قضية القدس وخاصة فيما يتعلق بمسألة الأماكن الإسلامية المقدسة، وقد اعترف كلا الجانبين بوضعه الخاص. هذا الاعتراف مدرج في معاهدة السلام الإسرائيلية - الأردنية واتفاقية 2013 بين عبد الله والزعيم الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) بشأن القدس.

لذلك لعب الأردن دوراً في الجهود الدبلوماسية المختلفة لإدارة الأزمات المتعلقة بالقدس. لقد كان له دور فعال، على سبيل المثال، في حل الأزمة حول جبل الهيكل [الحرم القدسي] في نهاية سنة 2014، بما في ذلك لقاءات عبد الله مع نتنياهو وأبو مازن ووزير الخارجية جون كيري. شارك الأردن أيضاً في تحركات دبلوماسية لحل أزمة الكشف عن المعادن في المسجد الأقصى عام 2017 وأزمة 2019 عند "باب الرحمة".

في اتفاق السلام مع الأردن، التزمت إسرائيل بإعطاء "أولوية عالية" للدور الأردني في الأماكن المقدسة الإسلامية بمجرد إجراء مفاوضات حول اتفاق إسرائيلي - فلسطيني دائم. في الواقع، في مفاوضات 2007-2008 بين رئيس الوزراء آنذاك أولمرت وأبو مازن خلال مفاوضات أنابوليس، اقترح أولمرت أن يشكل الأردن جزءاً من نظام خاص يحكم ما يسمى بالحوض المقدس.

قضية اللاجئين، أيضاً، تتعلق بالأردن. يقيم حوالي مليوني فلسطيني يحملون بطاقات هوية لاجئة صادرة عن الأونروا في المملكة الهاشمية. أي ترتيب بشأن مصير اللاجئين سيكون له تأثير كبير على الأردن، وهذا يعني أنه يجب أن يكون جزءاً من المناقشات المستقبلية حول حل القضية.

هناك مسألة مهمة أخرى، والتي شكلت جدلاً محورياً في محادثات السلام السابقة وتتعلق أيضاً بالأردن، وهي الترتيب المستقبلي في غور الأردن. يركز النقاش على الترتيبات الأمنية في الغور وعلى الحدود الأردنية، وكذلك حول هذه المسألة من المتوقع أن يشارك الأردن في أي آلية مستقبلية متفق عليها.

فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، هناك تقارب مع الأردن. خلال عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية برمتها، تم طرح أفكار مختلفة للمشاريع الاقتصادية والسياحية والتكنولوجية والبيئية التي ستنفذها إسرائيل والأردن والفلسطينيون بشكل مشترك.

في هذه الأيام، من الواضح أن الأردن يقود الخط الأكثر حزماً في العالم العربي ضد خطة السلام الأميركية "صفقة القرن" التي لن تستند إلى معايير دولية مقبولة لعملية السلام (دولتان تقومان على حدود عام 1967 وعاصمتان في القدس).

وقاد الأردن أيضاً أشد الاحتجاجات على إعلان نتنياهو عشية انتخابات أيلول/سبتمبر 2019 الذي أشار فيه إلى أن إسرائيل ستضم غور الأردن.

في الوقت نفسه، يبدو أن الأردن والسلطة الفلسطينية يعززان تعاونهما كجزء من محاولة فلسطينية للحد من اعتماد السلطة الفلسطينية على إسرائيل. ممثلو الجانبين وقّعوا مؤخراً اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة والصحة والنقل.

يقود الأردن والسلطة الفلسطينية أيضاً محور التنسيق الدبلوماسي حيال إسرائيل والولايات المتحدة.

إن القرار الأردني بتوسيع الوقف الإسلامي المكلف بإدارة جبل الهيكل [الحرم القدسي] ليشمل شخصيات فلسطينية بارزة يشهد على محاولة توحيد الجهود ضد أي تغيير في الوضع الراهن في الموقع.

إن القرار الأردني الأخير بعدم تجديد عقد الإيجار لمدة 25 عاماً للجيبين الحدوديين تسوفر ونهرايم [الغمر والباقورة] (المنصوص عليه في اتفاقية السلام)، والتقارير عن رفض الأردن لعقد اجتماع بين نتنياهو وعبد الله، يشيرون أيضاً إلى تدهور العلاقات، على خلفية الأزمة العميقة في الساحة الإسرائيلية الفلسطينية.

تشمل العوامل الأخرى مساهمة الضغوط البرلمانية والعامة في الأردن ضد العلاقات مع إسرائيل، والأزمات الإضافية مثل إطلاق النار عام 2017 على مجمع السفارة الإسرائيلية في عمان، والتأخير المتتالي في مشروع [البحر الميت] "Med-Dead"، والاعتقال الإداري في آب/أغسطس 2019 لشابة أردنية.

الصورة المعكوسة اليوم للثقة والعلاقة الشخصية بين حسين ورابين هي العلاقة الحالية بين قادة البلدين، علاقة عدم ثقة عميق.

سيتعين على الحكومة الإسرائيلية المقبلة أن تسعى جاهدة لتغيير هذا الوضع، واستثمار الموارد في تعزيز الحوار مع الأردن وتعزيز التدابير الدبلوماسية تجاه الفلسطينيين التي من شأنها أن تؤثر بشكل إيجابي على العلاقات مع المملكة الواقعة إلى الشرق.

المصدر: جيروزاليم بوست

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً