يُحظر على إسرائيل الاعتماد على "تحالف الدول السنية"

الإسرائيليون، وكثيرون غيرهم، تحدثوا خلال العامين الأخيرين عن أهمية خلق تحالف بين إسرائيل ودول مصر والسعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة والسلطة الفلسطينية، التي تتحد جميعها ضد إيران وضد داعش. وحتى أن هناك من اتهم الحكومة الإسرائيلية بأنها لم تنجح في استغلال الوضع الحالي في الشرق الأوسط من أجل التوصل إلى سلام مع العالم العربي والإسلامي على قاعدة مبادرة السلام السعودية.

  • أنقذت المليارات السعودية مصر من الإفلاس عقب استلام السيسي للسلطة
قبل أكثر من عامين، في منتصف شهر آب / أغسطس 2014، أنهيت مقالي الأسبوعي بهذا المقطع: "إن الاضطرابات في الشرق الأوسط تُظهر وجود قوة للمحور السعودي المصري، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كان هذا التحالف سيستمر في قيادة الشرق الأوسط بعد عام أو عامين. ويحظر على إسرائيل أن تسقط في الإغواء وترسم مستقبلها وأمنها بالاعتماد على توليفة مؤقتة، مهما كانت جيدة. وعلى إسرائيل أن تعمل على قاعدة التخطيط بعيد المدى الذي يرتكز على ثرواتها الإقليمية، لا على التحالفات المتغيرة في كثبان الشرق الأوسط".
  الإسرائيليون، وكثيرون غيرهم، تحدثوا خلال العامين الأخيرين عن أهمية خلق تحالف بين إسرائيل و"تحالف الدول السنية المعتدلة" – مصر والسعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة والسلطة الفلسطينية، التي تتحد جميعها ضد إيران وضد "الدولة الإسلامية" (داعش)، اللتان تهددان سلامتها واستقرارها. وحتى أن هناك من اتهم الحكومة الإسرائيلية بأنها لم تنجح في استغلال الوضع الحالي في الشرق الأوسط من أجل التوصل إلى سلام مع العالم العربي والإسلامي على قاعدة مبادرة السلام السعودية التي تم تبنيها من قبل الجامعة العربية.   لقد كان مركز الثقل في "التحالف السني" هو التعاون الوثيق بين مصر والسعودية، والذي بدأ عندما أيد الملك عبد الله بسعة صدر، وبيد مفتوحة، الجنرال السيسي. ومن الجدير بالذكر أنه في شهر تموز/يوليو 2013 قام الرئيس السيسي بطرد الرئيسي المنتخب محمد مرسي، وهو من الإخوان المسلمين، وذلك خلافاً لرغبة الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية. وقد أنقذت المليارات السعودية مصر من الإفلاس، وحتى أن التعاون بين الدولتين شمل إقامة قوة مصرية لمساعدة السعوديين في حربهم ضد الإيرانيين والحوثيين في اليمن.   إلا أنه منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، تحركت الكثبان التي بُنِيَ عليها هذا التحالف، والرياح الشمالية التي تصل من المعركة في سوريا خلطت كل الأوراق التي راهن عليها المتحدثون. فالقاهرة والرياض بعيدتان اليوم جداً عن التعاون، ومصر تربطها علاقات قوية مع أعداء السعودية، وفي مقدمتهم إيران. فكيف حدث التحول؟   الرد واضح: هذا هو الوضع في سوريا خلال العامين الأخيرين، وبشكل خاص التدخل الروسي، والمعركة في حلب والقرارات حول سوريا في مجلس الأمن الذي تتمتع مصر بعضويته هذه السنة. والموقف من الأسد يستقطب مواقف كل الدول المتورطة في سوريا: روسيا وإيران والعراق وحزب الله يؤيدون الأسد، ليس فقط في الشق السياسي بل من خلال المشاركة النشطة في القتال. ولولا هذا التدخل لكان الأسد قد سقط منذ وقت بعيد. وفي مقابل ذلك هناك الدول المعارضة للأسد - السعودية وتركيا وقسم من الإمارات – التي تعمل سياسياً، وتقوم بتسليح وبتدريب المعارضين.

يراهن على الحصان الرابح

  • اقتنع السيسي أن الحصان الرابح في سوريا هم بشار الأسد وروسيا وإيران
إن الأمر الذي رجح كفه ميزان الحرب في سوريا لمصلحة الأسد هو التدخل الروسي الآخذ بالازدياد في العام الأخير. ويمكن القول بثقة إن روسيا تشكل اليوم السند الأساسي لجيش الأسد، وبخاصة في الجو. ومنظومات الدفاع الجوي التي نشرتها روسيا على الشاطئ السوري تشكل تهديداً على النشاطات الجوية للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وتركيا. وبالإضافة إلى ذلك فإن قسماً كبيراً من الأسطول الروسي، المزود بالصواريخ والمعزز بحاملة طائرات، متواجد أمام السواحل السورية.
إن روسيا تعمل بدون أية ضوابط قانونية أو أخلاقية وتقوم، بلا رحمة، بقصف الأحياء المكتظة بالمدنيين، الذين يتم استخدامهم عنوة كدروع بشرية من قبل المعارضة – هؤلاء الذين تدعمهم السعودية وبخاصة في الأحياء الشرقية من حلب. وعلى الساحة السياسية نجحت روسيا في إرغام أردوغان على التوقف عن دعم المعارضة، وهو يركز اليوم على العمل ضد الأكراد السوريين حتى لا يقيموا دولة مستقلة تشكل تهديداً لاستقرار تركيا. ومنذ استيلائه على السلطة في مصر واجه السيسي المعضلة التي تتمثل بمن يؤيد – الأسد أم معارضيه الإسلاميين، وهم الأخوة الأيديولوجيون للمعارضين له في سيناء وعلى امتداد نهر النيل. وطيلة الوقت الذي كان مرتبطاً فيه بالسعودية، من الناحيتين المالية والسياسية، امتنع السيسي عن إعلان تأييده العلني للأسد. إلا أن التدخل الروسي المباشر والمكثف في سوريا دفعه لإعادة دراسة طريقه من جديد. فهو قد أدرك أن الأسد سينجح في نهاية المطاف في التغلب على معارضيه وأن السعودية ستفشل في الحرب ضده، وقرر أن يراهن على الحصان الرابح. ويظهر في هذه المرحلة أنه قد تخلى عن السعودية واجتاز الخطوط، فمن وجهة نظره الأسد يستطيع البقاء في السلطة في أية تسوية مستقبلية.كما أن ابتعاد الولايات المتحدة الأمريكية عن الموضوع السوري أقنع السيسي بأن أصحاب البيت الجدد في الشرق الأوسط هم روسيا وأصدقاؤها الإيرانيون، ولذلك فإنه من المناسب له أن ينضم إلى الجماعة الرابحة وأن يتخلى عن الخاسرين. وفي التصويت في مجلس الأمن في 8 تشرين الأول/أكتوبر أيد المندوب المصري مقترح القرار الروسي ضد المقترح السعودي. وفي رده على ذلك قال مندوب السعودية في الأمم المتحدة إن التأييد المصري لروسيا هو "أمر محزن"، وقام السعوديون بوقف امدادات النفط إلى مصر وفرضوا قيوداً على رحلات شركة الطيران المصرية إلى السعودية. كما أن الشرطة المصرية قامت بإزالة الكتل الإسمنتية التي كانت تحمي السفارة السعودية في القاهرة وذلك بحجة أنه يتم تشييد أنفاق لعبور المشاة في المنطقة. وغادر السفير السعودي القاهرة عائداً إلى بلاده.ومن جانبه أعلن السيسي، في احتفال عسكري، أن "مصر لن تركع إلا لله"، أي أنها لن تفعل ذلك لأي إنسان أو لأية دولة، في إشارة إلى السعودية. وقد راج في وسائل الإعلام خبر مفاده أن ضابطاً كبيراً سابقاً في الجيش المصري باع زوارق دورية للحوثيين في اليمن، الذين تؤيدهم إيران بينما تحاول السعودية القضاء عليهم. وكل هذا التدهور في العلاقات بين البلدين حصل خلال خمسة أيام، بين 8 – 13 تشرين الأول/أكتوبر. وفي مقابل ذلك فإن العلاقات بين مصر وروسيا قد تعززت في السنة الأخيرة وذلك على الرغم من الاستياء السعودي. ويشمل التعاون بين السيسي وبوتين المجال العسكري: فمصر تقوم بشراء السلاح الروسي، وتُجري المناورات مع الجيش الروسي، كما تُقدِّم روسيا العون لمصر في بناء مفاعل نووي.

الاستعداد لليوم الذي يلي عباس

  • يتعزز الانقسام داخل منظمة التحرير الفلسطينية بين مؤيدي كل من عباس ودحلان
كذلك الحال تم ضم السلطة الفلسطينية، أكثر من مرة، إلى قائمة دول "التحالف السني المعتدل"، والتي قال كثيرون إن على إسرائيل التوصل إلى سلام معها. إلا أنه يتضح أن هذه السلطة مهلهلة. والصورة التي اعتدنا عليها خلال السنوات العشر الأخيرة هي صورة الانقسام الإقليمي والسياسي. إذ يشكل قطاع غزة دولة حماس، بينما عرب يهودا والسامرة هم مؤيدون لمنظمة التحرير الفلسطينية.
إن الأحداث الأخيرة تثبت أن الحلم بمنظمة التحرير الفلسطينية حلم لا يناسب الواقع. فهذه المنظمة منقسمة بين مؤيدي محمود عباس ومؤيدي محمد دحلان. وهذا الانقسام يتداخل ويعزز انقساماً آخر بين سكان المدن وسكان مخيمات اللاجئيين.وخلال العام الأخير، وبخاصة خلال الشهر الجاري، اندلعت أحداث عنف بين المواطنين وبين قوات الأمن التابعة للسلطة (الفلسطينية)، التي تتعامل مع المواطنين بوحشية لم نرَ مثيلاً لها منذ سنوات في العالم العربي، قبل أن يتخطى "الربيع العربي" كل حواجز الوحشية. والأجهزة الأمنية تعتمد على عناصر ليست من مواليد المنطقة بل من هؤلاء الذين تم إحضارهم من تونس، الذين ينظر إليهم السكان المحليون على أنهم فاقدون للشرعية.يجب فهم ما يحصل اليوم في السلطة الفلسطينية في إطار استعداد مختلف اللاعبين لليوم الذي يلي محمود عباس: فحركة حماس تقوم بحشد المؤيدين والسلاح من أجل السيطرة على يهودا والسامرة، والخوف منها في أوساط مؤيدي منظمة التحرير الفلسطينية يدفعهم للبحث عن شاب يتمتع بالحيوية وبوسعه أن يشكل وزناً مضاداً لحركة حماس. ومحمد دحلان يناسب، بشكل كامل تقريباً، هذه المهمة إلا أنه يصطدم بمعارضة قوية من محمود عباس ومؤيديه.فهل ستبقى منظمة التحرير الفلسطينية منظمة واحدة في المستقبل؟ من الصعب التنبؤ بذلك، إلا أن الديناميكية الشرق أوسطية تؤبد الصراعات وتعمقها. ومن الممكن الافتراض أن الخلاف سيؤدي إلى القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية بالضبط بالطريقة نفسها التي أدى فيها الصراع ضد حماس إلى القضاء على حلم الدولة الفلسطينية الواحدة قبل تأسيسها.

التحالفات المبنية على كثبان رملية

  • يعتقد الإسرائيليون أنهم غير مستفيدين من اتفاق السلام مع الأردن
إن التحالفات في الشرق الأوسط مبنية على كثبان رملية. وأنا أعود وأحذر متخذي القرارات في إسرائيل، وخارجها، من الوقوع في حب الحالة التي تبدو عليها النجوم اليوم، ومن بناء سياسة طويلة المدى تعتمد على "التحالفات" الإقليمية، وبشكل خاص دفع بدل بالعملة الصعبة – وبخاصة من أرض الوطن – مقابل ورقة مكتوبة عليها كلمة "سلام".
وعلى سبيل المثال فقط: لإسرائيل معاهدة سلام مع الأردن منذ عام 1994، إلا أن هذا الأمر لا يمنع هذه الدولة المصطنعة – التي لم يكن لها أي وجود قبل عام 1921 – من أن تقدم في اليونيسكو قراراً ينسف أية علاقة بين الشعب اليهودي وبين القدس، وهي العلاقة القائمة منذ أكثر من 3000 سنة. هل هكذا يبدو السلام؟ وهل قامت إسرائيل باستدعاء السفير الأردني للاحتجاج أمامه على تصرف بلده في اليونيسكو؟ وهل تريدون من إسرائيل أن تشعر بـ "الطمأنينة" مع تحالف كهذا؟
ترجمة: مرعي حطيني

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً