كبح الأمور قبل الهاوية النووية

تسأل صحيفة "إسرائيل اليوم" عن كيفية تأثير الوضع الآخذ بالتشكل في كوريا الشمالية على منطقتنا؟ مشيرة إلى أن مدى الصواريخ الجديدة يغطي إسرائيل أيضاً وأن الفرحة بالصواريخ الباليستية العابرة للقارات تظهر على الشاشات في كوريا الشمالية، وكذلك الحال على وجوه الزعماء في إيران. فهذا الأمر يحفز إيران على مواصلة برنامجها النووي ذلك لأن الإنجازات تأتي بعد الاخفاقات.

إطلاق الصاروخ من النوع الذي حدث في كوريا الشمالية يحفز إيران لمواصلة برنامجها النووي
إطلاق الصاروخ من النوع الذي حدث في كوريا الشمالية يحفز إيران لمواصلة برنامجها النووي

قبل نحو عقدين تحدث أحد رؤساء المنظومة الأمنية في إسرائيل فقال إن العراق ليس مؤهلاً لإنتاج حتى مفك. وليست هناك حاجة للإشارة إلى أن مثل هذه الأقوال المتبجحة بعيدة كل البعد عن الحقيقة. فقد كان الغرب بحاجة إلى سنوات طويلة حتى ينتقل من حالة الاستخفاف بالقدرات التكنولوجية للشرق بما في ذلك الصين، والهند وباكستان بشكل خاص، إلى الاعتراف بالقدرات المتزايدة والمتطورة لهذه الدول. وفي الوقت نفسه وضعت كوريا الشمالية هدفاً لنفسها ألا وهو أن تكون قوة عظمى نووية. وقد وُضع كل ما هو ضروري في خدمة هذا المشروع.

 

وبخطوات واثقة علنية، وأحياناً بشكل استعراضي، تقف كوريا الشمالية اليوم وهي تمتلك قدرات لإطلاق صواريخ باليستية عابرة للقارات والتي سيتم وضع رؤوس نووية عليها. وليس أقل من ذلك. صحيح أنه بالنسبة للكبار من بيننا يرتبط مصطلح "الصواريخ العابرة للقارات" بالحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية حتى أواخر خمسينيات القرن المنصرم، إلا أن العالم لم يتغير والمسافات بين الولايات المتحدة الأميركية وبين كوريا الشمالية هي مسافة قاريّة، حوالى 10.000 كيلومتر، ولن يكون بعيداً ذلك اليوم الذي تجري فيه حرب باردة بين دول أخرى.

 

لماذا تحتاج كوريا الشمالية إلى السلاح النووي الذي يستهلك معظم الموارد الاقتصادية والاجتماعية؟ إن الزعيم الشاب كيم جونغ اون هو الذي يحتاج إلى هذا السلاح أكثر مما يحتاج إليه هذا الشعب. إذ كيف يضمن بقاء نظام حكمه؟ عن طريق وضع كوريا في مقدمة المسرح العالمي من ناحية امتلاك قدرات إطلاق الصواريخ بعيدة المدى، وبخاصة تلك التي تحمل رؤوساً نووية. ففي اللحظة التي يهدد فيها كيم أية مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولو مدينة واحدة، تهديداً نووياً، ستتغير قواعد اللعبة بين الطرفين بشكل مطلق. ولن يبقى حينئذ التهديد العملي أحادي الجانب، أي القدرة الهجومية الواضحة وبنسبة عددية تميل بعدة أضعاف لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، بل سيدخل ميزان رعب متبادل من النمط الذي كان يُسمى في الماضي: التدمير الشامل المتبادل. أي العودة إلى الحرب الباردة بمفهومها القديم الذي عهدناه قبل 60 سنة خلت. ووفق تجربة الماضي، على الأقل، فإن خطوة كورية مثل هذه ستضمن ميزان (قوى) لن تقوم فيه الولايات المتحدة الأمريكية بمهاجمة كوريا، وذلك لأن  النصر الأمريكي في هذه الحالة سيكون مضموناً، إلا أن الثمن سيكون أكبر من أن يُحتمل.

 

وكيف يؤثر الوضع الآخذ بالتشكل على منطقتنا؟ بداية، حتى وإن لم يكن لنا نزاع مباشر، فإن مدى الصواريخ الجديدة يغطي إسرائيل أيضاً. وثانياً، صحيح أن عملية إطلاق صاروخ إيراني يحمل أقماراً صناعية قد فشلت إلا أنه يمكن تلَمُّس الفرحة في إيران. فالفرحة بالصواريخ الباليستية العابرة للقارات تظهر على الشاشات في كوريا الشمالية، وكذلك الحال على وجوه الزعماء في إيران. فهذا الأمر يحفز إيران على مواصلة برنامجها النووي، وذلك لأن الإنجازات تأتي بعد الاخفاقات. هذه هي طبيعة الهندسة، المدعومة بالمال وبالإيمان، وبالتعاون أيضاً.

 

صحيح أن الخارطة النووية ستتسع مع دخول كوريا الشمالية إلى مجال القدرة على عمليات الإطلاق بعيدة المدى، لكن الاستقرار الواضح لن يحدث إلا بعد عدة سنوات، بعد أن يتم بناء ما يكفي من الصواريخ وقواعد الإطلاق والرؤوس النووية. ومع ذلك يبدو أنه سيكون هناك استقرار من نوع مختلف تماماً. ففي اللحظة التي سيكون فيها كيم أو أي زعيم آخر طرفاً في الردع المتبادل، والذي يعني التدمير الشامل لكوريا الشمالية في حال حدوث حرب نووية، فإنه لن يتم الذهاب إلى الهاوية النووية. فالهيبة والمكانة والسطوة التي تتأتى جراء امتلاك السلاح النووي بعيد المدى تكفي بحد ذاتها بما يحول دون إحرق كل الأوراق. والأمل الوحيد المتبقي حتى الآن هو أن تتم إعادة التقييم لكبح الأمور قبل الوصول إلى الهاوية النووية.

 

إن عملية إطلاق الصاروخ من النوع الذي حدث في كوريا الشمالية تحفز إيران لمواصلة برنامجها النووي، ذلك أن الإنجازات تأتي بعد الإخفاقات.     

ترجمة: مرعي حطيني