العزلة والتدهور الاقتصادي لغزة يزيدان من احتمالات التصعيد

من الصواب استغلال التقارب الذي طرأ على العلاقات بين إيران وروسيا على خلفية ما يجري في سوريا من أجل الايضاح لطهران بأنه قد يكون لمحاولات "تهييج" ما يحدث على حدودنا الجنوبية ثمن من مصالحها في كل من سوريا ولبنان.

العزلة والتدهور الاقتصادي لغزة يزيدان من احتمالات التصعيد

تم قبل أيام عدة نشر مقتطفات من الإحاطة التي قدمها رئيس "الشاباك" (جهاز الأمن الداخلي)، نداف ارغمان، أمام لجنة الخارجية والأمن. وقد برز، إلى جانب قدرٍ غير قليل من المعطيات المتعلقة بالنشاطات العملياتية وعمليات إحباط مئات المحاولات لتنفيذ العمليات، برز بشكل ملحوظ التركيز الكبير على حركة حماس في قطاع غزة والمخاوف من زيادة قوتها في يهودا والسامرة (الضفة الغربية).     

إن هذا ليس صدفة. ونحن نادراً ما نناقش ما يجري في غزة. فالقطاع مغلق ومعزول، وهو قد أضحى في النقاش العام تقريباً "ليس قضية" (non issue). وهو يدخل في كل مرة إلى جدول الأعمال (الإسرائيلي) من باب النقاش حول اتفاق مصالحة آخر محتمل بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية – والذي لن يفضي إلى أية نتائج – وحول إمدادات الكهرباء، وبشكل أكبر عندما يكتشف الجيش الإسرائيلي نفقاً ما أو عندما تُطلق الصواريخ على منطقة غلاف غزة. ولكن ما الذي يحدث بحق في القطاع؟ وما هي التحولات العميقة فيه، وما هي تداعياتها على إسرائيل؟ وما هو عدد الساعات التي تصل فيها الكهرباء لسكانه؟ وما هو مستوى البطالة؟ إن لهذه المعطيات تأثيرات كبيرة لجهة كل ما يرتبط باحتمالات التصعيد بين إسرائيل وحركة حماس.     

في عام 2015، في أعقاب عملية "الجرف الصامد" والعمليات التي سبقتها، نشرت الأمم المتحدة تقريراً حمل اسم "غزة 2020" والذي اشتمل على توقعات سوداوية جداً لمستقبل القطاع. ومنذ ذلك الوقت تم تعديل التقرير عدة مرات، بما في ذلك مؤخراً. وحسب التقرير المعدل، تتوقع الأمم المتحدة أن يصل قطاع غزة، خلال السنوات الثلاث القادمة، إلى حالة لا يستطيع معها الاستمرار في البقاء. وتؤكد في التحليل الذي قدمته، على الحالة المتهالكة والمتدهورة للبنى التحتية. وحسب تقدير المنظمة فإن شبكة مياه الصرف الصحي ستنهار، كما ستنضب المصادر الجوفيه لمياه الشرب، وسيعاني القطاع الصحي من نقص متزايد في الأسِرّة والبنى التحتية، وستتراجع إمدادات الكهرباء بشكل أكبر، وستعاني غزة من ضائقة في الأراضي المخصصة للسكن. وتضاف إلى ذلك معطيات البطالة التي تصل إلى 45% على الأقل، والتراجع الحاد في إجمالي الناتج المحلي والارتباط المتزايد بمنظمات المساعدة الدولية.      

وحتى إذا قبلنا الافتراض بأن حركة حماس هي المتهمة الرئيسية بالمسؤولية عن الوضع في القطاع بسبب إدارتها الفاشلة له، وبسبب الفساد وتحويل الموارد لتمويل النشاطات المعادية لإسرائيل وذلك على حساب السكان وترميم البنى التحتية، وكذلك حتى لو قبلنا الإدعاء بأن للأمم المتحدة مصالح مختلفة عن المصالح الإسرائيلية، وأن قسماً من التقرير منحاز ومضلل – حتى لو فعلنا كل ذلك فإنه مما لا شك فيه بأن التقرير يشير إلى وجود توجه مقلق يتطلب القيام بعمل ما.     


الردع موضع نقاش

إن النقطة الرئيسية التي تنطلق منها الجهات الأمنية في عملها هي أن الردع الإسرائيلي فعال وأن حركة حماس غير معنية بالتصعيد، على الرغم من الوضع الاقتصادي الآخذ بالتدهور (والذي قد يؤثر على قدرتها في حكم غزة). ومن وجهة نظري فإن هذا الافتراض إشكالي وهو يتعرض لاختبار في هذه الأيام. 

ويجري، إلى يومنا هذا، جدل بين مختلف الجهات الاستخبارية حول الأسباب التي أدت إلى التصعيد، وتالياً إلى عملية "الجرف الصامد". وكانت الرؤية السائدة (التي أرى أنها كانت محقة في ذلك الوقت) هي أن حماس غير معنية بالتصعيد. وعملياً، وكما هو معروف، فإن الظروف قد أدت إلى التدهور واندلاع الحرب. فهل الوضع مختلف اليوم؟ وما هو مدى قوة الردع الإسرائيلي أمام حماس؟ 

لقد كُتب الكثير حول الردع الإسرائيلي ومدلولاته وطرق الحفاظ عليه. وببساطة يمكن القول إن الحديث يدور عن سياسة إستراتيجية تهدف إلى منع طرف معين من القيام بأي عمل ضد الطرف الثاني وذلك لإدراكه أن الرد على عمله سيُلحق به ضرراً فادحاً يفوق الفائدة المرجوة منه. وتواجه هذه السياسة صعوبات مفهومة. والأبرز من بينها – الفجوة القائمة في رؤية الواقع بين الطرفين، والفجوة في فهم الوضع وتداعياته (سوء الفهم). ويجب أن نضيف إلى ذلك، في الحالة الإسرائيلية مقابل غزة، حقيقة أنه تعمل في القطاع تنظيمات أخرى ذات أجندة مختلفة عن أجندة حماس. وهناك دائماً خطر وقوع حادث معين تُجبر نتائجه الطرف الآخر على الرد.

واليوم، كما سبق القول، الوضع الاقتصادي أسوأ بكثير مما كان عليه الحال في الماضي. فالعلاقة بين قطاع غزة ومصر تشهد حالات مد وجزر، إلا أنها لم تتحسن بشكل جدي. كما أن معبر رفح لا يزال مغلقاً بشكل كامل تقريباً. وتدخُّل إيران في القطاع لم يضعُف (بل العكس هو الصحيح) والدليل على ذلك يتمثل في أقوال زعيم الحركة في قطاع غزة يحيى السنوار الذي اعترف بالفم الملآن في مؤتمر في غزة بالدعم الإيراني الواسع للحركة، بالإضافة إلى إعلان جهات أمنية إسرائيلية في الأيام الأخيرة عن وجود دعم مالي من هذا القبيل وإلى وجود أوامر من طهران لإطلاق الصواريخ. كما أن الدعم السخي من قطر يواجه الخطر وذلك بسبب التوتر بين القطريين وبين والسعودية، والمصالحة الداخلية الفلسطينية لا تسير إلى أي مكان (وأكثر من ذلك، حسب رأيي، في كل مرة تصل فيها حركة حماس إلى وضع المصالحة فإن ذلك يشكل مؤشراً على أنها موجودة في ضائقة متعاظمة).  

ويجب أن نضيف إلى ذلك التغيير الحاصل على امتداد الحدود، والذي يقع في قلبه إقامة سياج متطور على الحدود مع غزة، مع التأكيد على السياج المضاد للأنفاق الهجومية، والكشف عن عدد منها في الآونة الأخيرة. إن هذه الأمور مجتمعة تُنذر باقتراب وضع جديد، يتم فيه تجريد حماس من إحدى قدراتها الإستراتيجية، والتي استثمرت فيها الكثير من الموارد والجهود خلال السنوات الأخيرة.
إن تقاطع كل هذه الأمور يزيد، حسب رأيي، من احتمالات حدوث التصعيد في القطاع إلى درجة حصول عمل عسكري تبادر إليه حماس ضد إسرائيل.
وبناء عليه، ما الذي يتوجب فعله؟ إلى جانب البعد العسكري الذي يقوم على زيادة النشاطات وجمع المعلومات الاستخبارية، وكذلك تحسين استعداد القوات العاملة على جبهة غزة وجهوزية القوات التي قد يجري استخدامها في حال حدوث التصعيد، إلى جانب كل ذلك يجب اختبار وسائل أخرى، سياسية واقتصادية. سواء كان ذلك بشكل مباشر مع غزة أو مع المجتمع الدولي، وسواء مع مصر. وتخفيف الضغط الاقتصادي على السكان المحليين هو اليوم أهم من أي وقت مضى. 

وفي موازاة ذلك، من الصواب استغلال التقارب الذي طرأ على العلاقات بين إيران وروسيا على خلفية ما يجري في سوريا من أجل الايضاح لطهران بأنه قد يكون لمحاولات "تهييج" ما يحدث على حدودنا الجنوبية ثمن من مصالحها في كل من سوريا ولبنان.

 

ترجمة: مرعي حطيني