اعتقال بلا حدود

الاعتقال الإداري هو، على ما يبدو، خطوة وقائية تعتمد على الإدعاء بأن في نيّة المعتقل ارتكاب مخالفة للقانون في المستقبل. وتسمح قواعد القانون الدولي للدولة المحتلة باعتقال مواطني المناطق الواقعة تحت الاحتلال اعتقالاً إدارياً في حالات نادرة واستثنائية. إلاّ أن الاستخدام الذي تقوم به إسرائيل لهذا الأمر ليس نادراً وليس استثنائياً. وهو يُستخدم بمثابة غطاء أمني لسياسة كم الأفواه.

يُظهر العدد القليل من الإلغاءات أنه لا توجد أرضية صلبة لأي أمل بأن يلغي القاضي العسكري أمر الاعتقال الإداري بحق الناشطة السياسية خالدة جرار

في الأسبوع الماضي تمّ تمديد الاعتقال الإداري بحقّ عضو البرلمان الفلسطيني خالدة جرار لمدة ستة أشهر. وكانت الأشهر الستة من اعتقالها الإداري الأول قد بدأت في تموز/ يوليو من هذا العام، أي بعد عام بالضبط من إطلاق سراحها بعد أن ظلت مدة 14 شهراً رهن الاعتقال لإدانتها بالعضوية في الجبهة الشعبية وبالتحريض.    

الاعتقال الإداري لا يشتمل على لائحة اتهام، كما أن التهم غير معروفة للمعتقَل وحقّه في الدفاع عن نفسه ضدها لاغٍ وباطل. ولا يوجد للاعتقال الإداري حدّ زمني. إذ يمكن لقائد قيادة المنطقة الوسطى، روني نوما، أن يصادق بعد ستة أشهر على أمر اعتقال آخر ضد جرار، وعندها على قرار آخر وآخر. ونظرياً، تستطيع إسرائيل أن تبقيها رهن الاعتقال مدى الحياة بدون محاكمة. ويوجد الآن 7 أعضاء آخرين من البرلمان الفلسطيني رهن الاعتقال الإداري، وهذا الأمر ليس للمرة الأولى، بالإضافة إلى 450 فلسطيني مسجونين ضمن تصنيف الاعتقال الإداري بدون أن يعرفوا متى ستنتهي فترة سجنهم.    

ومما لا شك فيه فإن جرار وبقية المعتقلين الإداريين يعارضون الاحتلال الإسرائيلي الذي فُرض عليهم ويتمنون إنهائه. إلا أنه وفق القانون العسكري أيضاً، إهانة الاحتلال ليست جريمة أمنية. ولو أنه كان لدى الجهات العسكرية أي دليل، مهما كان صغيراً، يثبت ارتكاب جرار جرائم محددة لما كانت هذه الجهات تتردد في إخضاعها لمحاكمة طويلة ومضنية.  

إن الاعتقال الإداري هو، على ما يبدو، خطوة وقائية تعتمد على الإدعاء بأن في نية المعتقل ارتكاب مخالفة للقانون في المستقبل. وتسمح قواعد القانون الدولي للدولة المحتلة باعتقال مواطني المناطق الواقعة تحت الاحتلال اعتقالاً إدارياً في حالات نادرة واستثنائية. إلا أن الاستخدام الذي تقوم به إسرائيل لهذا الأمر ليس نادراً وليس استثنائياً. وهو يُستخدم بمثابة غطاء أمني لسياسة كم الأفواه.    

ومن المقرر أن يقوم قاضٍ عسكري، خلال الأيام القريبة، بدراسة أمر الاعتقال الإداري الجديد ضد خالدة جرار. وهو يستطيع أن يصادق عليه، أو أن يقصّره أو يلغيه. ووفق معطيات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، التي سبق وأن سُلمت إلى منظمة "بتسيلم"، فإنه من أصل 3.909 أمر اعتقال إداري صدرت خلال الفترة بين 2015 ونهاية تموز/يوليو 2017 تم تمديد 2.441 أمر اعتقال إداري أي ما يساوي 62.4%. بينما تم إلغاء 48 أمراً فقط من مجمل أوامر الاعتقال الإداري من قبل القاضي العسكري أي ما نسبته 1.2%.

يُظهر العدد القليل من الإلغاءات أنه لا توجد أرضية صلبة لأي أمل بأن يلغي القاضي العسكري أمر الاعتقال الإداري بحق الناشطة السياسية خالدة جرار بنت الـ 54. ولكن هناك مجال لكي يتم الطلب من كليات الحقوق ومن نقابة المحامين ومن القضاة، وحتى من المؤرخين ومن علماء الاجتماع، التدخل. وعليهم أن يُسمعوا صوتهم، وأن يُذكّروا المجتمع الإسرائيلي بأن حرمان الشخص من حريته بدون أي دليل وبدون منحه الحق في الحماية إنما هو من صفات الأنظمة الديكتاتورية. وفقط، إذا ما تم إسماع هذه الأصوات الاجتماعية والمهنية، فإن قادة المناطق والقضاة العسكريين لن يوقّعوا بمثل هذه السهولة على اعتقال بلا حدود. 

ترجمة: مرعي حطيني

المصدر: هآرتس