رد نتنياهو على الاحتجاجات في إيران أظهر أنه لا توجد لنا إستراتيجية ضد طهران

إن شجاعة المتظاهرين هي مثار للإعجاب: التحدي الصارخ للمرشد الأعلى علي خامينائي والدعوات إلى إعادة ابن الشاه رضا بهلوي – وهي مظاهر لم نرَها من قبل. وتحاول كل أجهزة المخابرات الغربية تحليل التركيبة السكانية للمتظاهرين إلا أنه لا توجد، حتى الآن، نتائج واضحة وقاطعة لأية جهة. والفهم القائم الآن هو أنه إذا ما انضمت المدن الكبرى، وفي مقدمتها طهران، بأعداد كبيرة إلى الاحتجاجات فإن ذلك سيكون البداية لاهتزاز كراسي "آيات الله".

ليس مطلوباً من إسرائيل أن تقف علناً على رأس المعسكر الذي يشجع الاحتجاجات في إيران – إذ أن هذا سيتسبب بالضرر

لا يوجد أحد، لا في إيران ولا خارجها، يستطيع الجزم إذا ما كانت الاحتجاجات الراهنة هي مجرد موجة عابرة أو أنها بداية للتغيير. كما أنه ليس بوسع أحد أن يعرف بشكل حقيقي طبيعة الأشخاص المشاركين فيها. لكن الجميع متفقون على أمر واحد وهو أن هذا هو الحدث الأهم منذ "الاحتجاجات الخضراء" 2009. وهنا تتوفر فرصة لإسرائيل، لكن المشكلة في الإستراتيجية الإسرائيلية ضد إيران هي ببساطة أنه لا توجد إستراتيجية.  

هذا وترسم غالبية التقارير صورة لهذه الاحتجاجات على أنها احتجاجات للطبقة العاملة – عمال المهن اليدوية، الذين يصوتون لصالح المحافظين في الأرياف – وذلك على خلاف احتجاجات الطبقة البرجوازية الداعمة للإصلاحيين في طهران 2009. وهناك من يقول إن هذا هو السبب الذي يجعل من الصعب القضاء عليها: فإذا كان بالإمكان 2009 إحضار ألوية من البسيج من الأرياف لضرب الطبقة المثقفة الطهرانية التي يكرهونها، فإن هؤلاء البسيج في الوقت الحالي مضطرون لمجابهة المتظاهرين في المدن النائية، والذين هم في الأساس جيرانهم. 

إن شجاعة المتظاهرين هي مثار للإعجاب: التحدي الصارخ للمرشد الأعلى علي خامينائي والدعوات إلى إعادة ابن الشاه رضا بهلوي – وهي مظاهر لم نرَها من قبل. وتحاول كل أجهزة المخابرات الغربية تحليل التركيبة السكانية للمتظاهرين إلا أنه لا توجد، حتى الآن، نتائج واضحة وقاطعة لأية جهة. والفهم القائم الآن هو أنه إذا ما انضمت المدن الكبرى، وفي مقدمتها طهران، بأعداد كبيرة إلى الاحتجاجات فإن ذلك سيكون البداية لاهتزاز كراسي "آيات الله". 

وعلى خلاف ما جرى في 2009 فإن النظام يبدي، إلى الآن، الحذر في رده على الاحتجاجات. إذ وقع أمران منذ ذلك الوقت: "الربيع العربي" وتبادل الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال الأيام الأخيرة زاد النظام من القوة التي يستخدمها ضد المظاهرات، لكن ليس إلى درجة كبيرة. وهو قد تعلم واستوعب ما حدث مع الزعماء في المنطقة الذين حاولوا ممارسة القمع الوحشي ضد الاحتجاجات الشعبية. ويأمل النظام أن تمر هذه الموجة دون أن تجر البلد إلى سفك كبير للدماء. إذ لا يوجد هناك أي شخص يرغب في أن يُكتب بأنه هو الذي أعطى الأوامر بإطلاق النار.

والرئيس حسن روحاني هو الشخص المفتاح في هذه القصة. فهو أول من تجرأ على تحدي الحرس الثوري، وعلى الإشارة إلى الاستثمارات الإيرانية في أقاليم أجنبية، كما كشف أيضاً عن الميزانيات الضخمة لرجال الدين. وهو، إلى الآن، يسير بين القطرات ويبدي حذراً من الدخول في مواجهة مع علي خامينائي. ومن شأن انضمامه إلى الاحتجاجات أن يقويها، لكنه في الوقت نفسه سيؤدي إلى نهايته. 

وقد أثبت علي خامينائي، وهو الشخصية الأقوى في إيران، والذي أثبت سواء في منصبه الحالي وسواء قبل ذلك كرئيس، أنه ليس بعيداً عن مشاعر الجماهير. ففي عام 1988، عندما لمس اليأس في المجتمع الإيراني من الحرب مع العراق، دفع المرشد روح الله خميني للخروج من الحرب. وخلال العامين الأخيرين، عندما اقترب عدد القتلى الإيرانيين في سوربا من الـ200، قام بتخفيض عدد رجاله هناك إلى درجة كبيرة.

وهو الآن على وشك إنهاء ثلاثين عاماً في منصبه، الأمر الذي يجعل منه أحد الزعماء الأكثر قِدماً في الشرق الأوسط، وهو يأتي في المكان الثاني بعد سلطان عُمان فقط. إلا أنه في سن الـ79، ومع سرطان البروستات المنتشر، يبدو أنه لن يحتفل بالكثير من أعياد الميلاد. لذا يجري في إيران، وبصمت، صراع على الوراثة حيث يرى روحاني في نفسه مرشحاً لذلك، ومما لا شك فيه أن هذا الأمر يلعب دوراً في سلوكه في هذه الأيام.

السيد إيران

ليس مطلوباً من إسرائيل أن تقف علناً على رأس المعسكر الذي يشجع الاحتجاجات في إيران – إذ أن هذا سيتسبب بالضرر. فتصريحات التأييد الحماسية التي أطلقها نتنياهو لم تنفع المتظاهرين. ولكن يجب على إسرائيل أن تعمل بصمت وأن تشجع زعماء آخرين في العالم لتقديم الغطاء لهم وإعطائهم الشرعية. الرئيس دونالد ترامب التقط الفرصة بسرعة، وهو هناك بالفعل. أما أوروبا القريبة فهي لم تنجح حتى في صياغة رسالة تأييد واضحة، وهي تطلق تصريحات مرعبة بأن ترامب يقود إلى الحرب. وعلى إسرائيل أن تساعد المحتجين في إيران في بلورة جبهة من الزعماء الذين يوفرون لهم السند.  

ولكن هذه هي بالضبط المشكلة في السياسة الإسرائيلية في مواجهة الجمهورية الإسلامية. فإيران ربما تكون الكلمة الأكثر تداولاً في خطابات رئيس الحكومة، ولكن إذا ما سألتم ما هي الإستراتيجية التي يقودها ضد من يُنظر إليها على أنها العدوة الأخطر علينا؟ فإن الرد سيكون عندها أنه لا توجد إستراتيجية.

إن من يحاول مواجهة أمة، متعلمة وموهوبة، ويزيد تعدادها على 80 مليون نسمة، لا يستطيع أن يكتفي بالخطابات أو بالأمل في أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بإنقاذنا من بين يديها. وكان صديقي باراك رافيد قد كشف مؤخراً اتفاق التعاون بيننا وبين الولايات المتحدة الأمريكية في موضوع إيران. إلا أن هذا الاتفاق يتحدث عن إقامة مجموعات عمل في مختلف المواضيع – لكن ليس هذا ما سيوقف التمدد الإيراني في المنطقة.   

لقد أدارت إسرائيل في ما مضى معركة واسعة ضد إيران. فمنذ عام 2003 قامت إسرائيل، وفق مصادر أجنبية، بمعركة واسعة لإفشال القدرات الإيرانية التكنولوجية والاقتصادية، وقدراتها في مجال العلماء النوويين، والكشف عن الأكاذيب الإيرانية وإستراتيجية اللجم السياسي ضد إيران. وخلال السنوات الأخيرة بالذات، التي يقودنا فيها "السيد إيران" (مثلما كان رابين "السيد أمن" / المترجم)، يسود الشعور بتباطؤ هذه النشاطات. 

وتدير إيران ضدنا معركة متعددة الجوانب من خلال استخدامها لكل العناصر الممكنة في المنطقة: لبنان وغزة، والفلسطينيون أيضاً. ومن يريد أن يوقف الإيرانيين عليه أن يعمل ضدهم بطريقة مشابهة:  إقامة شبكة من التحالفات الإقليمية التي تحيط بإيران بالضبط مثلما تفعل إيران معنا. وليس هناك نقص اليوم في المشاركين المحتملين في مثل هذه الشبكة.

إن حالة عدم الهدوء خلال الأسبوع الأخير توفر لمن يرغب فرصة جيدة للنشاط التخريبي داخل إيران. ومن رأى المعركة التي أدارتها روسيا ضد الولايات المتحدة الأمريكية عشية الانتخابات يدرك أن قدرات دولة ما للتأثير على الرأي العام في دولة أخرى هي قدرة ضخمة. ولكن بما يتجاوز استخدام الوسائل اللينة – فإنه تجب العودة إلى عمليات الإحباط المؤلمة – ليس فقط للعاملين في البرنامجين، النووي والصاروخي، بل أيضاً ضد شخصيات في النظام.

لقد نشرت صحيفة "الجريدة" الكويتية هذا الأسبوع خبراً مفاده أن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية قد اتفقتا على وجوب تصفية قائد قوات القدس قاسم سليماني. ويبدو أن هذا الخبر قد جاء لدفع سليماني للشعور بعدم الارتياح. إلا أن هذا الخبر يأتي بعد شهرين ارتسمت خلالها أمام المراقب العادي صورة جديدة للسلوك الإسرائيلي. فقبل شهرين نشرت الـBBC صورة من الأقمار الصناعية لقاعدة إيرانية موجودة في سوريا. وبعد ذلك بعدة أسابيع تم تدمير هذه القاعدة، حسب وسائل الإعلام الأجنبية، على يد إسرائيل. أي أن ما يتم نشره يُنفَّذ.   

إن قاسم سليماني هو الأكثر موهبة من بين أعدائنا. فقبل عشرين عاماً تم تعيينه قائداً لفيلق القدس التابع للحرس الثوري، وهي القوة المسؤولة عن نشر الثورة الإسلامية. وهو منذ ذلك اليوم حقق نجاحات عظيمة: في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغزة. وليس من قبيل الصدفة أنه يشغل هذا المنصب كل هذه الفترة الطويلة: فهو أحد العقول الخلاقة في الحرس الثوري. ويبدو أنه قد حان الوقت لوضع نهاية لمسيرته الناجحة هذه. وليس هناك أي سبب لتكون له أية حصانة. 

لقد سَخِرت قيادتنا خلال السنوات الثماني الأخيرة، وبحق، من باراك أوباما الذي كان يعتقد بأن الخطابات المنمقة تستطيع أن تحل محل العمل والسياسة. إلا أنه في الموضوع الإيراني يفعل (نتنياهو) الأمر نفسه بالضبط: فهو يقول الكثير ويفعل القليل. وإذا ما كانت إيران هي التهديد القومي علينا فإنه يجب تجنيد كل الموارد القومية من أجل مواجهتها.

وإلى الآن، بدلاً من الوقوف في وجه إيران، نتقرَّب منها. ففي الأسبوع الذي قام فيه الإيرانيون بخطوة إلى الأمام وأعلنوا عن تحديهم للنظام الذي يقمعهم، قامت إسرائيل بخطوة إلى الوراء وانضمت إلى النادي المريب للدول الداعمة لعقوبة الإعدام. وفي الوقت الذي يخرج فيه الإيرانيون ويدعون إلى التحرر من قيود الثيوقراطية (الحكم الديني) فإن الائتلاف الحكومي عندنا يفعل كل ما بوسعه من أجل فرض التشريع الديني على الجمهور العلماني. إن الشعبين – الإسرائيلي والإيراني – جديران بحكم أفضل.

ترجمة: مرعي حطيني


التعليقات