حاجة العالم العربي والاسلامي للمصالحات الشاملة

من طنجة وإلى جاكرتا. دول دمرت وجيوش تحطمت وبنى تحتية من جامعات ومدارس ومعاهد ومنابع مياه ونبات وجماد تضررت من طنجة وإلى جاكرتا، يجب أن يرتفع صوت المصالحات, صوت الوئام, صوت الحوار والتلاقيإن المصالحة تعني الصلح والإصلاح، ومعناه الإغضاء والتساهل، وعدم التقصي في استيفاء الحقوق بين المتنازعين، وتعني أيضا أن يتنازل كل طرف عن كبريائه السياسي والإيديولوجي والحزبي والإقتصادي والأمني والعسكري من أجل المصلحة العليا وهي الحفاظ على الإنسان، وفي هذا السياق لابد أن أذكر تجربة المصالحة الشاملة في الجزائر التي وضعت حدا لعشرية حمراء أودت بحياة مئات آلاف الجزائريين وعندما أصبحت المصالحة الوطنية الشاملة قناعة كاملة للدولة الجزائرية تحرك كل صناع القرار في الجزائر في خط المصالحة وهذا ما حدث, وما أحوج العرب اليوم إلى التعلم من التجربة الجزائرية الرائدة في مجال المصالحة الوطنية الشاملة.

التفاصيل

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم.

من طنجة وإلى جاكرتا، دماءٌ تُراق وأنفاسٌ تُزهَق وأجسادٌ تُفجَّر وأكباد تؤكل وأطفالٌ يُقتَلون ونسوة يُغتصبن ويُقتلن، وشيوخٌ يُذبَحون ومساجد تُهدَم وكنائس تُنسَف.

وفي ظل صمت العلماء والمؤسسات الدينية وقوى المجتمع المدني، يستمر كرنفال الموت في بلادنا، والكلّ يتفرّج على اللون الأحمر الذي أدمنه العرب والمسلمون.

من طنجة وإلى جاكرتا، دولٌ دُمّرت، جيوشٌ تحطمت، بنى تحتية من جامعات ومدارس ومعاهد ومنابع مياه ونبات وجماد تضرّرت.

من طنجة وإلى جاكرتا، يجب أن يرتفع صوت المصالحات، صوت الوئام، صوت الحوار والتلاقي، حتى ننتصر على هذا الجنون العربي والإسلامي.

قال الله تعالى "إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ"، وقال جلّ في علاه "إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ".

إنّ العالم العربي والإسلامي راهناً وغداً في أمسّ الحاجة إلى المصالحات الشاملة، المصالحات الدائمة، المصالحة الحضارية.

إنّ المصالحة باتت ضرورة استراتيجية وفقهية وفكرية ودينية وإنسانيّةً وحضاريةً واقتصاديةً واجتماعيّةً ونفسيّةً.

بتنا في أمسّ الحاجة إلى ثقافة المصالحة الشاملة والتي يجب أن يلتزم بها الحاكم العربيّ والمسلم، والعرب والمسلمون بمختلف طوائفهم ومواقعهم وانتماءتهم.

إنّ المصالحة الشاملة تنمّ عن وعيٍ حضاري وسموٍ أخلاقي قلّ نظيره، والحاكم المصالِح لشعبه خيرٌ من الطاغية الجبّار، الذي يقصّ الرقاب ويُرهِب شعبه، والحاكم العادل خيرٌ من الحاكم الإرهابي الذي يُخيف شعبه ويفتح سجونه للشعوب، والشعوب المتصالحة مع نفسها وغيرها خيرٌ من الشعوب البدائية التي تتقاتل من أجل أهدافٍ وهميّةٍ وجهادٍ خاسرٍ شيطاني، فتزهق الأرواح، وهي تظنّ أنها ماضية إلى الجنّة.

إنّ المصالحة تعني الصلح والإصلاح، وهو الإغضاء والتساهل وعدم التقصّي في استفاء الحقوق بين المتنازعين، وتعني أيضاً أن يتنازل كلّ طرفٍ عن كبريائه السياسي والأيديولوجي والحزبي والاقتصادي والأمني والعسكري من أجل المصلحة العليا، وهي الحفاظ على الإنسان وعلى الحياة التي قدّستها كلّ الأديان السماوية.

وفي هذا السياق، لا بدّمن  أن أذكر تجربة المصالحة الشاملة في الجزائر، التي وضعت حداً لعشريّةٍ حمراء أودت بحياة مئات آلاف الجزائريين، وعندما أصبحت المصالحة الوطنية الشاملة في الجزائر قناعةً كاملةً للدولة الجزائرية، تحرّك كلّ صُنّاع القرار في الجزائر في خط المصالحة، وقامت القيادات الكبيرة في الجيش الجزائري بالتواصل مع الجيش الإسلامي للإنقاذ المسلّح وبقيّة الجماعات المسلّحة لإعادة كلّ المسلّحين إلى حضن الوطن الجزائري ونبذ الثقافة التكفيريّة المارقة، وهذا ما حدث بالفعل، وما أحوج العرب اليوم إلى التعلّم من التجربة الجزائريّة الرائدة في مجال المصالحة الوطنية الشاملة.

حاجة العالم العربي والإسلامي للمصالحات الشاملة عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من العراق العلاّمة الشيخ خالد الملا رئيس جماعة علماء العراق، ومن الجزائر الدكتور البروفيسور محمّد بن بريكة المعروف ببحوثه الكبيرة في الإسلام الحضاري والمعتدل.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

دكتور محمّد بن بريكة، كيف السبيل لجعل المصالحة استراتيجيّةً بدل التقاتل؟ كيف السبيل لإحلال فكر المصالحة في خط طنجة جاكرتا؟ ومن ثمّ، هل المصالحة هي التي أنقذت الجزائر؟ وهنا نذكّر، لعلّ الذكرى تنفع المؤمنين، أنّ الفتنة العمياء التي قصفت الجزائر في التسعينات كانت مؤرّقة، ولو كان هنالك إعلامٌ فضائي آنذاك لرأى العالم هول ما فعلته الجماعات التكفيرية في الجزائر.

 

محمّد بن بريكة: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللّهم صلّ على سيّدنا محمّدٍ صلاةً تُخرِجنا بها من ظلمات الوهن، وتُكرِمنا بها بنور الفهم، وتوضح بها ما أشكل علينا حتى يُفهَم. إنّك تعلم ولا نعلم، أنت علاّم الغيوب.

شكراً لهذه القناة الرائدة الحاملة لكلمة الحق ولشعار الوسطية والتقارب بين المسلمين.

تضمّن، سيّدي الكريم، سؤالكم عدّة أسئلة تتعلّق بمرحلتين تاريخيتين، الأولى هي ما قبل المصالحة الوطنية التي سُمّيت قبل ذلك رحمةً ثمّ وئاماً ثمّ مصالحةً، وشقٌ يتعلّق بما بعد هذه المصالحة من آثارٍ طيّبةٍ على حياة الجزائريين، ومن انتقال هذه الرسالة الكريمة وهذا المفهوم العظيم إلى بقيّة أقطار العالم الإسلامي، إن شاء الله لتكفّ هذه الدماء، وكما قال الشاعر الفتنة أول ما تكونُ جميلةً تلقي بزينتها لكلّ جهول، فإذا استدارت أدبرت شرطاء غير ذات خليل.

الفتنة يزيّنها بعض الناس، بعض الجهلَة، وأحب بهذه المناسبة أن أؤكّد على ثلاث نقاط.

أولاً كثيرٌ من الفتن تقوم باسم الدين، ولكنّ الأصل لها استراتيجيٌ يتعلّق بمصالح المخابر الذكيّة في الغرب وفي الولايات المتحدة وأوروبا وعند الكيان المعروف الذي يحتل أرض المسلمين.

المسألة الثانية أنّ الذين غُرّر بهم باسم الدين لتحطيم هذه الأوطان يكادون يكونون طائفةً واحدة لها فهمٌ سيّىءٌ للدين، لها فهمٌ أعرج للقِيَم الإسلامية، وتجرّدت من مفاهيم العلم والأخلاق وبُعد النظر.

المسألة الثالثة إنّ أرباب العلم في العالم الإسلامي بقوا مُبعَدين ولا أقول بعيدين، لأننا نعاني بالليل والنهار من هذه الدماء التي تسيل، من هذه المناظر المؤثّرة في موصل العراق وفي حلب الشام الكريم وفي الجزائر قبل ذلك، التي يُطِلّ من ورائي عليكم منها سيّدي عبد الرحمن الثعالبي القائل إنّ "الجزائر في أحوالها عجبٌ فليس يدوم بها للناس مكروه ما حلّ بها قط عسرٌ أو ضاق متسعٌ إلا ولطف من الرحمن يتلوه".

وللجواب على الشق الأول من سؤالكم، أقول إنّ تجربة المصالحة في الجزائر تجربةٌ أعان عليها ودفع إليها ظهور بعض العقلاء في المؤسستين السياسية والعسكرية، فانضاف جهدهم إلى جهود بعض الدُعاة الذين كانوا يتألّمون بالليل والنهار لما يحصل في جزائر الشهداء، الجزائر التي احمرّ كلّ شبرٍ منها وكلّ مترٍ منها بدماء الشهداء رضي الله تعالى عنهم أجمعين وتقبّلهم مع الصالحين والصدّيقين.

مسألةٌ ثانية، إنّ الجزائر حين عانت من هذا الوباء القاتل والمقتول، من الاغتصاب كما تفضّلتم في مقدّمتكم، من تدمير البنية التحتية، وهذا أمرٌ يجب أن يتنبه إليه كل أحبابنا شرقاً وغرباً، أنّ الطيارات التي تدمّر العالم الإسلامي، الطائرات التي تقصف اليوم ببلاد كثيرة من العالم الإسلامي واللبيب تكفيه الإشارة، تدمّر البنية التحتية.

ما علاقة خزانات المياه وموارد الماء بتطهير البلاد ومقاومة ما يصوّرون للناس على أنه تمرّد وانحراف؟ ما علاقة المحطّات الكهربائية؟ ما علاقة المدارس؟ ما علاقة الجامعات، جامعة الموصل التي تحوي آثاراً تاريخية؟ ما علاقة الآثار التاريخية بتدمر وعلاقة الآثار التاريخية بموصل العراق؟ ما علاقتها بكل هذا الصراع حتى تدمّر؟ إنّه محوٌ للهوية الإسلامية العربية الإسلامية، إنّه محوٌ للشخصية، إنّه ترهيبٌ من نوع خاص لآثاره مكبّلة للعقول والأجساد، كلّ هذا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد، أتصوّر هذا القدر يكفي للمضيّ باتجاه المحاور الأخرى، وأنا أحمد المولى عزّ وجلّ حمداً كثيراً أن أمّن الجزائر وأخرجها من الفتنة العمياء إلى مرحلة البناء. وهنا لا بدّ من الإشادة بدور الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي كان له دورٌ كبير في إنجاح مشروع المصالحة الوطنية الشاملة، وأتمنّى من الرؤساء العرب جميعاً أن يحتذوا حذو المصالحة الجزائريّة، وهكذا نخرج من عنق الزجاجة. أرجو أن تبقى معي دكتور محمّد.

دكتورنا خالد، لا شكّ أنّ تجربة المصالحة الجزائرية كانت رائدة. مبدئياً، لِمَ لم يتعلّم منها العرب، وقد استطاعت أن تنزل كل المسلّحين من الجبال، وبفضلها خرجت الجزائر من القطوع بعد أن عانت معاناة لا مثيل لها؟ كان التكفيريون في الجزائر يقتلون، يذبحون، أسوأ ممّا نراه ربما في العراق وفي سوريا، لكن غياب الإعلام الفضائي هو الذي حال دون انتقال الصورة.

وثانياً، لماذا قصّرنا كحكومات، كجماعات، كشعوب، في تكريس مصطلح المصالحة والصلح؟

 

خالد الملا: بسم الله الرحمن الرحيم. تحيّة لك ولضيفك الكريم، وتحيّة لأبناء الجزائر الأبطال، وتحيّة لكلّ إنسانٍ يعرف قيمة الإنسان، وتحيّة لجميع السادة المشاهدين.

ربنا جلّ وعلا قال في محكم كتابه الكريم "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ". أعتقد هذه الآية، علاقة التقوى بالإصلاح والمصالحة، مع طاعة الله تعالى ورسوله، وتُشترَط إذا كنّا نمتلك جزءاً أو نمتلك إيماناً، "إن كنتم مؤمنين"، فإذا كنّا مؤمنين استطعنا أن نتّقي الله عزّ وجل، وإذا تمتّعنا بهذا الخلق العظيم الكبير استطعنا أن نُصلِح ذات بيننا. هذا مدخل بسيط.

نحن بحاجةٍ إلى أن نراجع بعمق لدراسة التجربة الجزائرية، لماذا استطاع الجزائريون كما تفضّلتم أن يُنزِلوا المسلّحين، أو أن يُلقي المسلّحون سلاحهم، بعد أن كُنّا نسمع عبر الراديو، حتى لم يكن هناك تلفزيونات، كنت أنا أسمع وأنا صغير، وأنا شابٌ صغير، أسمع بأنّ ثمّة تفجيرات حدثت في المقبرة، وكنت أتساءل لماذا استُهدِفت المقبرة ولماذا استُهدِف المسجد ولماذا استُهدِف السوق وهو هكذا، ولماذا يُذبح الناس بهذه الطريقة البشعة حتى كدنا أن لا نصدّق، لكن لم نكن نرى بأعيننا وإنما كنا نسمع بآذاننا.

لماذا نجحوا؟ هذا يحتاج إلى دراسة. هذا أولاً. اليوم الصورة التي نعيشها سواء في العراق أو في سوريا أو في بلدان أخرى فيها هذا التناحر، إذا أردنا أن نصل إلى حقيقة المصالحة، قبل قضية الحكّام وقبل كل القضايا نريد أن ندخل إلى مشروع المصالحة، أنت قلت المصالحة وسماحة الدكتور العلامة الدكتور محمّد يعرف المصالحة مفاعلة، المصالحة تحتاج إلى طرفين، هذا مهم جداً سيّدي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خالد الملا: ما زلنا نقول المصالحة تحتاج إلى طرفين، إذًا نقف عند الطرفين. هل هما باستطاعتهما أن يمضيا بمشروع المصالحة. افترض يا دكتور يحيى، افترض أن الحاكم، ذاك الحاكم المعني اقتنع بمشروعنا، والطرف الذي على أقل تقدير، أنا هكذا أتجنّى فأقول طرف من الأطراف أنا أنتمي إليه وجنابك والدكتور رضينا بالمصالحة، الطرف الآخر هل سيرضى بالمصالحة؟ هل ينظر إليّ أنا أخوه في الإسلام بالآية التي ذكرتموها "إنما المؤمنون إخوة"؟ هل يعتبرني أخاً، أم أنني لا زلت مُرتداً يجب أن أقتَل ويجب أن أقصى وأمحى وأحرق، يجب أن يُعتدى على مالي وعرضي ومقدّساتي؟

هذه مفاهيم مهمة يجب أن نقف عندها. نحن نمضي بمشروع المصالحة، وأنا أثني على كل ما ذكرتموه وأثني على اختياركم لهذه الحلقة المهمة بعد أنهارٍ من الدماء وبعد أن اعتدي على الأعراض واغتُصبت النساء وهُدّمت مساجدنا بأيدينا. نحن هدّمنا مساجدنا، لم يأت الصليبي ولم يأت الصهيوني ولم تأت الماسونية، لا، هذه التي كنا نقرأها في الكتب لم تأت، كل هذا، وإنما جاء أبناؤنا، أبناؤنا بمسمّياتنا كما وصفهم النبي العظيم صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم حينما قال "يقولون من قول خير البرية ويقرأون القرآن"، هذه إشارات واضحة لبعض المتمرّدين.

وبالتالي المصالحة بين طرفين، هل نستطيع أن نتخطّى هذه العقدة؟ هو ينظر إليّ، أنا مسلم وهو مسلم، بالنسبة لنا لربما نستطيع أن ننظر، ونقول أنّ التقاتل بين المسلمين، الآن الذي يحدث في الساحة تقاتل بين المسلمين. هل نستطيع أن نقف؟ هنالك عقبة مهمة، إذا حاولنا أن نجتازها، نحن لا نريد أن نقول كلاماً نثرياً فقط وينتهي الموضوع، ونقول الآن، نستطيع أن نقول أنا والدكتور نخرج للسادة المشاهدين نقول مشروع المصالحة ونحن نستطيع أن نمضي به وانتهى الموضوع. لا، هناك عقبات رئيسية، ولذلك أنا دعوتكم إلى قراءة مستفيضة للتجربة الجزائرية، نأخذ الإيجابيات ونأخذ السلبيات.

الآن الحال تختلف، الآن التمرّد الديني والتمرّد العسكري ليس بأيدي العلماء فقط أو بعض العلماء، وإنّما الأصل بأنّ هذا التمرّد بأيدي جهاتٍ سياسيّة تبيع وتشتري به، تبيع وتشتري به، ولذلك حتى إذا أردنا أن نهدئ حالة أو منطقة أو جهة خرج إليك سياسيٌ مقتدر فحرّك الماء الساكن. هذا أولاً.

إذاً الطبقة السياسية لها دور كبير في قضية المصالحة إذا أردنا أن نمضي. هنالك قضية ثانية، دور العلماء. عندنا إشكالية يا سيّدي، نحن الآن نخاطب الجمهور، نحن ننزل إلى المجتمع وإلى الجمهور. أتدري أن بعض السياسييين اخترعوا لنا بدعة خطيرة أن هذا العالِم لا يمكن له أن يتحدّث؟ لماذا لا يتحدّث هذا العالِم؟ قال هذا ليس له تأثير عند جمهوره. أنظر، هو يريد أن يصادر حقوقك في الكلام وحقوقك في المشاركة وحقوقك في طرح المشروع، بل حتى حقوقك في تأثيرك في الجمهور. هو لا يريدك أن تؤثر في الجمهور، فماذا يقول؟ يقول سين من الناس هذا ليس له تأثير. طيّب، هل التأثير انحصر فقط عند دُعاة الفتنة كما أشار الدكتور محمّد؟ لأن المشاكل التي تحدث هي عبارة عن فتنة، وقد رأينا بأمّ أعيننا كيف أنّ كبار الدُعاة الذين قرأنا وقرأت لهم والدكتور محمّد أيضاً قرأ لهم، هم الذين تبنّوا خطاب الفتنة، وهم تبنّوا الخطاب الذي يستهدف الآخر، حتى وصل الحدّ بأحدهم وهو على مشارف التسعين من عمره، ليقول لأبناء الأمّة، لو كان بمقدوري، بمقدوري الآن لكي أحمل قنبلةً لَحَملتُها وألقيتُ بها. أتدري على من يريد أن يلقي هذه القنبلة؟ يريد أن يلقي هذه القنبلة على الجيش العراقي الذي حرّر الموصل.

هنالك مشروعٌ خطير يقوده بعض المُتنفذين الذين يمتلكون المال والمناصب الحكومية سواء في هذا البلد أو ذاك البلد حتى يقتلوا الصوت المعتدل، جاؤوا لنا بهذه البدعة فقالوا فلاناً لم يكن له تأثير أو ليس له تأثير. طيّب، أنت تريد أننا جميعاً اليوم ننساق خلف هذا الخطاب؟ أبناؤنا الذين يقاتلون تنظيم داعش، هذا التنظيم التكفيري الإرهابي الذي أساء إلى الدين وأساء إلى المذهب وأساء إلى الإنسانية، أتريد أن تلقي هذه القنبلة، وأنت تعجز أن تمشي على قدميك، أنت على كرسيّ متحرّك، فأنت متحمّس، وكنت أظن أنه يقول حتى ينهي الفتنة، يقول، هذه القنبلة أرميها على التكفيريين الذين اغتصبوا نساء العراق، والذين هدّموا مقدّسات العراق والذين هدّموا جامعات الموصل والذين هدّموا المتاحف، وإذا بي أفاجَأ يا سيّدي، واعتبرني أنت أنا رجلاً جاهلاً، أنا لا أفهم شيئاً.

 

يحيى أبو زكريا: استغفر الله.

 

خالد الملا: هكذا اعتبرني، وإذا بي أسمع في كامل سمعي أن هذه القنبلة يريد أن يلقيها على أبنائنا، على جيش العراق وعلى قواتنا الأمنية وعلى حشدنا الشعبي. هذه إشكالية.

 

يحيى أبو زكريا: وإلى الله المُشتكى، ولا شك أن كل فقيه ساهم في إشعال الفتنة سيلقى ربه. سأمضي إلى فاصل ثم نستكمل الحوار.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عدنا والعود أحمد. من أدرك حلقتنا، نحن نعالج موضوع المصالحات الضرورية والاستراتيجية في عالمنا العربي والإسلامي للخروج من كرنفال الموت ومهرجان الذبح والحرق.

جناب البروفيسور الدكتور محمّد، الدكتور خالد الملا كان بودّه أن يعرف بعض التفاصيل عن المصالحة الجزائرية التي نعمل إن شاء الله على تعويمها في الشارع العربي والإسلامي. مبدئياً، كان هنالك جناح استئصالي لا يؤمن بالمصالحة، عنفٌ مقابل العنف، كما قال السادات ذات يوم "العنف بالعنف والقتل بالقتل"، والحمد لله رجحت الكفّة لصالح المتصالحين، فكر المصالحة، وفكر المصالحة هذا تبنّته أيضاً كل مؤسسات الدولة، الجيش الجزائري، المخابرات الجزائرية. واحد من الذين أقنعوا الجيش الإسلامي للإنقاذ بالنزول من الجبال هو العقيد رحمة الله عليه اسماعيل العماري. فإذاً نريد أن نعرف بعض تقنيات المصالحة كيف تبلورت وكيف نجحت وكيف أتت ثمارها في الجزائر؟

 

محمّد بن بريكة: شكراً جزيلاً على هذا السؤال الذي يحتاج إجابةً وصفيّة، إجابة وصفيّة لمرحلةٍ مُعيّنةٍ تميّزت بوجود أربعة أصوات، صوتٌ وطنيٌ يدعو الجميع إلى عدم التفريط في وحدة الوطن والمحافظة على الأمن الوطنيّ، وصوتٌ استئصاليٌ يريد أن يتخلّص من كلّ صورةٍ للإسلام سواء متطرّفة أم مُعتدلة، أم صورة باهتة لا ترقى إلى مستوى الاعتدال ولا إلى مستوى التطرّف، وصوتٌ تكفيريٌ يرى أنّ جميع الفئات التي كانت على الساحة، الفئات الشعبيّة أو الفئات الإعلامية أو الفئات السياسية والعسكرية، كلّها في صفٍ واحد يعتبرها كافرةً يجب التخلّص منها، وما زالت بقايا لهذا التيّار، ولكن جاءت في ثوبٍ تتردّى أحياناً بالعلم وأحيانًا بالسنّة النبوية وأحياناً بالكتاب والسنّة والطائفة الناجية إلى آخره، وهي معروفة ولا نحتاج إلى الإكثار من الحديث بشأنها حتى لا نصبح أبواقاً للدعاية لهذه الطوائف. أما الصوت الرابع، وهو صوتٌ خفيّ، كان يتحرّك في ثنايا هذه الفئات كلّها، ويريد أن يبعث شيئاً اسمه التصالح الوطني.

كما تفضّل السيّد الكريم العالِم الجليل الشيخ الملا، حقيقةً المصالحة تحتاج إلى طرفين أو عدّة أطراف، تُسمّى تصالحاً وتُسمّى مصالحةً، لكن حين تكون في اتجاهٍ واحد سنرى بعد الجواب على هذا السؤال ما هي مآلاتها وكيفية التعامل معها. بالنسبة إلى المصالحة الجزائرية، أولاً كان كلّ هذا الذي يحدث في الجزائر يحتاج إلى شخصيّةٍ لها مصداقيّة تاريخيّة ولها مصداقية سياسية ولها امتداداتها الإشهارية في عالم وفضاء الدبلوماسية، فكانت شخصية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

شخصية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تميّزت بثلاث ميزات، أولاً الماضي الدبلوماسي، فهو يعرف كواليس الأمم المتحدة والجامعة العربية والدول الإفريقية ودول الجوار والمحيط المتوسّطي، وهذه ميزةٌ لعلّها لم تتوفّر في كثيرٍ من السياسيين الذين احتجنا إلى جهدهم التصالحي في تلك المرحلة. ثانياً الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان أثناء هذه الأزمة خارج الديار، فكان يتتبّع بوطنية وبحماسة مثلنا جميعاً، يتطلّع إلى مخرج لهذه الأزمة، ولعله كان يفضي لأنني لست شاهداً على حياته الخاصة، لعله كان يفضي بكثير من الآلام والآمال إلى الكثير من السياسيين في العالم بعيداً عن الجزائر. تذكّروا أنّه اقتُرِحت عليه قيادة البلاد سنة 94 قبل أن يقبل في العرض الثاني سنة 1999 فالرجل حينئذ كان مهيّئاً.

رابعاً السيّد عبد العزيز بوتفليقة كان محلّ إجماع هذه التيّارات كلها، لم يعادِ أحداً وليس له حساب مع أحد، التيّار الوطني والتيّار الإسلامي السياسي وعامة الشعب. لذلك حين جاء جاء بكثير من اليقين في وعوده الانتخابية وأثناء شروعه في دفع ما سُمّي بقانون الرحمة، نقله من قانون الرحمة الذي يقتصر على طرف يرحم طرف آخر، نقله إلى تراحمٍ بين كافة الجزائريين، ثمّ بعد ذلك إلى تصالحٍ بين الجزائريين جميعاً. ولعلّ كثيراً من الدبلوماسيين الغربيين حين تذكرون هذه المرحلة وكان لكلامهم صدى في الإعلام الجزائري، كانوا يسخرون من هذه المحاولات ويقولون لن تستطيع أبداً أن تنزل 13000 مسلح من الجبال قد تمرّدوا وقتلوا وفعلوا، لن تستطيع أن تأتي بهم أبداً إلى فضاء العائلة ودفء المجتمع الجزائري المُتراحم تاريخياً، والذي كان من أخلاقه دائماً وأبداً خُلُق الرحمة طاغياً على كل سلوكاته وفي كل الظروف.

حينئذٍ، هذه الشخصية حين جاءت جاءت إلى هذا الموزاييك، هذه الفسيفساء التي لا تكاد تجمع بينها جامعة، ماذا فعل؟

أولاً توجّه إلى الشعب فكان صوت الشعب صوتاً إيجابياً، ثمّ بعد ذلك تحرّك إلى طائفةٍ من المثقفين، باتجاه بعض المثقفين غير الإعلاميين الذين شرعوا في الكتابة والدعوة إلى الصلح. ثالثاً لجأ إلى الأحزاب الكبرى لأن الكثير من الجمعيات السياسية سواء هنا في الجزائر أو في العالم الذي يشهد نزاعات وصراعات اليوم، كثير من الجمعيات السياسية لا أثر لها في المجتمع، هو توجّه إلى القوى السياسية الكبرى، سواء من الحركة الإسلامية أو من التيار الوطني، جمعها وتوجّه إليها بهذا الخطاب، فكانت هناك كتاباتٌ رائدة في مسألة المصالحة الوطنية سنة 2000.

ثمّ بعد ذلك كان هناك نوع من الاختلاف الشديد في وسائل الإعلام، وتغلّب عليه الرئيس بوتفليقة، أحضر الإعلام في عدّة ندوات صحافية وتوجّه إليه بالكثير من المسائل التي تتعلّق بالمصالحة، فكان هناك نوعٌ من التمرّد عند بعض الأقلام وهذا لا يفسد الودّ قضية كما يُقال ولكنها شرعت في التراجع شيئاً فشيئاً لأن الثمن الذي كان سيُدفع كان سيكون أكبر مما يتصوّره العقل.

في هذه المرحلة كانت عطايا الحق سبحانه وتعالى، ارتفعت أسعار النفط والغاز وجادت السماء بخيراتها بأمطار ملأت السفح والجبل والسدود، فكانت هذه العناية الإلهية عنايةً ماديةً وعنايةً روحيّةً، فاجتمع كلّ هذا فكان هناك دافعٌ آخر للتشغيل واستقطاب العاطلين عن العمل بهذا الرخاء الاقتصادي الذي دخلت عليه الجزائر سنة 2000، فاجتماع هذه الآليات مع وجود، نسيتم، تحدّثتم عن الجيش الجزائري وأحب أن أتحدث عن دور وزارة الداخلية ممثلة في المديرية العامة للأمن الوطني ورؤساء البلديات، ومن كان في كرسي المسؤولية آنذاك. هؤلاء جميعاً كانوا قريبين إلى الشعب في تلك المرحلة وحاولوا أن يقوموا بعملٍ حواريٍ، وأشاهد هذه الحركة الآن في بلد العراق الجريح وأتمنّى له التوفيق والخروج من هذه الأزمة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد، ندعو الله تعالى أن يعمّ الأمن والأمان في كل بلاد العرب والمسلمين وحتى في العالم. أرجو أن تبقى معي.

شيخ خالد، بلاد العرب والمسلمين تتعرّض إلى الكثير من التفجيرات والعمليات الانتحارية. بنظرك وببصيرتك الربّانية، كيف نقود هذه العوالم إلى مشروع المصالحة؟

نعم، أشرت إلى بعض العلماء الذين أسّسوا للفتنة العمياء، لكن بالمقابل تعالوا إلى كلمةٍ سواء مع المؤمنين بالمصالحة، الدُعاة إلى المصالحة، الغيارى على دماء العرب والمسلمين.

 

خالد الملا: أكيد دكتور، هذه المبادرات مهمّة جداً وهي مبادرات إنسانية ومبادرات شرعية والصلح خير كما قال الله جلّ وعلا، لا يختلف العقلاء أنّه لا بدّ من مصالحةٍ وتصالحٍ، ولا بدّ من أن نلقي هذا السلاح ولا بدّ من أن نوقف هذه الدماء وهذا واجبنا، ونحن جزء مهمّ جداً في هذه المعادلة. حينما أقول نحن، يعني أقول صوت العلماء وصوت الشريعة، يُضاف إليه أصوات متعدّدة وأطراف متعدّدة. ثمّة محور أساسي، حتى نستطيع أن نمضي بهذا المشروع الذي تتمنّاه.

 

يحيى أبو زكريا: يا رب، يا رب.

 

خالد الملا: لا بدّ من أن يتوقّف بل يجب أن يتوقف كل أنواع الدعم للجماعات المسلّحة أو الجماعات المتطرّفة، ليس معقولاً أن أدعو إلى التصالح وهذه الجماعات المتطرّفة تتلقى ملايين الدولارات وهي من جهة الشعور الإنسانيّ، لُعابُها يسيل نحو المال والنساء والسلاح والسّلطة، وخاصةً وقد أطلق على نفسه مَثَل بأنّه خليفة للمسلمين، مليار ونصف المليار أو أكثر من مليار ونصف المليار، اليوم هو خليفة لهم، هكذا يصوّر نفسه، هذا ليس من السهولة بمكان أن تغيّره، أن يتغيّر بين ليلةٍ وضحاها كما يُقال.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

خالد الملا: فهنالك أسباب والأخذ بالأسباب أمر شرعي كما قال النبي صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم لذلك الرجل الذي دخل المسجد، قال أعقلها وتوكّل، أي أنا لا تطالبني بمصالحة ثم بعد ذلك تنهال على الناس المليارات وملايين الدولارات والدعم اللا محدود بالأسلحة والطائرات المسيّرة والقذائف وإلى آخره، وتطلب من الجانب الآخر أن يتصالح. حتى حينما نتحدّث نتحدّث على استحياء، لماذا؟ لأننا ننظر إلى الدولار، ننظر إلى رضا الحاكم هذا أو ذاك، لا نريد أن نفاتح المقابل.

 

يحيى أبو زكريا: وأنا سمعتك من بغداد تطالب شيخ الأزهر بالتنديد بمجازر العراق.

 

خالد الملا: أنا طالبت شيخ الأزهر وطالبت الحكومة العراقية حينما زرت الموصل، في آخر زيارة لي، طالبت حتى قائد الشرطة الاتحادية الفريق رائد جودت، قلت لماذا لا تكشفون الجنسيات العربية التي جاءتنا لتقتل أبناءنا؟ قال هذه قضايا، والرجل محق، قال هذه قضايا تتعلّق بالحكومة والدبلوماسية، قلت لا، افشوا هذه الأسرار وقولوا للمجتمع الدولي وقولوا للعرب وقولوا للمسلمين أن هذه الجوازات جوازات سعودية وصومالية وأريترية وإلى آخره، من جنسيات يُلقى القبض عليها، هذه لم تأتِ للعراق لكي تبني البنى التحتية التي هدمت وإنما جاءت لقطع رؤوس العراقيين وهدم مساجدهم وجامعاتهم وتراثهم وإشعال الفتنة بينهم.

أنا أقول نحتاج بعد أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، نحتاج إلى مصارحة وإلى، ليس فقط المصالحة، مصارحة، مصارحة أيضاً، وهذه المصالحة يا سيّدي حتى تنجح بعد أن جفّفنا المال والدعم، نحتاج إلى أن نتحرّك ليس بدوافع سياسية، ولا حتى مذهبية ودينية، نريد أن نتحرّك بالدوافع الإنسانية فحسب. لماذا يفشل كثير من المصالحات في بلداننا؟ العراق منذ عام 2004 يتحدّث عن المصالحة، وهنالك مؤتمرات في القاهرة وغير القاهرة حدثت، أنا حضرت مؤتمرات بالعشرات، لماذا لم تنجح؟ لماذا التطرّف يتفاقم ويكبر؟ لا بدّ من أن نتحرّك من جهة الإنسان، لا من جهة الدوافع السياسية والمناصب الحكومية أو حتى الدوافع المذهبية. لا بدّ من أن نندفع نحو أصلٍ نتّفق عليه جميعاً في هذه الحلقة، أننا إذا أردنا المصالحة لننبّه أننا خُلِقنا من أصلٍ واحد، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ".

 

يحيى أبو زكريا: جلّ في علاه.

 

خالد الملا: هذا نريد أن نؤكّد عليه وإن اختلفنا في مذاهبنا، وإن اختلفنا في أدياننا، وإن اختلفنا في رؤانا وتصوّراتنا، لا بدّ من أن نقف عند نقطة، هذه النقطة أننا خلقنا من أصل واحد وهذا الأصل الذي خلقنا الله به، أخي نفخ الله به روحه، "وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي"، هذا النفخ لم يُعطَ إلا لبني الإنسان فعلينا أن ننطلق من هذه المنطلقات. فإذاً علينا أن نجفّف المال والدعم الآخر بالسلاح أو غيره، وأن نتحرّك ليس بدوافع سياسيّة ودينية ومذهبية وهذا يريد أن ينتصر لدينه وذاك يريد أن ينتصر لمذهبه، وأن نُصلِح الخطاب الإعلامي. الخطاب الاإعلامي خطاب مؤثر. أنا لا زلت إلى اليوم، حتى قبل أن أقدم إلى هذا البرنامج، أنا لا زلت أستمع إلى الخطاب الذي يحرّض الآخر، يعطي دعماً معنوياً للقاتل أنه استمر في قتلك. ما فائدة المصالحة، أننا نتحدّث عن مصالحة، وطبعاً هنالك فرق بين التجربة الجزائرية المحترمة وبين الواقع الحالي، وهناك مئة قناة فضائية بالأقلّ تدعو وتحرّض للقتل والتدمير والتهجير والاغتصاب وإلى آخره.

فإذاً لا بدّ من ميثاق، ميثاق، أنا مللت من كلمة الميثاق الوطني، نريد ميثاقاً إنسانياً، لا ينظر إلى الأزيدي على أنه من طبقة أخرى أو درجة أخرى، فتعال إلى الأزيدي اغتصب زوجته، تعال إلى المسيحي اغتصب زوجته بعنوان السبي وغيرها، تعال إلى المسلم ابحث عن هويته، هل هذا المسلم، إذا كان شيعياً عليك أن تقتله، إذا كان سنّياً تنظر هل هو مرتد أم هو قاتل مثلك، فعليك، هذه التسميات أنا أعتقد المشروع الإنساني لا بدّ من أن يُفعَّل هذا مهم جداً، خطاب الإعلام لا بد من أن نتصدّى له.

هنالك نقطة سريعة، نحن بحاجة حقيقة إما أن الجزائر تزورنا إلى العراق أو أننا نزور الجزائر، بُعدنا عن هذه الشعوب، بُعدنا عن هذه التجارب أيضاً فاقم الأزمة. نحن من خلال هذا البرنامج.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، أحسنت. طبعاً كجزائري أقول مرحباً بك في الجزائر.

 

خالد الملا: حقيقة أنا مستعد لزيارة الجزائر واللقاء مع السادة كشخصية الدكتور محمّد كي نستفيد. نحن نريد أن نخمد هذه الفتنة، نريد أن نوقف هذا السفك الدموي الدائم، وأيضاً أضيف مسألة مهمة، نحن بحاجة إلى إصلاح سياسي في بلداننا، هذه المشاكل السياسية أيضاً.

 

يحيى أبو زكريا: أنا معك قلباً وقالباً وفي كل التفاصيل. خلصت من خلال فهمي لما قلت أن المصالحة هي ثقافة تتعلّق بأنسنة الإنسان العربي، والمصالحة تكريس لمشروع المواطنة، فلا سنّي ولا شيعي ولا إيباضي ولا أزيدي ولا مسيحي. كلنا محكومون إلى الوطن، وأشرت إلى إعلام البترو دولار الذي نشر الفتاوى السوداء في بلادنا. ومن هنا دعني أعود إلى البروفيسور محمّد.

بروفيسور محمّد، يقيناً المصالحة الوطنية في الجزائر كانت ناجحة، والدليل ما تنعم به الجزائر اليوم. لا شكّ أنّ المصالحة الوطنية في الجزائر عنوان عربي وإسلامي يجوز أن ننتفع منه، لكن لماذا بعض الدول ومنها الجزائر عندما تنتج مشروعاً للمصالحة، لا نرى استرسال مصاديق هذه المصالحة فكراً وثقافةً، شعراً ونثراً، مسرحاً ورواية في المجتمع الجزائري.

لماذا نجحت المصالحة، اختفت ثقافتها؟ من يتحمّل مسؤولية ذلك؟

 

محمّد بن بريكة: سيّدي العزيز، أولاً أحبّ أن أعقّب على فضيلتكم في مسألة الدولة الوطنية. الدولة الوطنية حتى الساعة لها قوسان كبيران، سيّدنا الأمير عبد القادر وفخامة الرئيس عبد القادر المالي كما يكنّى أثناء الثورة، هذه هي الدولة الوطنية قامت على روحٍ صوفيّةٍ وعلى مرجعيّةٍ مذهبية معينة وهي المذهب المالكي عموماً مع وجود الحنفية ومع وجود الإباضية. هذه المرجعية مع الأسف الشديد اختُرِقت في بعض المراحل، والاختراق الأكبر حصل من بداية الثمانينات. من هنا قامت الثورة الإيرانية، من هنا برزت أصوات نجدية كما يُقال، كما ورد في الحديث الشريف، هذه الأصوات بدأت تخترق المرجعية وذهب الكثير من طلبة العلم إلى نجد لطلب العلم، لكن مع الأسف عادوا بأفكارٍ مشوَّهة وعادوا ينظرون إلى المتديّنين الجزائريين، المجتمع الجزائري كله مسلمٌ يدين بدين الإسلام في سماحته وفطرته، ودخل هذا التيّار تحت مُسمّى الكتاب والسنّة وأنا لا أجد حرجاً، لكن حتى لا نوسّع ونعمّق الجراح، أحبّ أن أشير إلى هذه الأمور بشيءٍ من الرمزية واللبيب تكفيه الإشارة.

هذا التيّار أيضاً اخترق المصالحة. له وجهان. أحياناً يتحدّث باسم النسبة العلمية وأحياناً النسبة الجهادية، وهما وجهان لعملة واحدة لأن المرجعية الدينية لهذا التيّار سواء في صورة داعش أو في صورة القاعدة أو في صورة الجماعات التكفيرية، بالأمس سمعت قائمة طويلة وعريضة عن الكتائب الرافضة للحوار في سوريا الشقيقة، فسمعت كتائب باسم، سمعت أسماء بعض الكتائب تنسب نفسها لمرجعيتها العلمية، كتائب ابن تيمية، هكذا، كتائب ابن تيمية، لأول مرة أسمع عن هذه الكتيبة، المرجعية الأمانة لهذه الجماعات التكفيرية المضلّلة لطوائف المسلمين جميعاً، المرجعية واحدة ولعب الدولار دوره سواء في العراق أو في سوريا أو في الجزائر أو في تونس أو في ليبيا أو في أي مكان.

ملاحظةٌ ثانية، أنتم تتحدّثون عن الشخص الذي لا أحبّ أن أذكر اسمه لأنني سمعت خطبته الجمعية مباشرةً بعد وفاة العلامة الشهيد سيدي الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي، أقول رضي الله عنه، كان علاّمة ربانية عرفته معرفة شخصية واستضافني في بيته منذ سنين بعيدة، حين زيارتي إلى دمشق وكنت أستقبله هنا في الجزائر وأقدّمه للطلبة. تحدّث هذا الرجل عن استشهاد سيّدنا الدكتور البوطي بنوعٍ من التشفّي لا يصلح أن يكون صفةً لعالِمٍ، ثمّ هذا التنصيب، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء الإسلام، هذا ثوب زور يلبسه هذا الرجل، وما أعان عليه من بعض الانحرافات الفكرية، وما زال يتحدّث بصوتٍ من دولٍ لا تعرف لا الديمقراطية ولا تعرف الشورى ولا تعرف أيّ شيء، ويعيب علينا نحن ويشجّع المصريين على مصر والجزائريين على الجزائر والعراقيين على العراق، "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ".

مسألة أخرى سيّدي العزيز، المرجعية الدينية حين تخترق سواء في العراق أو في الجزائر فإنما لفائدة المخابر التي تختفي وراء البحار والتي تخطّط لشرق أوسط جديد ولفضاء متوسّطي جديد، وأحبّ أن أحيّي كلّ الأصوات الأمريكية والبريطانية التي اعترضت على القرار الأمريكي الأخير بمنع دول معينة ورعايا دول معينة من السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، هذا وعي إنساني نشجع عليه وهذا يدل على أن البشرية تجمعها صفة الإنسانية أولاً، "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"، وهو الإنسان بمعنى الإنسان، أما الذي تجرّد من إنسانيته وتحوّل إلى وحشٍ مُغتصب سفّاك للدماء فهذا يعني إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث كمثل الحمار يحمل أسفاراً لا ينتفع لا بعلم ولا بحوار وليس لديه قابلية لأي نوع من أنواع الحوار.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد، شكراً جزيلاً لك، أحيّيك وأحيّي مقام الشهيد الذي خلفك. الدكتور البروفيسور محمّد بن بريكة كنت معنا من الجزائر الحبيبة، الجزائر التي نحب شكرًا جزيلا لك.

رئيس جماعة العلماء في العراق العلاّمة الدكتور خالد الملا شكراً جزيلاً لك، وأخالك مهيئاً لتلعب دوراً في المصالحة في العراق وأنا أعلم أنك تتحرّك في هذا الخط، فجزاك الله خيراً.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

الشخصيات المشاركة

في الاستديو من العراق الشيخ خالد الملا رئيس جماعة علماء العراق، من الجزائر الدكتور محمد بن بريكة باحث ومفكر جزائري. <BR>

التعليقات

إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع قناة الميادين الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها
loading