مفاوضات الناقورة حول ترسيم الحدود.. ما قبل وما بعد

أساليب مختلفة قد تستخدمها "إسرائيل"، يساعدها في ذلك الوسيط الأميركي المنحاز سلفاً؛ منها افتعال الأزمات ومحاولة تضمين المحادثات إجراءات وتصوّرات مستقبلية لم يتحدث عنها اتفاق الإطار، بالتزامن مع حملة اتهام حزب الله بالمسؤولية عن التعطيل.

  • لا بد من البحث عن القاتل الاقتصادي الذي يعمل في لبنان
    لا بد من البحث عن القاتل الاقتصادي الذي يعمل في لبنان

إذا كان ملف التفاوض على ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة عبر سلطات الاحتلال قد أُعيد إلى الطاولة مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بيروت في آذار/مارس 2019، وبقي لبنان متمسكاً بمواقفه كما قال رئيس مجلس النواب نبيه بري، فماذا حصل منذ آذار/مارس 2019 حتى 9 تموز/يوليو 2020؟ 

للإجابة لا بد من مراجعة شريط الأحداث والربط بينها.

بعد زيارة بومبيو إلى بيروت في آذار/مارس 2019، أي بعد شهرين فقط من تشكيل حكومة سعد الحريري التي تعثّر تشكيلها فترة طويلة جداً، وبعد إعادة موضوع ترسيم الحدود إلى الطاولة، لا شك أن وزارة الخارجية الاميركية درست سياساتها في الملفات اللبنانية من جديد، وعليه تم استبدال ديفيد ساترفيد بديفيد شينكر في حزيران/يونيو 2019.

هنا كان لا بد لهذا التبديل أن يشير إلى تغيير في أساليب العمل وفق خطة عمل جديدة يقودها الأخير. عشرات الحرائق شبت في غابات ومزارع لبنانية، نُشِر يومذاك أن بعضها كان مُفتعلاً، وكان فشل جهاز الإطفاء اللبناني يشير إلى فشل الدولة وفسادها. أعقبت ذلك، مباشرة، مظاهرات احتجاج عارمة تركزت في بيروت من يوم 17/10/2019 وأدت الى سقوط حكومة سعد الحريري. تلتها عقوبات أميركية على لبنان بحجة نشاط حزب الله، مع انهيار الليرة اللبنانية والكشف عن حقيقة تهريب الأموال المنهوبة إلى الخارج. 

لا بد من البحث عن القاتل الاقتصادي الذي يعمل في لبنان. وهل يُعقل أن تقوم أميركا بهذه الإجراءات إن لم تكن محددة الأهداف، وضمن مخطط متعدد المراحل والأشكال؟ وإلاّ كيف نفسر إبدال ساترفيلد بشينكر في شهر حزيران/يونيو 2019 وهو الأقرب إلى منهج نتنياهو وترامب؟ وكيف نفسر زيارته إلى لبنان بعد كل ضربة أو كارثة أو إجراء؟ هل يحضر "للتضامن"؟! أم ليقف عن قرب ويقيّم نتائج ما فعلته يداه وأيدي حلفائه أو عملائه على حد سواء، أو ليعرف من أين تُؤكل الكتف؟

في 21/7/2020 استشهد عنصر من حزب الله في غارة إسرائيلية على محيط دمشق، ووقف الجيش الإسرائيلي على "رجل ونص" مبتعداً عن الحدود حتى يومنا هذا، خوفاً من رد حزب الله المؤكد. حصل كل ذلك بعد أيام قليلة من التوصل لاتفاق الاطار، ويبدو أن التوتر المذكور كان أحد أسباب عدم الإعلان عن التوصل إلى اتفاق الإطار خشية أن يُقال بأن "إسرائيل" قبلت بالشروط اللبنانية أي بتلازم المسارين البحري والبري تحت ضغط تهديدات المقاومة. أعقب ذلك انفجار أو تفجير مرفأ بيروت 4/8/2020 وسقوط حكومة د. حسان دياب، بالرغم من أنه الرئيس الوحيد الذي جاء من السلك الأكاديمي، علماً أن المطلب الأساس لحلفاء أميركا كان مطلب حكومة تكنوقراط! وربما تكون هي حكومة التكنوقراط الوحيدة التي قادت لبنان ولم يطل عمرها كثيراً. 

لم يمض وقت طويل حتى جرى الإعلان الأوّلي، يوم 13/8/2020، عن نية الإمارات و"إسرائيل" تطبيع العلاقات بينهما، وما يترافق ذلك من مشاريع إقتصادية وأمنية إقليمية، يتميز بها ميناء حيفا، بديلاً لميناء بيروت.

رافقت ذلك عقوبات أميركية جديدة، فوُضعت عدة أسماء لبنانية على لائحة العقوبات قبل الإعلان عن التوصل إلى اتفاق الإطار، منهم من حُسب على حزب الله وآخر على حركة أمل، السيد علي حسن خليل مساعد بري، إضافة إلى الوزير يوسف فينيانوس المحسوب على تيار المردة، مع التهديد بوضع آخرين على اللائحة ومنهم كما أُشيع وزير الخارجية السابق جبران باسيل "إن لم يحسّنوا سلوكهم السياسي" وفق النهج الأميركي المعلن. رافقت ذلك أحداث أمنية خطيرة مقابل خلايا داعشية نائمة ، ذهب ضحيتها عدد من رجال الأمن في لبنان. فهل من علاقة لهذه الأحداث كلها، وخاصة الأخيرة منها، باتفاق الإطار؟ وهل كانت العلاقة تشير إلى مسلسل أحداث حُدّد مسبقاً أم أنها تداعيات متوقعة؟ 

نربط بين السبب والنتيجة أو بين الظرف والحدث والأهداف المحددة مسبقاً، أو على الأقل يجدر بنا أن نضع هذه التساؤلات نصب أعيننا والبحث عن أجوبة لها.

قد ينفي المسؤولون اللبنانيون هذا الربط والاستنتاج، باعتبار أن لبنان "ما بيجي بالرصّ"، كما عبّر بري. في المقابل يتم الترويج في "إسرائيل" بأنه لولا خطر الانهيار الإقتصادي التام للبنان، ولولا اتفاق التطبيع مع الإمارات، ولولا تفجير/انفجار ميناء بيروت ولولا العقوبات الأميركية التي طالت وزيرين، لما وافق لبنان على اتفاق الإطار للتفاوض. بغض النظر إن كان هذا صحيحاً أم لا، فمجرّد قناعة الإسرائيليين والأميركيين بذلك، يفتح شهيّتهم لمزيد من الضغوطات المشابهة خلال المفاوضات ويدفعهم إلى استخدامها كوسيلة ضغط للوصول الى أهدافهم.  

ماذا سيشهد المستقبل؟ 

بالانتقال إلى المرحلة الراهنة، إذا ما تابعنا تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وبعض اللبنانيين، وتركيبة وممارسات الوفد الإسرائيلي، منذ ما قبل اللقاء الأول، نجد أنه من حق الوطنيين اللبنانيين، ومن يقف معهم أن يتساءلوا، إلى أين ستصل هذه المفاوضات؟ هل ستحافظ على مضمونها ومرجعيتها وفق اتفاق الإطار؟ أم أن الاتفاق هو مجرد خطوة "لاستدراج" الطرف اللبناني إلى الطاولة، على أمل تحقيق أهداف مبيتة؟ المستقبل سيكشف عن النوايا المخفية.

لقد كانت فترة عصيبة حصلت فيها كل المآسي التي يعاني منها لبنان، ما يدفع أي مراقب إلى التساؤل عما إذا عاد سعد الحريري لاستكمال المهمات الصعبة المرتبطة بترسيم الحدود. مع التذكير بأن حكومة الحريري سقطت بضغط الانتفاضة الشعبية ضد الطبقة السياسية الحاكمة، وهو على رأسها، وهو أكثر الرؤساء مسؤولية عما وصل إليه لبنان من انحدار بصفته رئيساً للحكومات اللبنانية لفترات طويلة، علماً أن كل رؤساء الحكومات، خلال 15 سنة مضت، كانوا من فريقه أيضاً. فإذا لم يكن هؤلاء هم من أوصل لبنان إلى هذا الحضيض فمن إذن؟ 

إذا ما تابعنا ما نُشر في الدراسات الإسرائيلية المختلفة، تحضيراً للمفاوضات، وتطبيقات ذلك من اللحظة الأولى لمحادثات الناقورة، وما سبقها من تحضيرات وتصريحات أميركية وإسرائيلية، نستطيع القول بأن "إسرائيل" تطمح بأن تُسفر هذه المحادثات عن اتفاق يسمح، أولاً، بتعاون إسرائيلي لبناني في عملية "إنتاج وتسويق النفط والغاز في المياه الاقتصادية للبلدين أو على الأقل في هذه المنطقة المتنازع عليها وتقاسم الأرباح من هذا الإنتاج". وهذا يتناسب تماماً مع استراتيجية الشراكة البحرية التي تتّبعها "إسرائيل" في شرق المتوسط، (قد نشرنا هنا مقالاً خاصاً بذلك قبل أسابيع)، لأن "استراتيجية الشراكة" تشكل حماية للمشاريع الاقتصادية المشتركة، وبطبيعة الحال يُمكن للتعاون الإسرائيلي اللبناني هذا، أن يُبعد خطر استهداف المنشآت النفطية والغازية الإسرائيلية في البحر المتوسط من قبل حزب الله، وهذا مطلب أساس للشركات الدولية العاملة هناك لأنه يقلل أيضاً من تكاليف الإنتاج. فهل الطموحات الإسرائيلية قابلة للتنفيذ؟ يبدو ذلك صعباً لكن يتوقع أن تترافق عملية الكباش الإسرائيلية اللبنانية مع استمرار المفاوضات التي من المبكر الحديث إلى أين ستفضي.

آخذين بالاعتبار كل ما رود أعلاه، ستحاول أن تُعيق "إسرائيل" التوقيع على أي اتفاق يصل إليه الطرفان إن لم تصل إلى هدفها الحقيقي وغير المعلن، وهو التعاون والشراكة المستقبلية. أساليب مختلفة قد تستخدمها "إسرائيل"، يساعدها في ذلك الوسيط الأميركي المنحاز سلفاً؛ ومن أساليبها المعروفة افتعال الأزمات ومحاولة تضمين المحادثات طقوس وإجراءات وتصوّرات مستقبلية لم يتحدث عنها اتفاق الإطار، يرافق ذلك بيانات وتصريحات إعلامية باتهام حزب الله بالمسؤولية عن التعطيل، وقد بدأ الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، والعربي الموالي لها، يحضّر الرأي العام إلى سيناريو مشابه، مدّعياً أن المفاوضات تجري "بالرغم من معارضة الحزب"، ولذلك فهو يعارض خلق أجواء "إيجابية" مسهّلة للمفاوضات، وهذا يتناقض مع الحقيقة المعروفة للقاصي والداني.  

وبالتالي لا بد من مرافقة إعلامية لبنانية دقيقة وسريعة للمفاوضين اللبنانيين، للحؤول دون وصول "إسرائيل" إلى أهدافها بدق الإسافين بين المقاومة والجيش والشعب اللبناني المتعطش لإنتاج الغاز والنفط من بحره. ولا بد من التمسك ببنود اتفاق الإطار الذي يحتّم تلازم المسارين البحري والبري وخاصة نقطة الحدود B1 التي تحمل أهمية بالغة التأثير على خط الحدود البحرية، في الوقت ذاته، يجب عدم التنازل عن حق لبنان باستخراج الغاز والنفط  من مياهه الاقتصادية وسدّ حاجة لبنان أولاً، في أقرب فرصة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن لبنان ليس مُلزَماً بنقل الغاز إلى أوروبا عبر الأنابيب البحرية الإسرائيلية، بل لديه إمكانية أخرى للانضمام إلى الأنابيب الروسية، وقد يكون هذا أحد المواضيع التي ستُطرح مع وزير الخارجية الروسي لافروف خلال زيارته لبنان في نهاية أكتوبر/تشرين الأول الحالي.

أليف صباغ

محلل سياسي مختصّ بالشأن الإسرائيلي

إقرأ للكاتب

لقاء نتنياهو وابن سلمان.. لماذا إخراج السري إلى العلن؟

مشاريع "السلام" الاقتصادية لا يمكن أن تخرج إلى حيّز التنفيذ من دون علاقات رسمية بين السعودية...

كيف نفهم المتغيرات الأخيرة للخارطة السياسية في "إسرائيل"؟

السلوك المنظّم للمستوطنين يفسّر تصاعد حزب "يمينا" في استطلاعات الرأي، حيث يشكّلون قوّةً داخليةً...

نتنياهو يمد يده إلى بايدن: استراتيجية المصالحة وتقييد الحركة

وسائل الإعلام الإسرائيلية تسلّط الضوء على الأجنحة المتصارعة في الحزب الديموقراطي، وتفحص...

بانتظار رئيس أميركا.. ترقّب فلسطيني وغياب المبادرة

ينتظر الفلسطينيون تبدّلاً في الإدارة الأميركية، لعلّه ينعكس على سياسة الولايات المتّحدة تجاه...

آفاق المقاومة الشعبية الراهنة في فلسطين (4)

مراجعة نقدية لظروف الانتفاضة الأولى والثانية وسماتهما واحتمالية انتفاضة ثالثة، ومقارنة الوضع...

آفاق المقاومة الشعبية الراهنة في فلسطين (3)

مراجعة نقدية لظروف الانتفاضة الأولى والثانية وسماتهما واحتمالية انتفاضة ثالثة، ومقارنة الوضع...