من يخشى نهاية البنوك؟

تجد البنوك نفسها في مواجهة طموحات شاب مثل مارك زوكربيرغ في رؤية فايسبوك يوماً بمثابة بنك مركزي للعالم، بعد إعلان العملة الرقمية "ليبرا" وخلق منصة للتسوّق.

  • من يخشى نهاية البنوك؟
    مع هذه العملات الرقمية، يتم الشراء والتبادل من دون الوسيط البنكي

في سياق دراسته لتاريخ الاقتصاد السياسي، تنبّأ كارل ماركس بنهاية دور النقد. جاءت تنبؤاته في سياق تطور دور العمل وأدوات الإنتاج، وفهم جديد لقيمة العمل خارج إطار الربح، فطال استنتاجه النقد، كما طال أجهزة الأمن في الدولة، في سياق التحول من المنظومة الرأسمالية ككل، ولكن ما يجري اليوم من صعود العملات الرقمية يأتي في سياق مختلف، يتمثّل في سمة عصرنا الأكبر؛ التكنولوجيا الإحلالية (Disruptive Technology).

عندما نتحدّث عن التكنولوجيا الإحلالية، فإننا نفكر في هاتف جراهام بيل الذي غيّر منظومة الاتصال في العالم، أو ما يسمى تحويل الوضعية من 0 إلى 1. نماذج التكنولوجيا الإحلالية اليوم تعددت. موقعbooking.com استبدل مكاتب الحجوزات بالكامل. "أمازون" ومواقع التجارة الإلكترونية استبدلت منطق التبادل القديم والبيع بالتجزئة بشكل كامل.

لقد طالت التكنولوجيا الإحلالية قطاعات الاتصالات والتجارة، ولكنها لم تنجز تعديلات جوهرية مماثلة على القطاع المصرفي (الدفع عبر الإنترنت ليس تعديلاً جوهرياً في هذه الحالة)، على الرغم من ولادة التكنولوجيا القادرة على تغيير ملامح النظام المصرفي الحالي، وهي العملة الرقمية عبر تقنية الكتل المتسلسلة (Block chain).

في هذه التكنولوجيا، تحفظ معلومات التبادل النقدي في كتل (blocks) على شكل متسلسل، وفي نسخ قد يصل عددها إلى ملايين النسخات، حمايةً لها من القرصنة التي تحتاج إلى تخريب 51% منها كي تتمكَّن من اختراق النظام المصرفي الرقمي. تقنية الكتل المتسلسلة تؤسّس لأرضية جديدة للنظام المصرفي في العالم، ومن دون الوسيط (البنك)، وذلك ما يُسمى "ندّاً لندّ" أو "نظيراً لنظير" (Peer to peer). 

مع هذه العملات الرقمية، يتم الشراء والتبادل من دون الوسيط البنكي، وتستبدل العقود الذكية المهمات البنكية التي تستمر لأيام، وبوليصات التأمين في ضمانات الصفقات الكبرى. وتقدم هذه التكنولوجيا ما يستبدل كذلك إجراءات القروض وجمع التبرعات (Fund Raising). إنها باختصار قادرة تقنياً على استبدال الصناعة البنكية التي يصل حجمها إلى 134 تريليوناً، فماذا تنتظر إذاً؟

عندما كانت مجموعة من المكاتب الصغيرة ضحية مواقع الحجوزات الإلكترونية، وعندما كانت مجموعة من التجار التقليديين ضحية مواقع التجارة الإلكترونية، فالحال ليس كذلك في النظام المصرفي، فالضحية المتوقّعة هي الجلاد الأكبر في التاريخ الحديث: البنوك! إنها الوسيط الوحيد الذي لا يرغب النظام السياسي في تحييده. 

إنّ المهمة التاريخية التي اضطلعت بها البنوك لا يمكن اختصارها في الإجراءات العملية التي توفّرها تكنولوجيا الكتل المتسلسلة، فإضافةً إلى كل ذلك، تتحكم البنوك بصياغة شكل النظام العالمي، ذلك أن ارتفاع سعر الفائدة يغلق مشاريع اقتصادية كثيرة ويرفع نسب البطالة. وفي حال انخفاضها (الفائدة)، تنتعش الأسواق والمشروعات الجديدة، وتتوفر فرص إضافية للعمل (الحكاية تبدأ من البنوك وتنتهي في الأسواق، وليس العكس). 

تضطلع البنوك كذلك بمهمة تنفيذ العقوبات السياسيّة (قانون قيصر، صناعة أزمة البنوك في لبنان، العقوبات على إيران، العقوبات على فنزويلا التي لجأت إلى العملة الرقمية "بترو"). ومن جهة أخرى، فإن الفساد داخل المؤسسة البنكية ينتج أزمات عالمية كبرى، كتلك التي حدثت في العام 1929م والعام 2008م.

ليس غريباً إذاً أننا لم نشهد قفزة واسعة في عالم النظام المصرفي، فبطاقة الفيزا الموجودة في جيبك كانت متاحة منذ الستينيات، ولكنَّ إدخال تكنولوجيا إحلاليّة في هذا العالم هو ببساطة عملية تغيير عميقة في واحد من أهم أركان النظام السياسي القائم في العالم. 

لقد مثّل أصحاب البنوك سابقاً شريحة أصحاب المعرفة الجديدة، وشاركوا رجال الصناعة في أرباحهم مجاناً، استناداً إلى هذه المعرفة، الأمر الذي يفسّر كراهية رجال الصناعة، كهنري فورد، لهذه الفئة مثلاً. 

ولأنَّ التاريخ لا يتوقف عن إنتاج حالات جديدة من المعرفة، يقف رجال البنوك موقفاً مماثلاً لموقف رجال الصناعة، ولكن في مواجهة أصحاب المعرفة الأكثر جدّةً (رواد التكنولوجيا، أو ما يسميهم لوتشيان فلوريدي "الكهنة الجدد"). تجد البنوك نفسها في مواجهة طموحات شاب مثل مارك زوكربيرغ في رؤية فيسبوك يوماً بمثابة بنك مركزي للعالم، بعد إعلان العملة الرقمية "ليبرا" وخلق منصة للتسوّق.

إنه ببساطة الصراع التاريخي المتجدّد الذي يضع البنوك في مواجهة لم تتوقّعها؛ المعرفة الجديدة التي تواجه دائماً أصحاب الثروة. وتجد البنوك نفسها اليوم أمام خيارين، إما محاولة إجهاض المشروع، وإما التكيف معه والاندماج فيه ومحاولة تبنّيه، ولكن ربما على أرضية تسويات مع رواد التكنولوجيا، كتلك التي فرضها أصحاب البنوك أنفسهم على رجال الصناعة سابقاً. 

إنَّ استبدال منظومة البنوك أصبح ممكناً اليوم على المستوى العمليّ والتقنيّ، ولكنَّ العائق السياسيّ هو الحاجز. ويتساءل القلقون من الخطوة الجديدة: كيف سيتم ترحيل ملفات العقوبات والديون والتحكّم بالأسواق إلى النظام الجديد؟

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد فرج

كاتب وباحث أردني، صدر له "الرأسمالية وأنماط الهيمنة الجديدة"، "مخاطر التمويل الأجنبي - المراكز والمنظمات (غير الحكومية)"، جزر السياسة المعزولة.

إقرأ للكاتب

الديمقراطية وشركات التقنية.. صفعة أخيرة لـ"نهاية التاريخ"

ترى الدراسة التي شارك فيها فوكوياما أنَّ شركات التكنولوجيا لا تمتلك قوة اقتصادية استثنائية فقط،...

خطاب السيد حسن.. سطوة المعنى

كانت القطعة الأدبية التي ختم بها السيد نصر الله خطابه مشبعة بالمعنى، ولسان حاله يقول: ادرسونا...

الشهيد فخري زاده وحلّ الاغتيالات الذي لا ينفع

الإسرائيلي يعتبر أن عتبته العالية في المنطقة تنطلق من التفوّق العلمي، ويعتقد واهماً أن التخلّص...

دييغو.. صديق المعنى والجنوب والموت

هل أبصر مارادونا في كلّ كأس يرفعه انتصاراً طبقياً، كما في كل جولة ناجحة لكاسترو في صدّ حصار...

وليد المعلّم.. صياغة الخطاب الهادئ

الصورة الفريدة التي قدَّمها المعلّم تكثّفت في الخطاب الذي لم يكن شعبوياً، ولم يكن غرائزياً،...

التحوّل الصّينيّ وتحوّل العالم

يمكن القول إنَّ برنامج التحديثات الأربعة المطروح في العام 1978م، زرع الأعمدة الأربعة الأهم في...