هل يعطّل العدوّ الإسرائيليّ مسار الوحدة الفلسطينيّة؟

يعلق الفلسطينيون آمالاً كبيرة بأن يحقق المسار الحالي من اللقاءات بين فتح وحماس ما عجزت عنه المسارات السابقة، خصوصاً في ظل الظروف المختلفة هذه المرة والتي تطرح تحديات كبرى على الفلسطينيين.

  • هل يعطّل العدوّ الإسرائيليّ مسار الوحدة الفلسطينيّة؟
    ثمّة تحد كبير أمام مسار الوحدة الفلسطينيّة يتمثل في الموقف الإسرائيلي وسلوكه الميداني

عاد الحديث عن التوافق الفلسطيني بين فتح وحماس إلى صدارة المشهد السياسي الفلسطيني، الذي يشهد حراكاً نشيطاً من الاتصالات المتواصلة بين قيادة الحركتين، كان أبرزها اللقاءات التي عقدت في السفارة الفلسطينيّة في إسطنبول، وما تلاها من اجتماعات فصائلية لمواجهة الانزلاق العربي نحو التطبيع مع العدو الصهيوني. 

حتى اللحظة، يسير المسار التوافقي في الاتجاه الصحيح، من خلال تشكيل قيادة موحدة للمقاومة الشعبية في الضفة الغربية، والعمل على ترتيب البيت الفلسطيني، وإنهاء حالة التجاذب الداخلية، وتوحيد الرؤية الفلسطينية في مواجهة السياسة الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية، إذ تواصل "إسرائيل" عملية التهويد والاستيطان، وكان آخرها إقرار بناء 4 آلاف وحدة سكنية على الأرض المغتصبة في الضفة الغربية. 

حالة من القلق تسود الساحة الفلسطينية، خشية فشل مسار الوحدة، نظراً إلى عدم نجاح الاتفاقيات والحوارات السابقة بين حماس وفتح. ورغم ذلك، يعلق الفلسطينيون آمالاً بأن يحقق المسار الحالي ما عجزت المسارات السابقة عن إنجازه، وخصوصاً أن ثمة ظروفاً مختلفة هذه المرة، ولعلَّ أهمها محاولة فرض حل لقضية فلسطين وفق الرؤية الأميركية الصهيونية. 

وإضافةً إلى هرولة بعض الدول العربية تجاه التطبيع، عبر تجاوز السلطة الفلسطينية، وعدم اكتراثها بالموقف الفلسطيني، وانفراط عقد الحصانة العربية لقضية فلسطين في جامعة الدول العربية، بعد فشلها في إصدار بيان إدانة لاتفاق السلام الإماراتي والبحريني مع العدو الصهيوني، فإن أخطر ما يتداول بالنّسبة إلى السلطة الفلسطينية هو الرغبة في إزالة القيادة الحالية وفرض قيادة جديدة على الفلسطينيين. 

ثمّة تحدٍ كبير أمام مسار الوحدة الفلسطينيّة يتمثل في الموقف الإسرائيلي وسلوكه الميداني لتعطيل أية حالة من الانسجام في المشهد الفلسطيني، فهو يدرك أنّ أيّ توافق فلسطيني سيكون موجهاً ضدّه، ولديه يقين بأنَّ تفاهمات السلطة الفلسطينيّة وحركة فتح مع حماس وفصائل المقاومة الفلسطينيّة ستعمل على نقل فتح من مربّع مشروع التسوية الفاشل إلى مربّع المقاومة، حتى وإن كانت شعبيّة من دون استخدام السلاح الناري، لا العكس بجرّ حماس والمقاومة إلى مربع التسوية.

الموقف الإسرائيلي الرافض لأي وحدة فلسطينية ليس جديداً، فقد نجح العدو الصهيوني عند توقيع اتفاق أوسلو بأن يقسم الفلسطينيين بين دعاة سلام، أي الفريق الَّذي وقع اتفاق أوسلو، وإرهابيين متمثلين بحماس والحركات الرافضة لمشروع التسوية. وللأسف، شرعن ذلك بالتنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية وأجهزة المخابرات الصهيونية. ومع توحّد المواقف الفلسطينية في رفض تدنيس المسجد الأقصى وانطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وسم الكلّ الفلسطيني بالإرهاب. 

وفي ظلّ حالة الانقسام الفلسطينية بين قطاع غزة والضفة الغربية، بقي الموقف الصهيوني يعمل على قضم قدرة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية والتضييق عليها، رغم كل ما تقدمه من تنسيق أمني وتعاون في ملاحقة المقاومة الفلسطينية، إلا أنه ظلّ يشكّك في شرعيتها وقدرتها على إدارة الأوضاع في قطاع غزة، وواصل تهويد الضفة الغربية وإنشاء كيان موازٍ للسلطة الفلسطينية، عبر الإدارة المدنية الصهيونية ومنسّق أعمال الحكومة الصهيونية في مناطق السلطة. 

كما عمدت "إسرائيل" إلى تصنيف قطاع غزة ككيان معادٍ، لشرعنة الحصار والخناق عليه، وتبرير الاعتداءات المتكررة عليه، بوصف من يديره بكونه منظمة إرهابية. وقد كان الموقف الإسرائيلي الدائم من المصالحة والتوافق الفلسطيني هو مقاربة رئيس حكومة الاحتلال وتصريحاته المتكررة عقب اتفاق 2012 واتفاق 2014: "يتعين على أبو مازن أن يختار بين التحالف مع حماس أو السلام مع إسرائيل. لا يمكن المضي في الاتجاهين معاً".

وفي السياق ذاته، وضعت الحكومة الإسرائيلية مجموعة من الشروط للتعامل مع الحكومة الفلسطينية بعد توقيع اتفاق المصالحة في تشرين الأول/أكتوبر 2017، تتمثل في تفكيك سلاح حماس، ومنع تهريب السلاح، والاعتراف بشروط الرباعية، والاستمرار في ملاحقة المقاومة في الضفة الغربية. واليوم مع سخونة الاتصالات الحمساوية الفتحاوية، تدرك قيادة الأجهزة الأمنية والاستخبارية خطورة أي توافق فلسطيني فلسطيني.

تعي "إسرائيل" أنَّ وقف التنسيق الأمنيّ والتصالح مع حماس يعطيان مساحة لإعادة نشاطها العسكري وبناء البنية التحتية المسلّحة في الضفة الغربية، كما أن اشتعال الانتفاضة الشعبية وفق البرامج المتوافق عليها سيستنزف "الجيش" الصهيوني، ويعطل مسار الاستيطان وتهويد الأراضي. وتخشى "إسرائيل" من تحول أية حالة غضب شعبي في الضفة إلى إعادة لنشاط مسلّحي تنظيم فتح المنتشرين على امتداد المدن الفلسطينية في الضفة. 

لا يمكن إغفال أنّ أيّ توافق تنتج منه انتخابات فلسطينية سيعيد حماس وفصائل المقاومة إلى المشهد السياسي الرسمي، ما يمنحها نوعاً من الشرعية في المحافل الدولية والرسمية. وبناءً عليه، سيعمل العدو على إفشال مسار الوحدة الوطنية، ولعله بدأ بالفعل بذلك، عبر حملة الاعتقالات والاستدعاءات والتهديد بحق كوادر حركة حماس، واتخاذ المزيد من القرارات المتعلقة بمخصَّصات الشهداء والأسرى. 

موقف العدو الصّهيونيّ من أي توافق فلسطيني محتمل معلوم، وسيعمل على تعطيله بكل السبل، لكن المطلوب فلسطينياً هو المضي قدماً ومجابهة العدو، وعدم النظر إلى ما يجري في الانتخابات الأميركية، والتفعيل الفوري للمقاومة الشعبية في الضفة، فالعدوّ لا يتنازل إلا أمام القوّة والانتفاضة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حمزة أبو شنب

محلل وباحث في الشأن الفلسطيني

إقرأ للكاتب

الموقف الإسرائيلي من ضربة عسكرية لإيران

لا بدّ لنا أن نستذكر بأن القيادة السياسية الإسرائيلية كانت على وشك اتخاذ قرارٍ بضرب المنشآت...

الرسائل الإسرائيليّة للإدارة الأميركيّة الجديدة

يدرك جو بايدن أن الموقف الإسرائيلي من الملف النووي الإيراني لا يرتبط بالحكومة الحالية، بل هو...

هل يغيّر جو بايدن خطوات ترامب تجاه "إسرائيل"؟

نظراً لأهمية العلاقة بين العدو الصهيوني والولايات المتحدة، فإن بنيامين نتنياهو يعيش حالة من...

الموساد الصّهيونيّ مهندس التّطبيع العربيّ

سبق أن تفوَّق الموساد على الخارجية الصهيونية في تجنيد العلاقات، وفتح قنوات اتصال جديدة لكيان...

انتفاضة الأقصى بعد عشرين عاماً

النتيجة اليوم بعد 15 عاماً على قمع المقاومة في الضفة: توسع في الاستيطان، ورفض أي تعامل مع السلطة...

مسؤوليّة قوى المقاومة بعد هرولة التّطبيع

واقع العلاقة اليوم بين قوى المقاومة أفضل بمراحل مما كانت عليه في السّابق، إذ تشهد مزيداً من...