قاسم سليماني.. أن تنتزع الحقّ على أيّ أرض تكون

خلف القائد العسكريّ الكبير بيت دافئ، أعدّ له ولملم فتات أيامه بحبّ وطمأنينة. البيت الذي منه يخرح في كلّ مرة، إلى عمليّات الجهاد الكثيرة. من هذا المكان نركن إلى سليماني "الإنسان"، الذي نحتاج معرفته لنفقه سائر الأشياء.

  • قاسم سليماني.. أن تنتزع الحقّ على أيّ أرض تكون
    كان الرجل الظلّ الذي حفر لتضحيات الشهداء نهراً طويلاً تصبّ نهايته في محراب المسجد الأقصى

"فلتلِدْ النساء حتّى يلدنَ مثل مالك (الأشتر)". كيف يصنع قائدٌ عسكريٌّ رغبة جماعيّة بأن يكون في كلّ جيل جديد "مثل مالك"؟ وألا تفقد مشهديّاتهم اليوميّة النموذج المتغلغلة سيرته في مرافق الحياة كلّها، لا في الميدان وحسب. الحديث عن قائد عسكريّ مثل قاسم سليماني، لا يُحفّز فقط على استرجاع إنجازاته في الميدان، ولا حجم الانتصارات العلنيّة التي حققها. والتي ستصير مع الأيّام بنياناً لكل التغيرات التي سيراكمها محور المقاومة. هذه المحطّات على قوّة تأثيرها ليست الصورة الكاملة لسليماني. 

قاسم سليماني الذي صنع من قوّة العسكر ليونة دبلوماسيّة لبلاده، ولكلّ أرض وطئها في درب الجهاد. العمليّات التي صنعها وأعدّ ووجّه لها، السرّية منها والعلنيّة، كلّها كانت تتستّر خلف شخصيّة حذقة وفذّة وعقائديّة وعطوفة أيضاً. الرجل الذي اشتغل على انتزاع الحقّ على أيّ أرضٍ تكون.

‏قاسم سليماني الذي عرفه المقرّبون والبعيدون، الأصدقاء والأعداء، على أنّه رجل الظلّ لكثرة ما حملت سيرته قصصاً ومعلومات أربكت أعداءه حتى صاروا يطاردونه أينما ذهب حتى بعد استشهاده. في وقت كان رجل الظلّ هذا يحفر لتضحيات الشهداء نهراً طويلاً تصبّ نهايته في محراب المسجد الأقصى، الذي جعله هدفاً واضحاً لكل فعلٍ مقاوم خطط له وأنجزه، مردّداً دائماً "لأجل فلسطين أول الجهاد وآخره".

لكنّ مشهدية سليماني ليست وحدها في "الغربة" التي خلّفها استشهاده في ساحات القتال، ولا في القائد "النافذ البصيرة" الذي مات وكتاب الله في جعبته. قرآن عبرت آياته إلى الزناد وفوّهات البنادق ودماء الشهداء. هناك "غربة" أيضاً في مكان آخر، حيث تجلس ابنته زينب على الكنبة، تهزّ برأسها بأسى بالغ، بينما تهمي دموعها الحارقة على خدّيها، هكذا يوحي وجهها المملوء بحزن عميق.

خلف القائد العسكريّ الكبير بيت دافئ، أعدّ له ولملم فتات أيامه بحبّ وطمأنينة. البيت الذي منه يخرح في كلّ مرة، إلى عمليّات الجهاد الكثيرة. من هذا المكان نركن إلى سليماني "الإنسان"، الذي نحتاج معرفته لنفقه سائر الأشياء. من هذا البيت المتواضع يمكنك معرفة كيف يدير سليماني عالمه الخارجي. وكيف يكون الهدف العسكريّ "متواضعاً" أيضاً مهما كان تحقيقه عظيماً وذو أثر في الميدان. الهدف الذي يكون خالصاً لله، أي روحيّة الهدف التي تركن في معنى الآية الكريمة " فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ".

يجلس إبنه على كرسيّ العزاء، عيناه تحدّقان في الفراغ، حيث المشهد الذي كان يمتلئ بالوالد السند العطوف، والد صنع من غربته عن عائلته طوال السنوات الماضية حضوراً أقوى داخل البيت الصغير. عائلة لطالما صبّرت نفسها وشوقها بيقينها بعودته بعد كل الغيبات الطويلة، بأن ربّ البيت سيعود ويشفي بعودته شقاء الانتظار.

لكن هذه المرة ذهب سليماني إلى رحلته الأبديّة، والتي لطالما حلم بأن يكون شكل نهايتها بطريق الشهادة. فكتب لزوجته في وصيّته: "زوجتي أنا حدّدت مكان قبري في مزار شهداء كرمان، ومحمود يعرف، فليكن قبري بسيطاً مثل قبور أصدقائي الشهداء، واكتبوا عليه كلمة الجندي قاسم سليماني، لا أيّ عبارة مميزة أو مختلفة".

معرفة سليماني "العادي" في مفاصل الحياة البعيدة عن الأضواء والميدان والعسكر والقيادة، تعيد فهم تركيبة هذا الرجل الاستثنائي. رجل تغلغل في مجتمعه والمجتمعات التي عاش فيها ودافع عنها، بدا السكون على وجهه دوماً، تواضع فقال إنه "جنديّ لدى أبي مهدي المهندس" في إحدى كلماته، ليردّ الأخير بأنه "فخور بأنه جنديّ لدى قاسم سليماني". روحيّة القائد الذي يعمل للهدف لا للمنصب، روحيّة الأب الذي يترك أثراً نوعياً في الوقت القليل الذي يمضيه بين عائلته، روحيّة رجل الظلّ الذي يحيّر العالم بقوّة تأثيره، حتى وصفته مجلة تايم الأميركية عام 2017 بأنه "أستاذ الحرب الإعلاميّة". روحيّة رجل يعدّ أعداؤه لتداعيات ما بعد موته لمعرفتهم بأن المسيرة ليست قاسم سليماني وحدها، بل ما زرعه قاسم سليماني في المقاتلين الذين خرجوا من تحت يديه.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
غفران مصطفى

كاتبة ومنتجة أخبار في الميادين نت.

إقرأ للكاتب

إيلاريون و"الرفاق".. كيف استحضر المطران حرّاس القدس؟

استحضر "حارس القدس" أو شخصيّة المطران كبوجي شخصيات عربية وعالمية نُشرت صورها في مواقع التواصل...

كيف تصنع المرأة متعة النقاش الذكيّ؟

وسط هذا "الصّخب" الجماعي المشترك، عالمٌ موازٍ تصنعه المرأة، يمكن أن يكون هو المُرغّب ليكون هذا...

حدّثهم يا محمّد وأنت مرفوع كيف رأيت الله

لا موت لأهل غزة، هؤلاء ينبت فيهم المقاتل تلو المقاتل، كلما زفت شهيداً مشت خلفه آلاف الأرواح...

أن تحقق إنجازاتك برفقة إله الأشياء الصغيرة

فلنتخفف من همّ الإنجازات الكبيرة التي نثقل أنفسنا في إحصائها نهاية كل عام، وما استطعنا إتمامه...

البيت أجمل من الطريق إليه

كبرت على فكرة أن كل شيء أكثر مما أستحقّ، وأقل مما أتمنى. جهدت في تعويض فجوة الخسارة بانفصال...