"على رجل ونصف" وعلى عينك يا رادار

وصلت رسالة محور المقاومة، وقرأها ترامب جيداً، وبدأ يُمهِّد إلى العودة العمودية الأقل تكلفةً على إدارته من الأفقية حُكماً.

  • "على رجل ونصف" وعلى عينك يا رادار
    "على رجل ونصف" وعلى عينك يا رادار

الجلّي أنّ الولايات المتحدّة أخفتت نبرتها بعد ضربة "عين الأسد". هذه الضّربة تشكّل سابقةً في تاريخ الصّراع مع وحش الهيمنة هذا. فالتّهويل في الرّد على الرّد، وتغريدة ترامب وأهدافه الثقافية، استحال مدّ اليد نحو إيران من أجل السلام، على اعتبار أنّه لا وجوب للردّ و"أنّ كلّ شيءٍ على ما يُرام". هذا ما فعلته صلية صواريخ باليستية إيرانيّة الصّنع والقرار، بمركز القرار الأميركي.

هذا زمن التحوّل في الثّقل، فـ"إيران بهلوي" التي كانت من مُسلّمات أميركا، أصبحت اليوم تدكّ قواعد الأخيرة بالصواريخ الدقيقة "وعلى عينك يا رادار". والجدير بالذِكر أن الولايات المتحّدة وفي عين الأسد خصوصاً، تنصب راداراً واسع الأفق، يصل مدى جدواه إلى فلسطين المحتلّة، فضلاً عن مرابِض التجسّس الجوّي والتقنيات المُتقدّمة. لكنّ كل ما سبق ذِكره، كان قاصِراً من أن يكشف هطول صواريخ "ذو الفقار" و"قيام" إلى أهدافها المُحدَّدة وبهامش خطئٍ لا يُذكَر. هذه إيران الخُميني، إيران الثّورة التي حطّمت مَفاخِر أميركا في المنطقة، وأرست قواعداً جديدةً للاشتباك والمواجهة، وعين الأسد بدايةٌ لا نهاية.

التشنّج الذي أصاب المنطقة، بعد اغتيال الفريق قاسم سليماني، أدارته إيران بحكمة ودقّة ليست بجديدة على قيادتها. أميركا هذه المرّة لم تمتلك زِمام الأمور، فكانت تنتظر الرّد كمُراقِب، وتعتقد بحتميّته.

ومن المفارقات أن تقف أميركا، القوّة العُظمى في العالم، مُكبَّلة الأيدي تنتظر ردّاً يُدمِّر قواعدها في المنطقة، "وعلى رجِلٍ ونصف" أيضاً.

وإيران كانت واضحةً، بأن ردّها الأوّل لا يعدو كونه صفعةً لا ردّاً كاملاً، كما أوردت أنّ الرد على اغتيال قائد قوة القدس، هو إنهاء التّواجُد الأميركي في غرب آسيا.

هذا ميزان الله، الفرد مقابل الوجود، بحيث أنّ في هذه المعادلة، أرقام المقاومة ثقيلةٌ نسبةً إلى أوزان أعدائها. ففي الميزان، قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، لا يعادلهما ترامب حتّى.

أميركا أُجبرت على احترام هذه المُعادلة وظهر ذلك في فلتات لسانها، بل في إعلامها ووجه رئيسها. شاءت أم أبت، هي قبلت بتدمير قاعدتها كأول ردٍّ على اغتيال قائد من محور المقاومة، حيث لم يجرؤ سابقاً أن يُفكَّر في مسّ سلكٍ شائكٍ من قواعدها في العالم.

بدأ صوت العراق الرسمي والشعبي يعلو في رفض الوجود الأميركي الذي كُرّس كأمرٍ واقع بعد طلب العراق المساعدة الدّولية لدحر "داعش".

لكن، بعد الصفعة بدا وكأنّ الجانب الأميركي مستعدٌّ للانسحاب عامودياً من العراق، بحيث أورد ترامب بصراحته أنّه لم يعد بحاجةٍ إلى نفط العراق. لم يذكر نفط شمال سوريا، الذي يزعم أنّه يحميه من يد الإرهاب، فيستولي عليه. إذاً، وصلت رسالة محور المقاومة، وقرأها ترامب جيداً، وبدأ يُمهِّد إلى العودة العاموديّة الأقلّ تكلفةً على إدارته من الأفقية حُكماً.

لكنّ، هل أميركا كيسنجر وكوشنر وجورج بوش الأب والإبن، وأميركا ترامب تحديداً، ستترك العراق أو الشرق الأوسط من دون أثر؟ أو من دون ضريبة على القيمة المزالة؟

الجواب التلقائي حتماً لا. هذه أميركا، لا شيء من دون مقابل. والتحليل يفضي إلى أن أميركا ستخلّف وراءها ما أعلنت أنها قدِمت من أجله، وهو الإرهاب. وفي المدى المنظور ستخلّف الطائفية. واليوم بدأ العمل على المكاسب، وتمديد فترة التواجُد على الأراضي العراقية. هذا العمل ظهر في تقليب المواقف العراقية الداخلية في شأن الوجود الأميركي، واللعب بكرة الشّارع الذي أبرز الشعب العراقي وعيه حيالها.

لم ولن تكتفي أميركا في محاولة العَبَث واللعب على التناقُضات داخل الجمهورية الإسلامية في إيران، من اغتيال العُلماء إلى المحاولة الفاشلة لاغتيال سليماني في عقر داره سابقاً، ومحاولة استثمار كل حَدَث لدَحْرَجة أدواتها في الشارع الإيراني كاستثمار قصف الطائرة الأوكرانية عن طريق الخطأ، فضلاً عن العقوبات الاقتصادية الرامية إلى خَنْقِ الشعب الإيراني وقلب الرأي العام ضد القيادة. هذه المحاولات ترافقها إعلاناتٌ صريحةٌ من الرّئيس الأميركي ووزارة الخارجية الأميركية بأن أميركا تودّ تعديل سلوك إيران، أي تطويعها وترويضها بمُصطلحاتٍ أصدق.

الشعب الإيراني قال كلمته، وبصورةٍ مهيبةٍ في تشييع الفريق سليماني وأبي مهدي المهندس ورفاقهما الشهداء. هذا الشّعب صرخ من صميم قلبٍ ثائرٍ وضميرٍ حيٍّ، صرخ بالثّأر والموت لأميركا، بدا المشهد قاسياً على الإدارة الأميركية، التي جهدت للعكس وضربت سليماني فأتاها ردّ بالوحدة والمزيد من التمسّك بالقيادة الإيرانية والكثير من العداء لأميركا.

لم تكن الإدارة الأميركية تنتظر مشهداً كهذا، خصوصاً وأنّ ترامب على شفير المُساءلة والعَزْل، وإن كانت شكليّات أميركية مُزمِنة. مع العِلم أنّه ليست من أولويات النّاخِب الأميركي السياسة الخارجيّة بقدر ما يهمّه اقتصاده وحُسن سير حياته داخليّاً. إلّا أن إغتيال سليماني تلقّاه الشارع الأميركي كتهديدٍ للأمن القومي الأميركي، وعلى أنّه محاولة لجلب حرب بالغنى عنها مع إيران القويّة اليوم.

هذا الأمر سيتلقّفه منافسو ترامب للرئاسة كفرصةٍ للانقضاض عليه، فهو مادّةٌ دسِمةٌ في المُناظرات ومُقاربة تاريخ الرّؤساء الأميركيين وسياساتهم الخارجيّة وإلى ماذا أفضت. والشّرق الأوسط على موعدٍ عاجلٍ أم آجل مع خروجٍ عاموديٍّ للقوّات الأميركية بدءً من العراق، بعد المحاولات الدبلوماسية، وإن لم ينفع، فآخر الدّواء "الكَيْ"، والخروج الأفقي هو الملجأ، ثأراً للشهداء وإعلاءٍ لصوت المقاومة المُنتصِر في المنطقة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن مروة

طالب علوم سياسية

إقرأ للكاتب

أميركا.. دولة الانحياز المطلق

ترى أميركا ضرورة لوجود "إسرائيل" وسط العالم العربي والشرق الأوسط عموماً، كقفّازات في مشاريع...