المهام الخمس في مواجهة قرار الضمّ والمشاريع الصهيونيّة

من الواضح أنّ هذا هو المنعطف الأخطر حالياً، وعلى الفلسطينيين البحث عن بديهيات الحلّ، وإعادة الصراع إلى جوهره التاريخي، حيث أعادتنا الحركة الصهيونية إلى بدايات الصراع وجوهره.. هنا خمس خطوات يتعيّن على الفلسطينيين القيام بها.

  • اختلفت المسألة اليوم، فأصبح الاختلاف في الرأي والفكر صراعاً وحرباً في مستواها الأعلى
    اختلفت المسألة اليوم، فأصبح الاختلاف في الرأي والفكر صراعاً وحرباً في مستواها الأعلى

1-  إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الفصائلية 

يمثّل إنهاء الانقسام مهمّة أساسيّة وأولى في مواجهة مشاريع الاحتلال والمؤامرات الإمبرياليّة والرجعية. لم تكن الخلافات بتلك الحدة. والمفارقة أنَّ فلسطين تضمّ أقطاباً متعددة على امتداد تاريخها، تبلورت بين الشيوعيين والقوميين والبرجوازيين، وثم ظهور الحركات الإسلامية. 

وربما، رغم كل تلك الاختلافات الإيديولوجية، كان الجميع متفقين على جوهر الصراع مع العدو الصهيوني والاحتلال. وخير مثال في هذا الطرح هو تحالف الحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب لاحقاً) مع حزب البعث العربي الاشتراكي في إسقاط الأحلاف الرجعية (حلف بغداد).

اختلفت المسألة اليوم، فأصبح الاختلاف في الرأي والفكر صراعاً وحرباً في مستواها الأعلى، وشتائم وتبادل اتهامات في مستواه الأدنى، وخصوصاً أننا شهدنا هذا التطور في العمل السياسي، ونذكر عهد الانشقاقات والنكبة الثالثة انقسام 2007، والتي مثّلت بداية صعود التصعيد وإفساح المجال أمام السياسات الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية.

دعونا نطرح السؤال التالي: لماذا يستمر الانقسام حتى اللحظة؟ 

علينا قراءة ماهية التناقض الذي يعيشه الشعب الفلسطيني: هل هو تناقض وصراع مع الحزب أو الحركة أو الجبهة، كما يريده المنقسمون، أو صراع مع الاحتلال؟ وبذلك، ينبغي لجهودنا أن تنصبّ على خيار المواجهة معه، والخروج من الانقسام وتأويلاته ومخرجاته، لكونه أوسع من أن يكون فلسطينياً - فلسطينياً، بل إن هذا الانقسام مغمس بوحل الصهيونية، والإصرار عليه هو أقرب نقطة إلى الخيانة، بغض النظر عمن كان يصرّ عليه وصفته ونهجه، لأننا ننظر إلى الانقسام بوظيفته التي تخدم الاحتلال الصهيوني، وهي فعلياً الممهّد لـ"صفقة القرن" وورشة المنامة وتهويد القدس ومشروع الضم... أي أن الانقسام أصل الشرور، وأن مُغذّي الانقسام شياطين.

2-منظَّمة التحرير الفلسطينية والسّلطة وإعادة الاعتبار إلى المنظّمة

تمثل المنظّمة والسلطة وضرورة التفريق بينهما المهمة الثانية، إذ إن المنظمة لم تنشأ، كما يعتقد البعض، نتيجة مؤتمر أو قرار سياسي، بل اكتسبت أحقيتها بالتمثيل وتأسيس هذا الكيان نتيجة تضحيات جسام. وبذلك، يفهم الشعب الفلسطيني جيداً أنها الممثل الشرعي والوحيد، والكيان السياسي الأوسع من الكيان الجغرافي المتعذر وجوده في ظل الاحتلال.

وبذلك، ليست منظمة التحرير جبهة عريضة أو تجمعاً لفصائل أو مجلس مشاورات، بل أخذت دورها وأساس وجودها باعتبارها المعبّر عن الشعب الفلسطيني، وبالتالي يجب إعادة الاعتبار إلى المنظمة التي فقدت جزءاً من كيانها بوجود السلطة، وحصر قيادة نضال الشعب الفلسطيني بها، لإنجاز مهمة التحرر، وهذا جزء من المهام المركزية.

وفي الحديث عن السّلطة الفلسطينية، فإنّ الاتفاقيات والمفاهيم التي بُنيت عليها السلطة لم تكن صحيحة، وخصوصاً أننا في مرحلة تحرر. وبذلك، إن عملية الانتقال من الاحتلال إلى الاستقلال، لا تتمّ من خلال السّلطة التي فرض وجودها العديد من القيود على شعبنا. 

إضافةً إلى ذلك، هل يمكن أن تكون لدينا سلطة في ظل الاحتلال، غير متكاملة وغير مستقلة، وتُعنى حالياً بجزء من القضايا المعيشة؟ يقول الواقع إن علينا الابتعاد عن وهم السلطة وتغليب دور منظمة التحرير عليها.

3-الشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية في المواجهة

إن إعادة الثقة بين الشعب وقيادته مهمة ضرورية ومحورية، وهي المهمة الثالثة، وهناك علاقة تبادلية وجدلية بين القيادة الفلسطينية بشكلها الحالي والشعب الفلسطيني. وربما تتمحور هذه العلاقة حول عدم الثقة بالآخر.

لا زالت القيادة الفلسطينية تراهن على المؤسّسات الدولية وضغط الدول وتراجع متّخذي القرار في الكيان الصهيوني عن مشروع الضمّ، برِهان القيادة الفلسطينية الرسمية على اليسار الصهيوني، في حين أنَّ ما يُراهَن عليه من قبل القيادة الفلسطينية مجرّب سابقاً، ولا ينتج منه ردع، بل ينتج منه اعتماد القيادة الفلسطينية على المساومات التي تضعف أيّ تحرك فعليّ على الأرض، وبذلك تفتقد القيادة الفلسطينية الرهان على الشعب الفلسطيني، بصفته المتضرر الأول من تلك المشاريع والمدافع الأول عن الأرض.

بدوره، لم يعد الشّعب الفلسطينيّ ينظر إلى القيادة الفلسطينية كشكل يلبّي طموحه السياسي والوطني، وخصوصاً أن هناك قضايا عديدة لم يحدث فيها تقدم، كاللاجئين والقدس وحصار غزة وبناء الدولة. وبذلك، نشاهد عمليات بطولية فردية بشكل غير منظم وبقرار فردي.

هذه العمليات، لو تأطّرت بشكل صحيح ضمن عملية التحرر، لكان أثرها أطول، ولكان ممتداً ومستمراً، والهدف الكفاحي المنظم منوط بالفصائل الفلسطينية، وأخذ دورها الحقيقي الذي أُنشئت من أجله، وهو التحرير، والتحول من شكل الفرد البطل إلى الشعب البطل.

وهنا تكمن آلية إعادة الثقة بين القيادة والشعب، عبر استنهاض المهام النضالية، وإضافة بند إلى الكفاح المسلح أو المقاومة الشعبية على رأس جدول أعمال اجتماعات المكتب السياسيّ واللجنة المركزية في أيّ حزب أو حركة أو جبهة.

4- الجبهة الاجتماعية

لا تنفصل الحقوق المدنية والنضال الاجتماعي والديموقراطية عن النضال الوطني. من خلال ذلك، يمكن تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وبناء اقتصاد وطني مقاوم في مرحلة المواجهة أو الانتفاضة، إضافة إلى أن من الضروري للسلطتين عدم انتهاك الحريات، إذ لا يُعقل أن يكون انتهاك للحريات، وتراجع في مستوى الديموقراطية، وانكفاء في كل مكونات العدالة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه، نطوّر عملية إدارة الصراع مع الاحتلال. وبذلك نؤكد ضمان الحقوق المدنية والاجتماعية.

5 - محاربة التطبيع

وهي مهمة خامسة ذات أهمية في الصراع مع الاحتلال ومواجهة أدواته، إذ إن التطبيع تطور بشكل متوالية هندسية خلال هذه الفترة، وأصبح ظاهراً بشكل مستفزّ، حيث إنه لم يعد يقتصر على دول السياسة الخانعة ودهاليزها فقط، بل أصبح يضم أيضاً الأشخاص والقنوات والمؤسسات والأحزاب وغيرها، فقد رأينا المسلسلات والشخصيات الرسمية وغير الرسمية والاستضافات الرياضية والفنية والثقافية والتكنولوجية والعلمية والمهنية وغيرها.

وتكمن خطورة التطبيع في وجهين، أولاً: إزالة الحواجز النفسية بين الاحتلال والشعب العربي، ثانياً: تشويه القضية الفلسطينية وشيطنة الفلسطينيّ وضرب روايته.

ومن المهم هنا أن لا نوجّه الاتهامات إلى الشعوب العربية، وخصوصاً في الدول المطبّعة، إذ إننا نعوّل عليها أكثر من قبل في تغيير مسار الخنوع والذلّ والخيانة إلى المسار الطبيعيّ في دعم القضية الفلسطينية، ويجب أن تدرك الشعوب مأساتها بما تفعله حكومات التطبيع، فهل يعقل قيام المطبّع بخدمة أميركا والدفع لها والتنازل سياسياً من دون أدنى مقابل؟ 

وبذلك، من المهم إجراء مراجعة موضوعية وطنية قومية من قبل الشعوب لقياداتها، وتوجيه تهم الخيانة العظمى إليهم.

ختاماً، من الواضح أنّ هذا هو المنعطف الأخطر حالياً، ومهمة "إسرائيل" وأميركا تصفية القضية وحقّها في تقرير المصير وعودة اللاجئين وبناء الدولة الفلسطينية. وعلى الفلسطينيين البحث عن بديهيات الحلّ، وإعادة الصراع إلى جوهره التاريخي، حيث إن الحركة الصهيونية برفضها إنهاء الاحتلال وعودة اللاجئين ووقف الاستيطان ورفع الحصار، أعادتنا إلى بدايات الصراع وجوهره، فيما هي، وبعد أكثر 27 عاماً على أوسلو، توسّعت وتوغلت أكثر، ونحن وضعنا في مأزق حقيقي، استطاع فيه الصهيوني جعل الفلسطينيين مجموعات لها هموم محددة (الضفة المقسمة فعلياً: تنشغل في مهمة بناء الدولة، غزة: في حصارها، الشتات: في عودته، القدس: في تهويدها، الأراضي المحتلة العام 1948: في صراع التمييز العنصري والحقوق المدنية). إن هذا التقسيم وتبنّيه يشوه نضالنا.

لذا، على حركة التحرر توحيد الجهود، وإغناء الشعب الفلسطيني في جوانب قضيته كافة، وتبنّي تلك القضايا مجتمعة من دون تمييز واحدة عن الأخرى، واستنهاض الكفاح الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، وبحسب إمكانية كل مكان في مواجهة الاحتلال، وإقصاء المفاوضات، ومقاومة الصالونات، وانتهاج المقاومة الحقيقية التي تجعل العدو غير آمن في أي نقطة وغير مرتاح في كلّ وقت.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
وليد الهرش

سكرتير شبيبة حزب الشعب الفلسطيني