لكي نفهم بوتين يجب أن نحبّ روسيا

ورث فلاديمير بوتين في العام 1999 الإرث المُشبع بتاريخ القياصرة، من إيفان إلى كاتيرينا وبطرس الكبير، إضافة إلى التوازنات والانتصارات والتراجع الدولي بعد الحقبة السوفياتية.

  • لكي نفهم بوتين يجب أن نحبّ روسيا
    لكي نفهم بوتين يجب أن نحبّ روسيا

بَلَغَ قِصَر البصر السياسي للكتلة الغربية مستوى العدوان الكلامي الممارَس ضد روسيا. ورغم كلّ التحولات السّريعة التي كابدتها هذه الإمبراطورية السابقة، فهي لا تزال تُعتبر خطراً يُهدّد رفاهية الغرب وهدوءه.

بعد أكثر من قرن من الزمن، منذ معاهدة "استيفانو" في العام 1878 بين روسيا والإمبراطورية العثمانية، مرّت روسيا بِحربين عالميتين، وبتجربة "الاتحاد السوفياتي" والحرب الباردة، حتى تلاشي هذا الاتحاد وعودة روسيا مجدداً، فعندما تم إنزال العلم السوفياتي في أواخر كانون الأول/ديسمبر 1991، سقطت معه روسيا في نظرِ العديد من الروس قبل الغرب إلى منزلة دولةٍ قوميةٍ عادية.

كان الروس مُشتتين ويُباعون مع الأرض، حتى وحَّدهم إيفان الرابع الرهيب (1530 - 1584)، ثم صُدِّرت إلى البلاد في القرن الثامن عشر أعمق الاضطرابات الفكرية في أوروبا. وقبل ذلك، أبدى القيصر بطرس الكبير (1694 - 1725) رغبة في تجديد روسيا.

ومن باب التوسع السياسي، اعتَمَدت روسيا على التدخّل في الشؤون الدينية للدول، وطَرحَت نفسها كَمدافعٍ عن طوائف الأرثوذكس، ومنها الموجودة في العالم العربي، فظهرت كمُدافع عن القوميات، وخصوصاً أورثوذكس المناطق العربية، فكانت فرنسا تدافع عن الكاثوليك في السلطنة العثمانية، وتدخّلت روسيا للدفاع عن الأرثوذكس، وأتت بعدها الولايات المتحدة الأميركية لتَتغلغل عن طريق التبشير المسيحي ذي الصبغة البروتستانتية.

كانت روسيا ضعيفةً إلى درجة أنه في أواخر العام 1994، قام رئيس أميركا بيل كلينتون بطمأنة رئيسها بوريس يلتسين بالتعهد علناً "بثلاث لاءات": لا للمفاجآت، ولا للعجلة، ولا لاستبعاد روسيا، لكنه في الحقيقة كان يعمل عكس ذلك.

وقد أدّى انهيار القوة العظمى السوفياتية، وعدم التوازن الروسي الذي تَبِع ذلك، إلى نشوء الظروف المؤاتية لِوقف سباق التسلح بين الولايات المتحدة وروسيا. وحدث تقدم حقيقي في دَعمِ أميركا لروسيا، فموّل برنامج "نون - لوغار" (NUNN - LOGAR)  توحيد الترسانات النووية السوفياتية ضمن الأراضي الروسية. وقد بدأ هذا البرنامج في العام 1993 واكتمل في العام 1996، وبذلك تم تجنب بروز أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان كقوى نووية على الفور.

كانت القوة الأميركية مسيطرةً على العالم، ولا تترك مجالاً لروسيا التي كانت ما تزال غارقةً في مشاكلها الداخلية. مثلاً، لم تهتم أميركا مطلقاً بوجود روسيا. وقد أَبلغ نائب الرئيس الأميركي آل غور - من باب فض العتب - رئيس وزراء روسيا يفغيني بريماكوف، الذي كان في الطائرة للذهاب لمقابلته، بتاريخ 23 شباط/فبراير 1999 في أميركا، بأن هجمات الناتو على يوغسلافيا أصبحت وشيكة، فما كان إلا أن أمَرَ طائرته بالعودة إلى موسكو، وذلك حفظاً لماء الوجه، واحتجاجاً على تهميش روسيا.

ورث فلاديمير بوتين في العام 1999 هذا الإرث المُشبع بتاريخ القياصرة، من إيفان إلى كاتيرينا وبطرس الكبير، والتوازنات والانتصارات والتراجع الدولي بعد الحقبة السوفياتية، وبقي يتابع المشاكل الداخلية لبلاده حتى مؤتمر قمة الثمانية التي انعقدت في العام 2006 في بطرسبورغ، حيث بدأ قبلها بزمنٍ بتثبيت روسيا على الساحة الدولية، لكن أثناء تناول العشاء، تحدّى معظم القادة المشاركين الرئيس بوتين في ما يتعلق بِسجلّهِ الديموقراطي، إلا أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك كان له رأي آخر ومخالف لأميركا، إذ أعلن أمام الجميع أن "ما يفعله بوتين هو أمر جيد لروسيا، ولا يحقُّ لنا التدخل في كيفية إدارته للأمور هناك".

كان بوتين شخصاً فخوراً بنفسه ومحباً لبلده. أراد أن تُصبح روسيا ذات نفوذ قوي مرة أخرى، وهو شيء لم تُرحِّب به أميركا بالتأكيد. وقد حاولت وضع العراقيل أمامه، وذلك عن طريق خلق مشاكل داخلية له أو جرّه إلى نزاعاتٍ تحت مسمّيات شتّى، ومنها الإرهاب.

اعتقد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن أنّ بوتين سيكون قلقاً من محاصرة روسيا اقتصادياً أو من خلال تحالفات عسكرية، ولكنه عَرف أنه أكثر قلقاً من مشكلة الإرهاب في جواره، فقد أخذت روسيا ترى في جيرانها المسلمين مصدراً محتملاً لتهديد سياسي وديموغرافي متفجر، كما أن النخبة السياسية الروسية صارت تتأثر بشكل متزايد بالمغريات العرقية والدينية المعادية للإسلام.

وفي هذه الظروف، وَجَد الكرملين في أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 فرصة لجرِّ أميركا إلى الدخول في حرب باسم "الحرب على الإرهاب"، مع العلم بأن بوتين كان الزعيم الأجنبي الأول الذي اتصل بالبيت الأبيض يوم 11 أيلول/سبتمبر، ولم يَستطع الاتصال بطائرة البيت الأبيض.

 لذلك، تكلَّمت معه مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس من مركز عمليات الطوارئ الرئاسي (PEOC)، وأكد لها أن روسيا لن تزيد استعدادها العسكري، ردّاً على تحرك أميركا على مستوى الوضع الدفاعي 3 "ديفكون ثري"، وهو نوع من حُسن النية.

تابع بوتين بناء روسيا داخلياً ودولياً، وكان يعلم أن الغرب يسعى للاستفادة من الإرهاب للقضاء على مصالح روسيا في المنطقة، أو حتى إدخال روسيا في مشكلات أمنية.

كانت الاستراتيجية الروسية مبنية على التدخل في أي عمل يَفشل فيه الغرب، من أجل إظهار قدرتها للعالم، وكانت تَفهم تماماً أن العالم يحاول تشتيتها وشرذمتها، لأنهم يخافون من سيطرتها على العالم، وفق نظرية الجغرافي البريطاني هالفورد ماكندر (Halford Mackinder) التي تقول: إن الذي يريد السيطرة على العالم، عليه السيطرة على مركز العالم "سنتر لاند". وكانت النظرية ترى أن مركز العالم هو جبال الأورال الواقعة في روسيا وشمال قازاخستان، وتمتد نحو 2400 كم من الشمال إلى الجنوب بين أوروبا وآسيا. لذلك، كان الجميع يخافون روسيا أولاً، وأصبحوا يخافون بوتين ثانياً، لأنه مدافع شرس عن قوة روسيا.

نجح العالم الغربي في إسقاط حكومات ودول، من خلال اتهامها بالإرهاب. وعندما وَصل إلى سوريا التي يعرف بوتين أنها "الحصن الأخير" له في مياه المتوسط، وأنها العائق أمام زحف التطرف الإسلامي إلى بلاده، تدخَّل في الأزمة السورية بشكل واضح، حتى أوصلت روسيا إلى إعلام القوى العالمية الأخرى بأن الدخول في حرب للإطاحة بالنظام السياسي في سوريا، بقيادة الرئيس بشار الأسد، يتطلّب أولاً مواجهة روسيا بشكل مباشر، لعلمها بأن هناك تخطيطاً لضرب روسيا، عن طريق خنقِها بواسطة الإرهاب، فجاءت تسعى إلى مواجهة هذا المخطط، من خلال الدخول في صراع مباشر مع الإرهاب في سوريا.

يحتاج الغرب إلى روسيا قبيحة، همجية لكي يمدِّنوها بطريقتهم الخاصة، مهدَّدة بأبعادها الضخمة لكي يُجزِّئوها، غازية لكي يُنظِّموا حلفاً ضدها، رجعية متفسخة دينياً لكي يغزوها بالدعاية للإصلاح الديني، ضعيفة اقتصادياً لكي يُبرِّروا أطماعهم في أراضيها غير المُستثمرة، وفي خاماتها، أو على الأقل في عقدِ صفقاتٍ تجاريةٍ، وأخذِ امتيازاتٍ مربحة لهم، وهذا كله فهمه بوتين.

يقول جورج بوش الابن: إن فلاديمير بوتين كان مغروراً في بعض الأحيان، وساحراً في أوقات أخرى، إلا أنه كان صارماً دوماً.

لذلك، يجب أيضاً أن نُحب بوتين، لكي نفهم مواقفه في الداخل الروسي والوسط الدولي، وهو تماهى مع روسيا، فكان بوتين هو روسيا، وعلينا أن نحبهم لكي نفهمهم.

وكما قال الجنرال ديغول: "فرنسا هي أنا"، فيجب أن نفهم أن روسيا هي بوتين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
باسل قس نصر الله

مستشار مفتي سوريا

إقرأ للكاتب

تخرّجنا رغم التطرّفّ!

مسلمون ومسيحيون، شبان وشابات، بحجابٍ أو من دونه، تجمعهم العفوية والمحبة التي علّمتهم إياها سوريا.

المسيحيون إلى بيروت!

أعتذر لأنّني استخدمت معك كلمة "أنت". أما مع المسلمين الحقيقيين، أبناء سوريا، فقد اعتدنا أن...

ذكرياتٌ وهجرة

قد لا تكون سوريا أجمل البلدان، ولكنها "سوريتي"، وأنا أعشقها.

الإسلام والتكفير الدينيّ

يجب أن نصل إلى نتيجة مفادها أن أي فشل في التصدّي للجيل الجديد من المتشددين التكفيريين، سيؤول إلى...

لكم دينكم وللشامِ إسلامها

هذا هو الإسلام الذي أعرفه، وهؤلاء هم المسلمون الذين جاورتهم سَكَناً وزاملتهم دِراسةً وصادقتهم في...

لن أطيل عليكم.. هذا ما سمعته شخصياً من المطران كبوجي

سأنقل لكم بعضاً مما قاله سيادة المطران كبوجي بعدما اشترط عدم إحراجه وتجنيبه الدعوة للكلام.