لا فرق بين الفيل والحمار.. ترامب لا يشكّل سابقة في "الضم"

قوبل فوز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية في العام 2008 بتطلّعات إيجابية من القيادة الفلسطينيَّة وتوقّعات بتغييرات جوهرية في الملفّ الفلسطيني.

  • لقد تخلَّت الولايات المتحدة عن الفلسطينيين مرات عديدة
    لقد تخلَّت الولايات المتحدة عن الفلسطينيين مرات عديدة

على الرغم من عدم إعلان رئيس الحكومة الإسرائيليّة، بنيامين نتنياهو، في الأول من شهر تموز/يوليو، تنفيذ مشروع الضمّ، كما وعد في حملته الانتخابية، إلا أن تأخير الإعلان لن يثني من عزم "إسرائيل" على المضي قدماً في سياستها الاستعمارية الاستيطانية المدعومة من واشنطن.

وبينما لم يحقّق ما يقارب 3 عقود من مفاوضات القيادة الفلسطينية مع الإدارة الأميركية إلا التنازلات، الواحدة تلو الأخرى، يبدو أنّ القيادة الفلسطينيّة لم تستخلص الدروس من خيبات مفاوضاتها السابقة مع الإدارات الأميركيّة المتعاقبة، فما زالت ترى في واشنطن جهة قادرة على إعمال الحقوق الفلسطينيّة وتحقيق تطلّعات الفلسطينيين في السّيادة.

في حوار أجراه مؤخراً مركز "كارنيغي" للشرق الأوسط مع رئيس وزراء السلطة الفلسطينية، محمد أشتية، عوّل الأخير على فوز المرشح الديموقراطي جو بايدن في الانتخابات الأميركية المقبلة في التراجع عن "رؤية ترامب" للسلام، على الرغم من تحيّز بايدن صراحة لـ"إسرائيل"، ودعوته في أكثر من مناسبة إلى حماية مصالحها في الشرق الأوسط على حساب الحقوق الفلسطينية. 

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فتحت القيادة الفلسطينية قنوات اتصال مع الإدارة الأميركية، إلا أنّ توجّهات السياسة الخارجية الأميركية بجناحي حزبيها، الديموقراطي والجمهوري، تجاه القضية الفلسطينية، لطالما سلكت على الدوام نهجاً سياسياً غير عادل تجاه الفلسطينيين، بل اعتمدت سياسة خارجية منحازة انحيازاً قاطعاً إلى "إسرائيل"، فجُل المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة الأميركية بين الطرفين دعت إلى مزيــد مــن التنــازلات الفلســطينية، مع تجاهل تام لحقــوقهم التاريخيــة التي تقرها الشرعية الدولية، ورأت في المستوطنات "وقائع علــى الأرض" لا يجب تجاهلها. 

منذ احتلالها أراضي الضفة الغربية في العام 1967، أقامت "إسرائيل" نحو 240 مستوطنة وبؤرة استيطانية على أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية. وحتى بعد توقيع ياسر عرفات في العام 1993 اتفاقية أوسلو برعاية أميركية، وبحضور الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، كانت المستوطنات الإسرائيلية تتمدّد وتتوسّع. وفي محاولة لإرضاء الوسطاء الأميركيين، تفاوض عرفات مع إدارة كلينتون على تنازلات، آملاً في إعلان دولة مستقلة لم تأتِ إطلاقاً حتى اليوم. 

ساعد انتخاب جورج بوش في العام 2004 في تشكيل سابقة لإعلان "رؤية ترامب" للسلام، إذ دعم في رسالة وجَّهها إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الموقف الإسرائيلي الرافض لحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وأيَّد ضمّ الكتل الاستيطانية الرئيسية. وفي الوقت نفسه، ادَّعى أنَّ الولايات المتحدة تدعم إنشاء دولة فلسطينية مستقلّة.

قوبل فوز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية في العام 2008 بتطلّعات إيجابية من القيادة الفلسطينيَّة وتوقّعات بتغييرات جوهرية في الملفّ الفلسطيني، إلا أنّ سياساته ورؤيته تجاه الصّراع الفلسطيني- الإسرائيليّ كانت متّسقة مع تلك التي انتهجها أسلافه، إذ ركَّزت سياسات إدارته في عملية السلام الفلسطينية- الإسرائيلية على الخطابات بدلاً من الإنجازات.

ففي الخطاب الذي ألقاه في القاهرة، ادَّعى أوباما أنّ "وضع الفلسطينيين لا يُطاق، ولن تدير أميركا ظهرها إلى التطلعات المشروعة للفلسطينيين، ألا وهي تطلّعات الكرامة ووجود الفرص ودولة خاصّة بهم"، ولكن على الرغم من هذا التعهّد، قوّضت سياساته من تلك التطلّعات، وضغطت على قيادة السلطة الفلسطينية للتخلّي عن "تقرير غولدستون" الذي توصَّل إلى أدلّة على ارتكاب "إسرائيل" جرائم حرب في عدوانها على غزة في العام 2008، مقابل إعادة إحياء مسار المفاوضات. رضخت السلطة الفلسطينية، وسُحب التقرير من أروقة الأمم المتحدة. ورغم ذلك، استمرَّت "إسرائيل" في بناء المستوطنات. 

مع تولّي ترامب الحكم، تخلَّت إدارته عن أيّ ذريعة للوساطة أو التفاوض على أسس الشرعية الدولية. وفي شهر كانون الثاني/ديسمبر 2017، اعترف بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل" ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. وبعد ذلك بعام، قطع مساعدته عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). 

وفي العام نفسه، توقَّفت وزارة الخارجية الأميركية عن الإشارة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية على أنها "مناطق محتلة". ومنحت "رؤية للسلام" في الشرق الأوسط، التي كُشف النقاب عنها في أواخر العام الماضي، سيطرة إسرائيلية على ما يقارب 30% من الأراضي الفلسطينية، وسيادة على المستوطنات وغور الأردن، وشرعية لتكريس الضم كحقائق على الأرض لا يمكن تجاهلها. 

بالتوازي مع موجة الضم، يواصل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ووزراؤه ومستشاروه في رام الله إصدار بياناتهم التنديدية الفارغة التي تدَّعي التحلّل من اتفاق أوسلو وإلغاء التنسيق الأمني رداً على الضم.

ورغم ذلك، لم تغلق أيّ من وزارات السّلطة الفلسطينيّة، ولم يستقل أي وزير، ولم يتم إطلاق سراح السجناء من السجون الأمنية الفلسطينية، ولم تقدم القيادة الفلسطينيّة لشعبها استراتيجيتها لما بعد التحلل من إطار أوسلو، أو الخطوات التي ستتخذها، بل لجأت إلى الرد على مخطّط الضم في مهرجان مركزي في أريحا، عوَّلت فيه على الحضور الدولي، معلّقة آمالها مجدداً على تراجع الإدارة الأميركية المنتخبة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم عن قرارات ترامب.
بيّنت رؤية ترامب فشل القيادة الفلسطينية مجدداً في رهاناتها، كما خسرت رهاناتها السابقة على إدارة كلينتون وبوش وأوباما. إن ضم الضفة الغربية هو ركيزة أساسية لـ"رؤية ترامب" للسلام، التي تسعى إلى ضمان بقاء الفلسطينيين مشتتين ومقسومين، وتديم أدوات السيطرة والحرمان التي تُمعن أكثر في إنكار حقوقهم المشروعة.

إنّ الثّمن الذي يدفعه الفلسطينيون اللاجئون في المخيمات وخارجها في الشتات، وتحت الاحتلال والحصار، هو نتيجة لفشل قيادتهم، والتهديدات التي تصدر عن السلطة الفلسطينية ما هي إلا تهديدات فارغة من الفعل الحقيقي على الأرض. 

لقد تخلَّت الولايات المتحدة الأميركيّة عن الفلسطينيين مرات عديدة، على الرغم من الوعود المتكررة بتحقيق الدولة المستقلة. وفوز جو بايدن، الّذي تولّى سابقاً منصب نائب الرئيس الأميركي باراك أوباما، في الانتخابات، لن يقيم للفلسطينيين دولتهم المنشودة، ولن يوقف الضمّ الإسرائيلي للأراض الفلسطينية المحتلة، ولو أجَّل نتنياهو موعد إعلانه الرسمي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
دلال ياسين

محللة سياسية وباحثة في الشأن الفلسطيني وحقوق اللاجئين