ضعوا أنفسكم تحت المجهر واستعدّوا للعلاج

هل تسمّون هذه الأسطر جلداً للذات؟ نعم، نحن بحاجة إلى "الجلد" و"الرجم" و"الصلب"، لعلنا نستفيق.

  • أثناء إسعاف جرحى الإنفجار الذي وقع في مرفأ بيروت (أ ف ب).
    أثناء إسعاف جرحى الإنفجار الذي وقع في مرفأ بيروت (أ ف ب).

سواء كان تفجير مرفأ بيروت بفعل الطبيعة العربية "الفاشلة" و"المتهالكة" و"الفاسدة"، أو بفعل العدو الإسرائيلي الغاصب والمحتل والعنصري والقاتل، فالعاملان يصبّان في النهاية جمراً في قلب المواطن اللبناني أولاً، والعربي ثانياً.

إن كنّا نتحدَّث عن الفساد، فجميع الدول العربية تقيحُ فساداً إلى درجة القيء، وتقتل المواطن العربي، ثم تمشي في جنازته. هذا الفساد استوطن خلايانا، حتى أمسى يورث مع الجينات، ويظلم الكفاءات ويحطّمها، إذا ما تطلَّعت إلى وضع "بحصة" في وطنها، ويركلها إلى الخارج، فتغترب وتبدع وتضع "الحجر الأساس" و"البنية التحتية" في وطن الغريب.

إنَّ الكارثة التي رأيناها في مرفأ بيروت تحدث بشكل يوميّ على مستويات فردية، منقّبةً في جميع المؤسّسات والمستشفيات والجامعات، وعلى الشاشات الفضائيّة التي تبثّ الكراهية والحقد والتفرقة والطائفية والتخلّف للشّباب العربيّ الذي لم يعد يحلم بالغد، ولم يعد المستقبل طموحاً بالنسبة إليه، بل بات مصيراً مجهولاً مليئاً بالخوف والسواد والموت. 

نعم، زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بيروت، وكأنّها "مقاطعة" أو "ضاحية" من ضواحي فرنسا، هل خدش الحياء العربيّ؟ علامَ تفيض كرامتنا، وتعمل جميع زوايا ذكائنا فجأةً في كشف خيوط المؤامرات، بعد أن "تتكرسح أرجلنا" ونعجز عن الحراك؟ 

لماذا لا يلتهب ضميرنا إلا عندما نشعر بأنَّ الخارج جاء ليوبّخنا على ما عثناه فساداً في أوطاننا، وبدفع منه؟ أين عساه يكون الضمير عندما تُنهب الأوطان وتستباح، وتصبح معملاً للفساد، وتصل معظم بلاد الوطن العربي إلى ما دون خطّ الفقر؟ 

نحن اليوم، للأسف، تجاوزنا ما قال عنه المفكّر الجزائري مالك بن نبي "القابليّة للاستعمار"، وأصبحنا نسمع ونرى "استجداء الاستعمار" و"الشهية للاستعمار"، وهو أمر شديد الخطورة. ألقوا نظرة عميقة على خريطة الوطن العربي، وضعوا أعلاماً صغيرة للدول الغربية الاستعمارية التي داست أقدامها كراماتنا من المحيط إلى الخليج، ثم ارفعوا رؤوسكم، إن استطعتم، وقفوا تحت المجهر، وجرّدوا ملفات فسادكم، وابدأوا بتنظيف العفن الّذي التهم روح هذه الأمة ودفعها إلى الانتحار. 

نعم، يمكننا أن نكتب مجلَّدات عن أسباب رئيسيَّة هنا وأسباب ثانوية هناك، تفنّد سبب انحدارنا إلى هذه الدرجة لكنَّ هذه الحجج لن تفضي بنا إلى أيّ مخرج، سوى الجلوس على الركام والبكاء. ولو طالت أكفّنا السماء السابعة دعاءً، فلن يتغيَّر حالنا قيد أنملة.

نستطيع لوم "إسرائيل" وأميركا حتى يوم القيامة. نعم، لكن لماذا لا نلوم أنفسنا؟ ماذا فعلنا كي نتخلَّص من هذه "العلقة"؟ هناك 9 ملايين "مصّت" دماء 362 مليون عربي.

نحن نستطيع التآمر على بعضنا البعض، ونبدع في كيد المكائد لإخوتنا، ونقتل بعضنا البعض، ونخون بعضنا البعض، لكننا عاجزون عن بناء أوطان سليمة.

كانت بيروت صورة مصغّرة عن الجمر الذي يغلي في كل بلد عربي. والاستعمار "القديم" و"الجديد" و"الانتداب" و"الوكيل" و"الوصي" ما زال قابعاً على قلوبنا، ونرى أشكاله المتغيرة "كالحرباء" في كل بقعة من هذه الجغرافيا المنكوبة.

هل تسمّون هذه الأسطر جلداً للذات؟ نعم، نحن بحاجة إلى "الجلد" و"الرجم" و"الصلب"، لعلنا نستفيق، ونصبح قادرين على فعل أيّ شيء، وننهض من هذا الدمار. ضعوا أنفسكم تحت المجهر واستعدوا للعلاج!

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ليزا حسين اسحق

كاتبة من سوريا

إقرأ للكاتب

دروسٌ في حرب تشرين التحريرية

في مثل هذه الفترة منذ 46 عاماً،  دوَّت صفَّارات الإنذار في تل أبيب واندفع قادة العدو الإسرائيلي...