الاتهام الهولنديّ لسوريا.. اغتيال سياسيّ بعد فشل الاغتيال الجسدي

الاتهام الهولندي الأخير للحكومة السورية بانتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان، ما هو إلا حلقة من مسلسل التبعية الهولندية للسيد الأميركي.

  • قرار الحكومة الهولندية
    قرار الحكومة الهولندية "محاسبة سوريا" عبر المحكمة الدولية مشبع بالسياسة في الشكل والتوقيت والأهداف

في اندفاعة هولندية مفاجئة، اتّهم وزير خارجية هولندا، ستيف بلوك، الحكومة السورية، وعلى رأسها الرئيس بشار الأسد، بـ "انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان"، كما وصفها، وأعلن عن بدء حكومته بإجراءات لرفع دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية في مقرها في مدينة لاهاي جنوب هولندا، كأنَّ عشر سنوات من الحرب على سوريا أو الصراع عليها، لم تكن كافية لمعظم دول الاتحاد الأوروبي لإيجاد سياسات تتخفَّف من أعباء توجيهات واشنطن الصارمة في التعامل مع الملف السوري تحديداً.

لا حاجة للبحث عن السياسة في قرار الحكومة الهولندية "محاسبة سوريا" عبر المحكمة الدولية، فهو مشبع بها في الشكل والتوقيت والأهداف.

تغلَّف القرار بالاتهام النّمطي المعتاد بانتهاكات حقوق الإنسان أمام محكمة نشأت في الأساس لمعاقبة زعماء وقادة الدول التي تتلمّس طريق الاستقلال والنمو بعيداً من هيمنة المستعمرين الأوروبيين، من أفريقيا بداية، إلى حلفاء روسيا والصين في آسيا وأميركا الجنوبية. 

تُستكمل مزاعم الاتهام مع ما أعلن في وسائل الإعلام عن نية سابقة لدونالد ترامب لاغتيال الرئيس السوري بشار الأسد، لكن عملية الاغتيال الهولندي هنا معنوية سياسية بعد فشل التصفية الجسدية الأميركية.

إنَّ حكومة أمستردام الائتلافية بين يمين الوسط واليمين المتطرّف، لا توارب في إظهار تبعيتها العلنية للسيد الأميركي، وهي أكثر حكومات غرب أوروبا انسجاماً مع سياسات العقوبات والحظر التي تمارسها واشنطن. 

وأبعد من ذلك، إنَّ حكومة مارك روتة الهولندية هي حكومة ترى أن الأحادية الأميركية ممثلة للغرب الإمبريالي كله على ضفتي المتوسط. إنه وسم إيديولوجي نتن على جبين السياسة، بما يضمره من عنصرية وتمييز وتوسيع للهوة بين الغرب بوصفه أكبر مستعمر والعالم بصفته الماضوية كمستعمرات جرت فيها أكبر الجرائم وأفظعها عبر التاريخ. 

من الصعب التصور أن اندفاعة حكومة "روتة" في هذا الطريق لم تكن منسَّقة مع عاصمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل. التنسيق مع واشنطن لا يحتاج إلى دلائل. قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ليسوا أقل طاعة لإرادة الولايات المتحدة من هولندا.

التباين في التكتيكات في بعض الأحيان أقرب إلى توزيع الأدوار منه إلى الاختلاف أو الخلاف. واشنطن تصعّد وتضغط وتحاصر، وأوروبا تسارع إلى احتواء المعتدى عليه لتعطيل ردود فعله وتضييقها، لا لردّ المعتدي أو كفّ يده. 

نشر المعهد الهولندي "كلينجنديل للعلاقات الدولية" في شهر آذار/مارس الماضي دراسة دعت إلى "إعادة توجيه سياسات الاتحاد في سوريا"، واعتبرت أن استمرار سياسات الاتحاد الأوروبي تجاهها على ما هي عليه سيواجه ضغوطاً متزايدة من أجل التحديث، في اعتراف صريح بالفشل طوال سنوات الأزمة السورية.

كذلك، تعترف الدراسة بأن سياسات الاتحاد في سوريا عمَّقت المأساة الإنسانية الممتدة إلى أوروبا وجيران سوريا، وأكدت وجوب وضع استراتيجية لاحتواء التداعيات الأوسع للحرب الأهلية السورية على وجه السرعة. 

وحدَّدت الدراسة عدة تدابير تخدم بمجموعها الحدّ من تدفق اللاجئين إلى أوروبا. وما المساعدات الإنسانية التي تطلب الدراسة تقديمها سوى فكة لا تقضي حاجة، وغايتها إدارة الأزمة السورية فوق الأرض السورية، بعيداً من أوروبا الخائفة من الصعود الصيني، والمرتعدة من النفوذ الروسي، والتي تنحاز إلى الصمت أمام تهديدات ترامب ووعيده تارة بالانسحاب من حلف الناتو، وتارة بالانسحاب من معاهدات استراتيجية بالجملة، أو بتطبيق التعريفات الجمركية على البضائع الأوروبية الموردة إلى الولايات المتحدة.

ولم تذكر دراسة المعهد الهولندي أي شيء عن طبيعة الحرب على سوريا وحقيقتها وأسبابها، ولا عمن موّلها وأدارها واستخدم داعش والنصرة فيها، ولم تذكر بالطبع دور الدول الأوروبية في العدوان الَّذي لا زالت بصمات ضباط مخابراتها (من 60 دولة، من بينهم هولندا) محفورة على طاولات الموت في غرف عمليات "الموك" وسواها من غرف الظلام والموت.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسين قطايا

صحافي في قناة الميادين.