الهلفوت

لم أقصد سرد أحداث عمل فنيّ يرجع تاريخه إلى منتصف الثمانينات من القرن الماضي، إنما القصد هو بيان أن الحدوتة التي عرضها الفيلم قد تحاكي أحد أوجه عالمنا السياسي المعاصر.

  • الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
    الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

من الأفلام الشهيرة للفنان المصري عادل إمام فيلم "الهلفوت"، والتي كانت تدور أحداثه حول شخصية "عرفة" الرجل التافه ثقيل اللسان ضعيف البنية، والذي كان كل أمله في الحياة أن يتزوج.

والفتوة "عسران الضبع" جسده الراحل صلاح قابيل، ذلك القاتل الأجير الخارج عن القانون، الذي يحيا على أمجاد سمعته السابقة بأنه دموي لا يفلت من يعاديه أو يحاول أن يقف أمامه.

وذلك "الفتوة" عاش متحصناً بـ"الرعب" الذي يصدّره لأهل القرية الضعفاء، وهو يعلم أن ضعفهم وخوفهم من المواجهة سيكون قضباناَ لسجن أدخلوا أنفسهم فيه.

وتمر الأحداث، إلى أن يذهب "عرفة" إلى بيت "عسران"، ويكتشف أن الفتوة المتستر هو في الحقيقة رجل هزيل ضعيف مريض، يتحامل لكي يبدو قوياً، يخاف من أي أحد يطرق باب حجرته، ذلك الباب الذي كان يضع عليه أقفالاً حديدية جعلته وكأنه "متراس" يحتمي خلفه.

وأمام صدمة "عرفة" وذهوله من حال الفتوة الذي انهار أمامه، وتحوّل في نظره من سفاح إلى أشلاء إنسان، قرّر مخرج الفيلم أن ينقلنا إلى مشهد لخّص فيه الحكمة من عمله الفنّي، وهو مشهد التصادم بين الفتوة مدّعي القوة، والهلفوت الضعيف الذي  كان لا يجرؤ على مجرد التفكير في اعتراض ذلك السفاح، بات الآن قوياً بالحقيقة التي عرفها، وفي هذا العراك مات "الفتوة" خوفاً!

ورغم أن الكشف على الفتوة أثبت أنه مات بسكتة قلبية، إلا أن "عرفة" صار أمام الناس "الفتوة" الجديد الذي قهر "عسران" وأرداه قتيلا.

والحقيقة، أنني لم أقصد سرد أحداث عمل فنيّ يرجع تاريخه إلى منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وإنما القصد هو بيان أن الحدوتة التي عرضها الفيلم قد تحاكي أحد أوجه عالمنا السياسي المعاصر.

فها هي أمريكا، لم نجد لها موقفا قوياً إزاء العديد من الأزمات الدولية التي تعرّضت لها طوال السنوات السابقة، رغم أنها لطالما تشدّقت بأنها الدولة العظمى التي تحيا على سمعة قوّتها العسكرية والمخابراتية وهيمنتها على النظام العالمي وقوّة تأثيرها على غالبية دول العالم والمنظمات الدولية وتَحكُّمِها في المشهد السياسي الدولي بشكل عام، وقدرتها على فعل كل ما تريد وقتما تريد.

ولعلنا نتذكر منذ حوالي عام وبضعة أشهر، ما قامت به إيران عندما أسقطت طائرة عسكرية تابعة لأمريكا، والتي كانت أشبه بالعاجزة حيالها، إذ لم تتخذ أي موقف يعكس قوتها، رغم أن الجميع توقّع أن هناك رد فعل أمريكي قد يصل إلى دمار شامل سوف يحل بإيران، رد فعل يُرجِع إلى أمريكا "العظمى" هيبتها ويدافع عن هيمنتها وسطوتها التي كانت – ومازالت - تتغنى بها أمام العالم.

ولكن أمريكا "العظمى" لم تفعل شيئاً!، ومرّت تلك اللّطمة دون أي رد فعل سوى التهديد والوعيد بفرض عقوبات إقتصادية على إيران، رغم تأكيد أمريكا أن تلك الطائرة كانت في المجال الجوي الدولي ولم تخترق الأجواء الإيرانية، ورغم تصعيد إيران وتهديدها بإسقاط طائرة أمريكية أخرى فيما لو تكررت الحادثة.

ورغم أن المشهد كان يبدو معتماً إلى حد بعيد، إلا أن التعمق في حدوتة "الطائرة" الأمريكية تلك، قد يصل بنا إلى بعض الإحتمالات من شأنها تفسير جزءٍ من الواقع السياسي المعاصر في منطقة الشرق الأوسط.

أمريكا "العظمى" تعيش على سمعتها العسكرية، متحصنة بـ"التهديد" الذي تصدّره دائماً إلى دول العالم، وهي في حقيقتها دولة هشة لا تقدر على مواجهة أي طرف يملك ولو قدر قليل من القوة، ولنا في "كوريا الشمالية" و"الصين" و"روسيا" وغيرهم عبرة، أي ببساطة تحيا كـ"عسران الضبع".

ونظراً لثقتي في أن "ترامب" لن يخوض حرباً؛ ليس حرصاً منه على عدم سفك الدماء البشرية كما يدعى زوراً، وإنما لعلمه بأن قراراً كهذا قد يؤثر بشكل كبير على شعبيته، ومن ثم على إعادة انتخابه لولاية رئاسية أخرى، وهو ما يتماشى مع فكره الذي يعرفه الجميع، والذي يدير به دولته كأنها إحدى شركاته، وهو كرئيس مجلس إدارتها الحالي، أقصد رئيسها، يتفاخر دائماً بحجم الأموال التي يجمعها من بعض دول المنطقة ابتزازاً واختلاساً لصالح بلاده.

والخلاصة، آمل أن تدرك الدول العربية أن أمريكا "مدعية السطوة" تحيا على ما تصدره من "قلق" للجميع، وتملك من الحيل ما يجعلها تتحكم بالدولة التي يتملّكها هذا الشعور، لذلك علينا ألاّ ننجرف وراء ما تطلقه من تصريحات، وأن نوصد باب كل صراع بيننا، وخاصة في تلك الفترة المعقّدة والصعبة إلى أبعد حدّ، حتى لا يأتي يوم نتمنى فيه أن يعود بنا الزمان إلى الوراء لئلاّ نفعل ما فعلنا، رغم علمنا أنه لن يعود مجدياً إفراطنا في التمني.                                                                

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شريف سلامة

دكتوراه في القانون الدستوري

إقرأ للكاتب

سقوط "أل" التعريف عمداً!

إعادة ذكر القرار رقم 242 ليست من قبيل البكاء على الأطلال وإنما السبب في ذلك هو ما شهدناه على...

الإمارات المتحدة مع "إسرائيل"

سوف تذكر الإمارات أنها دقَّت، بموافقتها على التعاون مع الكيان الصهيوني، مسماراً جديداً في نعش...