من أين لماكرون صلافة اللغة الاستكبارية؟

ليس خافياً أن انفجار مرفأ بيروت كان الخشبة التي عام ماكرون عليها لطرح سياسة حلفه الغربي، والتي بدت في جانب منها استعمارية الطابع واللغة.

  • تحدث ماكرون في لبنان بلهجة شبيهة باللهجة الاستعمارية التي استخدمها أسلافه
    تحدث ماكرون في لبنان بلهجة شبيهة باللهجة الاستعمارية التي استخدمها أسلافه

في المقارنة بين ماضي تاريخ لبنان وحاضره، ما يدفع إلى التساؤل عن مواقف الرئيس الفرنسي ماكرون إزاء لبنان والمنطقة. لا شكَّ في أنّ كثيرين رحّبوا بمبادرته. من هم متظلّلون بفيئه ومن هم في المعسكر الآخر، أعطوا فرصة لمبادرته، ولم يكن أحد ضدها، إلا أنه تحدث بلهجة شبيهة باللهجة الاستعمارية التي استخدمها أسلافه في عز مرحلة الحضور الاستعماري المباشر عقب الحرب العالمية الأولى وما بعدها، وظهرت في مضمون كلامه نبرة لا يمكن وصفها إلا بأنها استرجاع لنبرة ما بعد العام 1914. 

ما هو مستغرب في السياسات المعاصرة، وخصوصاً لدى تحالف الدول الغربية، تجاهل المتغيرات الكثيرة التي طرأت، لكن هذا التحالف بدوله وأدواته ما انفكَّ يتصرف وكأنه المنتصر انتصاراً كاسحاً في مختلف المعارك، ما يحدوه إلى المخاطبة بلهجة لا يغيب عنها الصلف الاستعماري.

في المقارنة بين ماضي المنطقة وحاضرها، ما يبرر تساؤلات من هذا الصنف، وربما يضيء على بعض الحقائق، كتكليف الرئيس مصطفى أديب، ثم اعتذاره السريع.

في نتيجة الحرب العالمية الأولى، انتصر الفرنسيون والبريطانيون وحلفهم، وبسطوا سيطرتهم التامة على المنطقة، بينما انهارت السلطنة العثمانية، ما أتاح المجال لتطبيق سياسات المحور الغربي بصورة تامة، وأولها تقسيم المنطقة إلى كيانات دول لم تكن موجودة سابقاً، أي أنهم نفذوا ما شاؤوا، ووفق إرادتهم ومصالحهم، وبذلك انضوت المنطقة تحت سيطرتهم، حتى ما بعد وراثة الأميركي لهم.

حاول الأميركي استكمال ما بدأه الفرنسيون والإنكليز بأساليبه واستراتيجياته. حاول السيطرة بطرق مباشرة حيناً، بالاحتلال والحروب، كما فعل في العراق وأفغانستان، وبطرق غير مباشرة أحياناً أخرى، كخلق قوى رديفة لقواته الخاصة. وقد أتيح له تنفيذ الكثير بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، فبات مهيمناً بصورة تامة، وبدا العالم وحيد القطب بالأميركي وحلفه.

مجابهة هذا الحلف بالمقاومة العراقية أربكت خططه واستراتيجياته. وعندما حاول تطويق المقاومة الممتدة من فلسطين إلى العراق فلبنان وسوريا، استخدم احتياطه الدائم، الكيان الإسرائيلي، الذي شن حرب العام 2006 التي أضافت إلى هزيمته وإرباكاته العراقية هزيمة مدوية، اضطرته إلى التفكير في أسلوب جديد، فكانت الحروب الناعمة، وأبرزها حركة "الربيع" التي حققت أهدافها في بعض الساحات، كمصر وتونس وليبيا.

وعندما وصل إلى دمشق، مستخدماً قوى ناعمة حيناً، وأخرى أكثر عنفاً من الجيوش النظامية أحياناً أخرى، كداعش والنصرة وسواهما، غرق في متاهة الصراع السوري، لا بل فشل، وخسر المعركة، بينما تشكل "حلف المقاومة" بقوة، واكتسبت قواه المقاتلة خبرات وصلابة، يمكن القول معها إنها لم تعد تقهر.

بين العام 2011، بداية معركة الفصل السورية، والعام 2019، حدثت تحولات استراتيجية في موازين القوى، وأصبح محور المقاومة في الموقع الأكثر انتصاراً، والمحور الغربي في موقف المنهزم، ما حدا بالمحور الغربي إلى اللجوء إلى سلاح آخر، ربما أخير، وهو لعبة العقوبات، والسلاح الاقتصادي بالدولار، والتدمير الممنهج للبنى الاجتماعية.

من أبرز ما حققه الحلف الغربي لإعادة التوازن إلى الصراع، الاستثمار في حركة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019. كان المستهدف هو المقاومة في لبنان. استطاع الحلف الغربي إحداث أصناف من التخريب في البيئة اللبنانية، لكنه أدرك فشله، رغم إحداث الكثير من الأذى في الساحة. قالها دافيد هيل، المبعوث الأميركي، في لقاءاته مع المنظمات المدنية التي وظفها في مشاريعه، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها، وخصوصاً بعد أن تراجعت الحركة، فخلت الساحات من ناشطيها، وتوقف قطع الطرق. 

هنا تكمن المقارنة بين منتصر كاسح ما بعد الحرب العالمية الأولى، ومأزوم مرتبك بعد مائة عام تقريباً. بدايات القرن العشرين وحتى سنواته الطوال وما بعد، كان يحق له التحدّث بمنطق المتفوق والمهيمن هيمنة تامة، لكنه بعد محطات الفشل في مختلف الساحات، من العراق إلى سوريا وفلسطين فلبنان، ثمة تساؤل عن مصدر القوة التي يستمدها، كما فعل ماكرون، مخاطباً بها اللبنانيين، شعباً وقوى سياسية. 

وليس خافياً أن انفجار مرفأ بيروت كان الخشبة التي عام الرئيس ماكرون عليها لطرح سياسة حلفه الغربي، والتي بدت في جانب منها استعمارية الطابع واللغة. ظنّ البعض أن النبرة العالية تعطيه أفضلية التقرير، واختير الرئيس المعتذر مصطفى أديب ضمن هجوم ماكرون السياسي، لتشكيل حكومة استعادت فيها قوى التحالف الغربي في لبنان ذكريات اختلال موازين القوى بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري 2005. لم تفرّق هذه القوى بين الذكريات والوقائع. ظنت أن محور المقاومة سيستسلم لما لم تستطع هذه القوى فرضه في العام 2005، مستفيدة من الهجوم الغربي الظاهري لحالة ما بعد انفجار المرفأ. 

لكن محور المقاومة الذي عمل بصمت، وتعامل بمرونة مع محاولات ماكرون للحل، كان يدرك أنه الأقوى بعد كل الإنجازات التي حققها بين حرب 2006 والمعارك السورية الحاسمة للجدل في الساحة السياسية في المنطقة، وفاجأ الجميع بصلابة مواجهته لطروحات أديب، ترجمةً لخطة ماكرون الذي جدد في مؤتمره الصحافي أضغاث أحلام حلفه بطيّ سلاح المقاومة.

في مقارنة بسيطة بين موازين القوى مطلع القرن العشرين ووقتنا الحالي، يمكن القول إنه لم يكن من حق ماكرون استخدام لغة "الماستر" على اللبنانيين المقاومين، لكن المقارنة عينها تعطي الحق للرئيس أديب باعتذاره البديهي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

في ذكرى شهادته: الحاجة كبيرة لفكر غيفارا ومنهجه

صراع حاد اندلع بين قوى السيطرة وقوى التحرر، وأثمان باهظة لا تقدر بثمن دفعت في حروب التحرر الوطني.

موسم النبي روبين: تراث إنساني طاله حقد الاحتلال

اشتهرت بلدة النبي روبين الواقعة جنوبي يافا بمهرجان قطاف الليمون السنوي، وفيه أقيمت الاحتفالات...

مبنى زها حديد.. جولة في سياق حرائق بيروت

من العجز أن ننتظر احتراق آخر بيت في بيروت لنتبيّن حقيقة ما يجري. ويأتي الحريق - المجهول - للمبنى...

جدلية المأساة - الملهاة في افتراض مئوية لبنان الكبير

نقدّم بعض الحقائق والوقائع لكي نؤكّد أنه لن تنطلي كذبة اليوبيل الماسي للكيان، من جهة تعداد...

تل العاصور: إطلالة بين يافا وغور الاردن

فريق "موطني" يواصل مساراته مكتشفاً الجديد من فلسطين، ومنه واحدة من أعلى تلال فلسطين، كذلك تقديم...

كيف يمكن لأحد أن يعترض على تعزيز الإنتاج في لبنان؟

لم يطرح السيد نصرالله نظاماً بديلاً، كنظام "إسلامي" مثلاً، ولم يتبنَ نوعاً من شيوعية أو اشتراكية...