هل ستجلس روسيا مع تركيا على طاولة المفاوضات؟

مجموعة مينسك هي الخيار الأفضل بالنسبة لبوتين، ليس فقط إنكاراً لنفوذ تركيا فحسب، ولكن أيضاً لتدفئة علاقاته مع الغرب، فالمؤشرات تدل على محاولات روسيا الالتفاف على طموحات إردوغان.

  •  يحاول التدخل التركي إلى جانب أذربيجان الحد من نفوذ موسكو في باكو
     يحاول التدخل التركي إلى جانب أذربيجان الحد من نفوذ موسكو في باكو

تشارك تركيا في عدة صراعات في أجزاء مختلفة من العالم في وقت واحد، وهي تسعى للحصول على اعتراف بأنها قوة إقليمية كبرى، الأمر الذي حدا بها للتدخل في القوقاز، أي في الفناء الخلفي لروسيا. طموحات إردوغان تهدف إلى توثيق الروابط مع باكو وزيادة التعاون في تطوير وتسويق ثروة الطاقة في أذربيجان. هل بإمكان أنقرة تحويل الأزمة الأذرية الأرمنية إلى فرصة على الرغم من النفوذ الروسي والإيراني في المنطقة؟

تتحدى تركيا نداء مجموعة مينسك لوقف إطلاق النار وتسوية النزاع، وتتجاوز أهمية عودة تركيا إلى القوقاز قضية ناغورنو كاراباخ، لأن نقل المسلحين من سوريا إلى أذربيجان يعيدنا بالذاكرة إلى اهتمام أنقرة عن كثب بحرب الشيشان والقوقاز بعد انهيار الإتحاد السوفياتي. ليس  لدى تركيا نفوذ كبير مع مجموعة مينسك، التي كثفت جهود الوساطة بين الجانبين فيما تقوم موسكو بتقييم المخاطر المباشرة  لهذا الصراع على أراضيها. 

عززت روسيا اتصالاتها داخل مجموعة مينسك، مما يشير إلى أنها مترددة في التفكير في صيغة ثنائية بديلة مع تركيا، لأن مجموعة مينسك هي الخيار الأفضل بالنسبة لبوتين، ليس فقط إنكاراً لنفوذ تركيا فحسب، ولكن أيضاً لتدفئة علاقاته مع الغرب، فالمؤشرات تدل على محاولات روسيا الالتفاف على طموحات إردوغان.

 يحاول التدخل التركي إلى جانب أذربيجان الحد من نفوذ موسكو في باكو. إذ تأمل أنقرة في اكتساب نفوذ على موارد الطاقة في أذربيجان، التي تربطها بها روابط سياسية وعرقية وثيقة. لم يتم تطوير واستخدام إمكانات النفط والغاز الطبيعي في أذربيجان بشكل كامل. كانت موسكو تقليدياً تدير ثروة البلاد على صعيد الطاقة، قبل تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991وبعده. وقد حافظت روسيا على شراكات مع أذربيجان في مختلف المجالات، وعلى رأسها الطاقة والدفاع. تعمل شركات الطاقة الروسية العملاقة غازبروم، وزلوكاويل وترانسنفت في باكو ويمارس الروس نفوذًاً في شركة الطاقة الأذربيجانية التي تملكها الدولة.

 باكو حريصة على المضي قدماً من خلال تقليص اعتمادها على روسيا. ومن ثم فهي تبحث عن دعم تركي وأوروبي، شعرت بتأثير فوري جراء التقلبات الاقتصادية العالمية في السنوات الأخيرة، حيث عانت من الاضطرابات الاقتصادية وأزمة العملة الصعبة وحتى طلبت المساعدة من صندوق النقد الدولي. أما  أرمينيا  فهي تمر في محنة اقتصادية ساهمت تركيا  في تفاقم هذه  المحنة منذ عام  في 1993 من خلال إبقاء الحدود بين البلدين مغلقة.  إذ تم إغلاق المعبرين على الحدود التي يبلغ طولها 325 كيلومتراً أي بوابة أرمينيا إلى الغرب - كبادرة تضامن مع أذربيجان بعد أن استولت القوات الأرمينية على ناغورنو كاراباخ.

 لم يكن رجب طيب إردوغان بحاجة إلى بذل الكثير من الجهود لإقناع الرئيس علييف بشن الهجوم على ناغورنو كاراباغ. وهو الذي ظل يكرر لشعبه أن الوقت قد حان لاستعادة الأراضي التي فقدها في عام 1994. وكانت مناوشات عام 2016 ، ثم في يوليو/تموز 2020 قد غذت تصميم الرئيس الأذربيجاني، في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية.

إن استراتيجية التفجير هذه التي تعتمدها تركيا لا تخلو من المخاطر حيث يمكن أن يمتد الصراع إلى الجمهوريات الانفصالية لأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا في جورجيا المجاورة، كما  قد يؤدي إلى تصاعد التوترات مع إيران، حيث استهدفت الأراضي الإيرانية في الأسبوع الأول من القتال. 

طهران لم تتردد في توجيه تهديدات مستترة إلى باكو وأنقرة، وأصر المسؤولون على "أهمية احترام وحدة أراضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكذلك حياة المواطنين الإيرانيين في المناطق الحدودية مع ناغورنو كاراباغ" كما نصح المستشار الدبلوماسي للمرشد الأعلى الأتراك بالتوقف عن تأجيج الصراع والانضمام إلى المساعدة في إيجاد حل تفاوضي لإعطاء كلماتهم وزناً أكبر، فحشد الإيرانيون المشاة والمدفعية والطائرات بدون طيار على حدودهم مع أذربيجان. 

الحكومة الإيرانية تسعى مع ذلك إلى تهدئة الأمور في المنطقة لتتمكن من الدخول في حوار مع إدارة أميركية جديدة، كما أن إيران قلقة من التعاون العسكري الوثيق بين أذربيجان و"إسرائيل". 

عرف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه لا يستطيع الدخول في صدام مباشر مع أذربيجان، فهو يريد الحفاظ على مصالحه في مجال الطاقة في منطقة القوقاز. قد يكون إطالة أمد الصراع قائم لإظهار لكلا الجانبين أنهما بحاجة إلى روسيا. من الواضح  للرئيس الروسي، أنه في نهاية اللعبة، سيكون عليه أن يكون هو الحكم في النزاع، وليس من قبيل المصادفة أن سيرغي لافروف، وزير خارجيته انخرط شخصياً في التفاوض على أول اتفاق لوقف إطلاق النار ليلة 9-10 أكتوبر/ تشرين الأول 2020 ، بعد أسبوعين من القتال غير الحاسم. يعرف رجب طيب إردوغان ذلك، وينتظر بالتأكيد اللحظة المناسبة لوضع التزامه تجاه أذربيجان في الميزان.

تبدو دعوات الولايات المتحدة الأخيرة لوقف القتال غير مجدية  إذ من غير المرجح أن تحفز النزاعات الإقليمية البعيدة اهتمام الجمهور الأميركي بسبب قضاياه الداخلية ومعاناته المتزايدة والقيادة السياسية التي تواجه تحديات أكثر إلحاحاً في الداخل، بما في ذلك وباء كورونا والاقتصاد الهش والظلم العنصري المتجذر والخلل العام لفريق السياسة الخارجية. أما ترامب  فهو منشغل باصابته بفيروس كورونا، وقيادة  حملته الانتخابية. 

يشكل نهج الرئيس إردوغان، في إثارة العنف في ناغورنو كاراباخ، مصدر إزعاج آخر في العلاقة المتنامية التعقيد بالنسبة للولايات المتحدة مع حليفها في الناتو، الذي يتصرف، بحكم الأمر الواقع، كمنافس، إن لم يكن كخصم لها في بعض الأحيان.

أما أوروبا فهي أيضاً منشغلة بمشاكلها الخاصة حيث تجتاحها الموجة الثانية من الإصابات بفيروس كورونا، وتهدّد بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق، ناهيك عن التوترات التي تدور في شرق البحر المتوسط. كما إن سجل أوروبا الأخير في حل النزاعات (في جمهورية إفريقيا الوسطى وجورجيا وليبيا وأوكرانيا) لا يوفّر سوى القليل من الأمل.

يبقى أن فرنسا هي القوة الأوروبية الواضحة التي يمكن أن تتدخل بالنظر إلى وساطتها في نزاعات جنوب القوقاز الأخيرة في جورجيا 2008- إلا أنها لا تنال ثقة أذربيجان بسبب تحريض تركيا، وعلى الرغم من جهود فرنسا والولايات المتحدة، تواصل أنقرة حليفة الناتو اتباع سياسات تتعارض مع مصالح الحلف، مما يوجه ضربة للمصداقية الغربية وتتصرف تركيا، كقوة مغامرة في أوراسيا.

 يعمّق إردوغان عزلة تركيا عن حلفائها في الناتو. وبموازاة ذلك، يُظهر لمؤيديه في الداخل استقلالية القرار التركي على الجبهات الخارجية، وهو يفعل ذلك دون خوف من عواقب وخيمة، بسبب الفراغ الدولي. أما روسيا، فهي تحتاج إلى أسواق لبيع نفطها وغازها، لذلك لا يمكن الحديث عن وقف الإمدادات إلى تركيا طالما هي تدفع ما عليها، ولا يبدو أنها لن تجلس على طاولة التفاوض مع تركيا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
هدى رزق

باحثة في الشأن التركي والإقليمي

إقرأ للكاتب

الربح والخسارة في ميزان الاتفاق الروسي حول ناغورنو كاراباخ

بالنسبة لموسكو، تحقّق الصفقة – الاتفاق، اقتراح عام 2018 في نشر قوات حفظ سلام روسية في ناغورنو...

انتصار بايدن يُربك خطط إردوغان

قد يكون الرئيس الأميركي المنتخب أكثر من يعرف الرئيس االتركي، فهو كان المبعوث الرسمي الدائم إلى...

الجبهات المفتوحة تُضعف تركيا أم تُقوّيها؟

لا يمانع إردوغان في مهاجمة الغرب. فهو يعتبر أن الولايات المتحدة يجب أن تعي أنها لا تتعامل مع قبيلة.

تركيا وروسيا في الصراع الأرميني - الأذربيجاني

بينما تولي باكو أهميّة لدعم تركيا، فإنها لن تسمح أبداً بتجاهل موسكو، إلا أنَّ تحريك الوضع في...