قلق وكآبة يلازمان "السوشيل ميديا".. كيف ننجو؟

أثبتت التجارب أنّ استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة يجعل الدماغ يفرط في إفراز الدوبامين، وهكذا تُفسد المتع الصغيرة من حولنا، ويصبح الملل والسلبية رفيقنا، ولكن كيف؟

  • قلق وكآبة يلازمان
    تُفرز كمية مهولة من الدوبامين أثناء تصفح السوشيل ميديا

في دراسة قدَّمتها هديل أبو حميد، طالبة دكتوراه في جامعة أوريجون، في العام 2019، وفقاً لبيانات "GSM"، ذكرت أنّ هناك تضاعفاً لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي عبر الهاتف المحمول في منطقة الشرق الأوسط، وصل إلى 44% في السّنوات الخمس الماضية.

من خلال ما ذكرته هذه الدراسة، نرى أنَّ أحداث السنوات الخمس الماضية في الشرق الأوسط جعلت الناس يهاجرون من واقعهم إلى بحر السوشيل ميديا، بعضهم ليملأ أوقات فراغه، وبعضهم يتخذه وسيلة للهرب، والبعض لمحاولة فهم ما يدور حوله في الواقع، وآخرون يحاولون صنع نسختهم المفضلة من شخصياتهم التي يحلمون بها.

إن الانغماس والغوص بعمق في السوشيل ميديا في المنطقة ليس مستغرباً في الواقع، فالأحداث المتتالية التي حصلت مؤخراً منهكة حد الهذيان، من تظاهرات وحروب وفساد ومجاعات، وآخرها وباء كورونا الذي دفع الجميع إلى البقاء في منازلهم. كل هذه الأحداث المتلاحقة فتحت الباب للخروج من الواقع إلى العالم الافتراضي، كما أدت التسهيلات التي تمنحها السوشيل ميديا للدخول إلى عالمها المليء بالغموض والاكتشافات دوراً في جعل الإقامة في وسائل التواصل الاجتماعي ممكنة وممتعة.

هناك دراسة صادرة عن مركز الصحة السلوكية في فلوريدا (Behavioral Health Center) تشير إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى منزلق السلبية والكآبة، فبحسب دراسة أعدها الباحثون في هذا المركز في العام 2020، قام أفراد بإغلاق حساباتهم في السوشيل ميديا لمدة شهر، ولاحظوا انخفاض نسبة القلق لديهم. بعض الباحثين أشاروا إلى أن استخدام السوشيل ميديا، وإن لم يكن مباشراً وصريحاً، فإنه يؤدي إلى الأرق، وبالتالي الوقوع في المنزلق نفسه وما يصحبه من عواقب كالاكتئاب.

إذاً، يجب أن نتوقّف عند هذه الدراسة قليلاً، ونراجع حسابتنا، وخصوصاً أن هناك الكثيرين اليوم ممن نسمعهم في اجتماعاتنا يشكون من الملل والسلبية، ويشعرون بعدم الرضا، ويسيطر القلق على حياتهم، فيغوصون في عالم السوشيل ميديا بحثاً عن كنز الإيجابية الضائعة في واقعهم، فهل السوشيل ميديا بحر آمن للغوص فيه؟ وهل سنجد في أعماقه الإيجابية؟ مزايا السوشيل ميديا كثيرة، لكن هل الغوص فيها آمن كلياً؟ هنا سأستبدل السؤال ليصبح: هل نحن مجهزون بالأكسجين الكافي للبقاء في أعماق البحر كل يوم ولساعات؟

يجب أن نعي أن وسائل التواصل الاجتماعي هي المكان الذي تبقى أعيننا ووعينا فيه لساعات من دون ملل، متأرجحين بين أمواجه السطحية والعميقة، وأن ندرك أن بحر السوشيل ميديا الممتد، والذي نسترخي فيه باستجمام، لا ندري أين ستقذف أمواجه عقلنا الواعي واللاواعي.

في الحقيقة، هذه الوسائل ذات فائدة كبيرة لمن يسبح ويغوص بتمكّن وحرص، متيقظاً إلى حدود الأكسجين اللازم لبقائه في أعماق وسائل التواصل الاجتماعي. أما من يدخلون السوشيل ميديا للاستلقاء وترك أنفسهم لأمواجها، لتسحبهم وتقذف بهم، فسيجدون أنفسهم في عمق ظُلمات البحر، تائهين وقلقين، وقد يغرقون.

كي نستوعب وقع السوشيل ميديا علينا، وعلى الإيجابية بالتحديد، يجب أن نكون على معرفة بما يسمى بالعقل الواعي واللاواعي، لأن لهما تأثير مباشر وغير مباشر في طاقتنا وقرارات حياتنا.

 

العقل الواعي

بحسب نظرية سيغموند فرويد للتحليل النفسي، إنَّ العقل الواعي هو كل شيء يتكون داخل وعينا، من مثل تسجيل الإيميل، والتوقيع على عريضة القوانين للدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي بعد الاطلاع عليها، فذلك يقع على عاتق العقل الواعي.

 

العقل اللاواعي

هو أشبه بسمكة القرش المتشمسة، التي لها فم ضخم جداً تفتحه على مصراعيه لتأكل عوالق البحر من دون "فلتر". هكذا يتغذى العقل اللاواعي على عوالق السوشيل ميديا بشراهة ومن دون "فلتر". على سبيل المثال، أثناء استخدام السوشيل ميديا تظهر الصور والقصص والإعلانات واقتراحات الأصدقاء والتعليقات، وهي تعتبر كالعوالق التي يتغذى بها العقل اللاواعي.

لِنغص قليلاً في هذا المقال، ونتأمل علاقة عقلنا الواعي واللاواعي بالسوشيل ميديا وأثره في طاقتنا الإيجابيّة وقرارات حياتنا.

 

العقل الواعي والسوشيل ميديا والإيجابية

هناك مادة في العقل اسمها دوبامين. هذه المادة تُفرز لتعطي الشعور بالمتعة والرغبة. هي مادة كيميائية عصبية توجد في أجزاء مختلفة من الدماغ، وتعد المحرك للرغبة والشغف والإثارة، وهي تمنحنا الرغبة في البحث والمكافأة، ما يعد شيئاً جيداً، بل ممتازاً في إفرازاته الطبيعة، لكن الإفراط فيه يوصلنا إلى الإشباع الفوري، وبالتالي قتل الحافز. على سبيل المثال، إنجاز مشروع والقيام بتمارين رياضية واللقاء بالأصدقاء... هذه التفاصيل الطبيعية تجعل العقل يفرز مادة الدوبامين بالكمية الطبيعية والكافية حتى تشعرنا بالسعادة وتملأنا بالإيجابية، لكن الوضع يختلف في السوشيل ميديا.

هناك تجارب أُجريت وأثبتت أنّ استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة يجعل الدماغ يفرط في إفراز الدوبامين، وهكذا تُفسد المتع الصغيرة من حولنا، ويصبح الملل والسلبية رفيقنا، ولكن كيف؟

وفقاً للباحث تريفور هاينز من جامعة هارفارد "عندما تتلقّى إشعاراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يرسل الدماغ رسولاً كيميائياً يدعى الدوبامين كأنه مكافأة، ما يجعل الشخص يشعر بالسعادة"، فكم إشعاراً نستلم من السوشيل ميديا بشكل يومي؟

تُفرز كمية مهولة من الدوبامين أثناء تصفح السوشيل ميديا والاطلاع على التعليقات... حينها، تحصل على سعادة وإيجابية مؤقتة تدور ضمن دوامة عالمك الافتراضي فقط، فالمقارنة هنا من حيث استنزاف الدوبامين في السوشيل ميديا بالمتع الأخرى الطبيعية، تصبح غير عادلة، وفيه خلل، فمستخدم السوشيل ميديا يفضّل الجلوس في غرفته، متصفحاً وسائل التواصل الاجتماعي، ويتلقى الدوبامين بكمياته الوفيرة، على أن يذهب في رحلة مع أسرته، والتي لن يجد فيها الكمّية التي اعتادها من الدوبامين، فنستطيع وصفه بِـ"مدمن الدوبامين" أو "مدمن السوشيل ميديا".

ولنعلم مدى خطورة إدمان السوشيل ميديا (الدوبامين)، إليكم هذه التجربة التي أُجريت لمعرفة وقع الدوبامين على فأر. تمَّ وضع فأر مختبر في قفص، ووصل مجسّات كهربائية داخل دماغه في المنطقة المسؤولة عن تنظيم إفرازات الدوبامين في الجسم. تم وصل المجسات الكهربائية مع ساعد موجود داخل القفص، فكلما تم ضغطه، أرسل إشارة كهربائية إلى الدماغ، وحفَّز قسم المكافأة على إفراز الدوبامين.

اكتشف الفأر الساعد، وبدأ يضغط عليه باستمرار. مع الوقت، توقف الفأر عن فعل أي شيء سوى الضغط على الساعد، ودخل في حالة إدمان، فالشعور بالمتعة أقوى من كل الغرائز الأخرى، والغريب أن الفأر فضَّل الضغط على الساعد مقابل جرعات الدوبامين على الأكل والشرب، حتى كاد يموت.

يشبه هذا الفأر الكثير ممن يفضلون الغوص في بحر السوشيل ميديا، متناسين الوقت المحدّد لنفاد الأكسجين المعلق على ظهورهم. يجب أن نعلم أن هناك ميزاناً لنظامنا البيولوجي لا يمكن تجاهله أو التلاعب فيه، وهو توازن بين السعادة الحقيقية التي يفرزها دماغنا عن طريق الدوبامين بالكميات المناسبة، والذي يجعلنا نُقدر تلك اللحظات التي تمر علينا في العالم الواقعي، فتمدنا بالطاقة الإيجابية الصحية.

 

العقل اللاواعي والسوشيل ميديا والإيجابية

كما ذكرت سابقاً، العقل اللاواعي أشبه بسمكة لها فم ضخم مفتوح، ولا يوجد "فلتر" فيه، فتدخل الملايين من عوالق المعلومات دون سيطرتك.

تخيل معي أن تتصفح إحدى وسائل التواصل الاجتماعي كالمعتاد، بعد أن تتفحَّص إشعاراتك الخاصة، وتنتشي بإيجابيتك المؤقتة، ثم تمر بقصص موجعة، وما أكثرها في عالم السوشيل ميديا! وتخوض جدالاً عقيماً، وتلمح صورة تحرك فيك مشاعر دفينة، ومنشورات أخرى تمس وحوشك المدفونة (كالحسد والعنصرية والحقد والتنمر...). كل تلك العوالق يلتهمها اللاواعي بمشاعرها، فيمتلئ جوفه بآلاف المعلومات غير المرغوبة، فتُصبح منهكاً بمشاعر ليست لك، وتستنزف طاقتك في حروب ونقاشات لا تخصّك، وتصير متعباً جراء صراع وحوش دواخلك. ومع مرور الوقت، تفيض في واقعك بتلك المعلومات، فتستعين بمكنوناتها في أقوالك وأفعالك ومواقفك من دون سيطرة، وقد تستغرب نفسك، لكنك تبرر لها، والمبررات كثيرة.

يقال إن المدة التي يشكل العقل اللاوعي القرار فيها لينقله إلى العقل الواعي فينطقه، هي 6 ثوانٍ، فما ننطقه كقرار هو فعلياً ناتج من معلومات العقل اللاوعي، وهنا تكمن خطورته.

 

ما الحل إذاً؟

أن تترك وسائل التواصل الاجتماعي في زمن التكنولوجيا حل غير مطروح، وغير مرحّب به، وغير عملي، لكن يجب أن تعرف كيف تكون صياداً فيه، لا فريسة، كأن تستخدم السوشيل ميديا كحافز بعد إنجاز واقعي. مثلاً، كأن تشرط على نفسك أن تنهي تمرينك أو كتابك، وتكافئ نفسك بنصف ساعة في تصفح السوشيل ميديا.

*كاتبة من اليمن 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً