الصراع الدولي: قراءة  في الأسباب وفي تمظهراته المناطقية

مع بداية الألفية الثالثة، بدأنا نشهد المرحلة الأكثر تكثيفاً للصراع بين مشروعين متناقضين، بعد استرجاع كل من الصين وروسيا لمكانتهما الدولية، وصعود قوى إقليمية جديدة.

  • التغوّل الأميركي يجد أسبابه أيضاً في ضعف المؤسسات الأممية، التي عجزت عن حماية الأمن والسلم الدوليين
    التغوّل الأميركي يجد أسبابه أيضاً في ضعف المؤسسات الأممية، التي عجزت عن حماية الأمن والسلم الدوليين

إنّ رصد مجريات الصراع الدولي سيعيننا على فهم ما يشهده العالم الآن من انقسامات حادة التي إمّا ستسير في اتجاه الحل وفق نظامٍ عالمي جديد متعدد الأقطاب، تأخذ فيه  العلاقات الدولية القائمة على احترام مبدأ سيادة الدول واستقلالها، قوةً إلزاميةً تُمليها مؤسسات أمميّة قوية وقوانين دولية ملزمة، أو ستتوجه نحو مزيد من التصعيد، ونحو مزيد من النزاعات التي قد تؤدي إلى تهديد جديّ للأمن والسّلم الدوليين. 

كما أن الرجوع إلى مرحلة ما بعد انهيار "جدار برلين" وما كان يترقبه العالم من بدايةٍ لمرحلة جديدة خالية من الحروب الباردة المؤطّرة إيديولوجياً، سيساعدنا على فهم تحوّل هذا الصراع، من صراعٍ بخلفيات إيديولوجية، تَبيّن لاحقاً أنها لم تكن سوى واجهة، إلى صراعٍ بين مشروعين، الأول تحرري والآخر استعماري في صيغة جديدة، وهو ما حال دون تحويل هذا الحدث التاريخي إلى فرصة للانتقال إلى عالمٍ تسوده الحرية والديموقراطية والتنمية على أساس المصالح المشتركة التي طالما تغنّى بها "التحالف الغربي الرأسمالي" في تبريره لصراعه مع المعسكر الإشتراكي.

في فهم أسباب التغوّل الأميركي

بعد الوقوف عند تغوّل التحالف الغربي بقيادة أميركا التي استهوتها نشوة الانتصار وحوّلت هذه الفرصة إلى تهديد جديد للأمن والسلم الدوليين بتدشينها لمرحلة استعمارية جديدة تقودها في ذلك غريزة التسلط، انفردت أميركا بالقرار الدولي على حساب باقي دول العالم بما فيهم شركائها الأوروبيين الذين طالبتهم بالانصياع لدعوتها بالتخلي عن نظامهم  اللبيرالي الاجتماعي الذي اكتسبته شعوبها بعد صراع سياسي واجتماعي مرير،  قادته الطبقة العاملة والقوى السياسية الإشتراكية المتحالفة معها. 

كان لا بد من القول إن اللوبي الاقتصادي والمالي الأميركي المهيمن على مقاليد الحكم والسلطة، لم يكن يعادي فقط النموذج الإشتراكي، بل كذلك النموذج اللبيرالي الاجتماعي الذي يعتبره معيقاً لهيمنة نظامه الاقتصادي الرأسمالي المتوحش، ومعيقاً لنظامه السياسي   الذي تحكمه المرجعية الإديولوجية نفسها، رغم ما يدّعيه من ديموقراطية وتعددية زائفة يؤسسها كل من الحزببن الجمهوري والديموقراطي الأميركييَن على حدّ سواء، كوجهين لعملة واحدة.

يتناوب الحزبان على السلطة في أكبر خدعة ديموقراطية عبر انتخابات يتحدد مصيرها على أيدي لوبيّات المال والأعمال. إلا أنه يبقى في جوهره نظاماً سياسياً شمولياً، قائماً على حزب واحد برأسين. خاصة بعد أن تمّ إعدام كل القوى السياسية التقدمية والاشتراكية،  التي حوّلتها العقيدة الايديولوجية الأميركية إلى تهمة ترقى إلى مرتبة الخيانة العظمى، يُدان بها كل معارض أميركي مناوئ لسياسات الحزبين. 

إن الطبيعة الشمولية للنظام السياسي الأميركي، بالإضافة الى السياقات التاريخية لنشأته كدولة، وهشاشة المؤسسات الأممية، يفسر إلى حد ما هذا التغوّل في سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة. هذا، دون إغفال تراجع الدول التي كانت تقف ندّاً لها في السابق، خاصة روسيا الاتحادية كوريث للاتحاد السوفيتي المنهار، والصين الشعبية التي انكفأت على نفسها بعد أن دخلت في مرحلة إعادة هيكلة إقتصادها ونظامها السياسي.

كل هذا يفسر نزوعات أميركا الهيمنية على العالم، سواء من داخل المؤسسات الأممية، أو  من خارجها عبر ما تشرعنه من حروب مباشرة أو بالوكالة، أو بما تقرّه من عقوبات أحادية على الدول التي تصنّفها "عدوة" وتلزم باقي شركائها الأوروبيين بالانصياع لها تحت طائلة تعرّض شركاتها المتعاملة مع هذه الدول للعقوبات، وتجميد مصالحها فوق التراب الأميركي.

في التصدي وبداية بروز أحلاف جديدة 

 لكن مع بداية الألفية الثالثة، بدأنا نشهد المرحلة الأكثر تكثيفاً للصراع بين المشروعين المتناقضين، بعد استرجاع كل من الصين وروسيا لمكانتهما الدولية، وصعود قوى إقليمية جديدة تسعى كلها إلى إقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، قائم في شقّه الاقتصادي والاجتماعي على التضامن الدولي والعدالة الإجتماعية والشراكة الإقتصادية، والذي يراعي المصالح المشتركة بين الشعوب والدول.

ويقوم هذا النظام العالمي الجديد في شقّه السياسي على احترام مبدأ سيادة الدول والقانون الدولي ومؤسساته الأممية. وهو المشروع الذي يتواجد الآن على نقيض المشروع الاستعماري الأميركي الذي يروم إلى التحكم في إرادة الدول والشعوب، والذي تسعى إلى فرضه على بقية العالم بما فيهم حلفائها من الأوروبيين.

إنّ ما يشهده المشروعان الآن من تناقضات حادة، هو ما أدى إلى ما مشهدية العالم الحالية من اصطفافات جديدة معارضة لتغوّل المشروع الأميركي الذي أدركت من خلاله جلّ دول العالم، أنه يهدد السلم الإجتماعي المرتبط عضوياً بالعدالة الإجتماعية والإقتصادية. كما يهدد كذلك الأمن الدولي بنزوعاته الإستعمارية التي تروم إلى السيطرة على خيرات الشعوب.

في التصدي وإعادة بناء المؤسسات الأممية

بالإضافة إلى الأسباب السابقة، فإن التغوّل الأميركي يجد أسبابه أيضاً في ضعف المؤسسات الأممية، التي عجزت عن حماية الأمن والسلم الدوليين، وسيادة دولها الأعضاء كما يتضمنه ميثاقها. وبالتالي، أثبتت هذه المؤسسات عدم فاعليتها كونها تشكلت في مرحلة الحرب الباردة حين كان العالم قائماً على ثنائية قطبية بين معسكر شرقي إشتراكي، ومعسكر غربي رأسمالي. وكل مواثيقها صيغت على خلفية التوازنات المرحلية، ولم تستبق  في قوانينها حماية القانون الدولي في حالات اختلال هذا التوازن، مما أطلق اليد للتغوّل الأميركي لاحقاً.

لكن حتى في حالة عودة التوازن، فإن هذه المؤسسات استنفذت وجودها بالشكل الذي كانت عليه، وتحتاج إلى إعادة بناء هياكلها وقوانيها، وذلك عبر دمقرطة مؤسساتها ومواثيقها التي جعلت القرار الدولي خاضعاً للدول الخمس المحتكرة لحق النقض ومركزت جميع مؤسساتها الأساسية في دولة واحدة، مما جعل هذه المؤسسات تحت رحمة المزاجية  السياسية للدولة المحتضنة؛ بالإضافة الى ضرورة تطوير ترسانتها القانونية بما يستجيب لطموحات قوى عالمية وإقليمية صاعدة، تطمح إلى خلق نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب بما يقتضيه من توسيع لقاعدة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وإضفاء الصبغة الإلزامية على قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإعادة النظر في حق النقض إلخ..

الصراع الدولي وتمظهراته المناطقية 

إذا كان هذا الصراع العالمي الذي رصدناه يهمّ الماكروبوليتيك، وما يتجاذبه من تقاطبات حادة بين مشروعين سياسيين واقتصاديين متناقضين، فكيف يتمظهر هذا الصراع الإستراتيجي في بعض المناطق الساخنة من العالم؟ وكيف تعمل أميركا على تحريف هذا الصراع وتمويه عناصره عبر وكلائها؟ حتى تغلّفه بالخصوصيات الإثنية والطائفية والعرقية الخاصة بكل منطقة جغرافية كما يحدث في الشرق الأوسط، كمنطقة إستراتيجية تكثف ما يشهده العالم من نزاعات وصراعات.

يحدث كل هذا بهدف تمويه المضمون الحقيقي للصراع، بين مشروع هيمني-توسعي يستبيح ثروات الشعوب وسيادة الدول من جهة، تارةً تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وتارةً من أجل إشاعة الحرية والديموقراطية، وتارةً أخرى من أجل نزع أسلحة الدمار الشامل، وبين مشروع  جديد يؤسس لعالم متعدد الأقطاب من جهة أخرى، يروم إلى إعمال مبادئ القانون الدولي والشرعية الدولية وبناء نظام إقتصادي عالمي أكثر عدلاً يراعي مصالح الشعوب في التقدم والتنمية. 

لكن مجريات الأحداث في المنطقة تكشف أن الصراع يسمو على الطائفية والعرق والهوية بحيث تعمل بعض القنوات الدعائية على إلصاقها به، هي التي سخّرت كل إمكانياتها لتحنيط الوعي الجمعي وتشويه طبيعته، لتحوّله من صراع  بين إرادات حرة تبنّت المشروع التحرري المقاوم للهيمنة – وهو مشروع يروم إلى رسم علاقات دولية جديدة قائمة على حق دول المنطقة في استقلالية قراراتها السياسية والاقتصادية بما يخدم مصالح شعوبها لتكون حرة في اختياراتها وتحالفاتها الدولية في اتجاه الشرق أو الغرب وأخرى خاضعة ومساومة على قضايا المنطقة وشعوبها - إلى صراع سني شيعي تارةً وفارسي عربي تارةً أخرى.  

هنا، لا بدّ من التأكيد على أن هذا المشروع التحرري، الذي يأخد محلياً وإقليميا طابع المقاومة، يتجاوز العرق والطائفة، ولا يتمثّله إلاّ من راكم في تاريخه القيم الثقافية  والحضارية للدولة التي تشكّل مرجعاً قيّماً يصقل الوعي الجمعي لشعوب المنطقة الممتدة من بلاد فارس والهلال الخصيب، إلى بلاد الشام واليمن وشمال أفريقيا، وذلك بحكم  الحضور التاريخي والمتجذّر لقيم الدولة لدى هذه الأمم.

بالتالي، فإن ما تنتهجه ممالك الخليج من سياسات معادية، لا يعني تمثّلها للمشروع السياسي الغربي فحسب، بل هو انعكاس لواقع تاريخها لكونها مماك حديثة النشأة انتقلت من مجتمعات قبليّة رعويّة، إلى "المدنيّة" دون أن تراكم في ثقافاتها قيم المدنيّة والحكم المؤسساتي.

فباتت دولٌ هشةً مَدينة تاريخياً للاستعمار في نشأتها، وبحاجة دائمة لحمايته. إنها تتماهى وتصوّر ابن خلدون مثلاً للقبيلة والدولة، فيما عقلها السياسي عاجز عن استيعاب التحولات العالمية إلا ضمن ما تمليه عليه العصبية القبلية المتناقضة ومصالح الدولة الوطنية الديموقراطية. وكلّ همها هو استمرار العشيرة في الحكم والسلطة، ولا تجد حرجاً في التطبيع مع الكيان الصهيوني ولو على حساب القضية الفلسطينية، ولا في تمويل أحلاف تسعى الى إخضاع وتدمير دول وشعوب المنطقة عبر تمويل الجماعات الإرهابية المسلحة، متذرعة في ذلك بمواجهة "المدّ الفارسي" حيناً والشيعي حيناً آخر، أو حتى بذريعة مواجهة الأنظمة السياسية العلمانية و"غير الديموقراطية" لدول عربية مجاورة تشاركها في العرق والمذهب، معتقدةً أن المدنيّة أبراجٌ وجسور تُبنى بخبرات أجنبية.

وما دخول هذه الممالك في صراعات ونزاعات بينيّة،  إلا تأكيد على سيادة العقلية القبلية التي تغيّب المصالح الاستراتيجية لشعوبها. خاصة في ظلّ خيارات أخرى تكثّفها التكتلات الإقتصادية والسياسية العالمية والإقليمية الجديدة التي تعتمد الشراكة في إطار ما يقرّه القانون الدولي من احترام لسيادة الدول واستقلالها.  

لكن سلوكاتها الغريبة المتناقضة مع مصالح شعوبها والمنطقة، تعكس بالملموس، العقلية العشائرية، والبنية الثقافية القبلية المتجذرة في أنظمة حكمها، وفي اعتقادها الراسخ بنظرية المؤامرة التي تُعدّ سمةً ملازمةً لأنظمة الحكم الاستبدادية والبدائية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
تدمري عبد الوهاب

المنسق العام لمنتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب