الجبهات المفتوحة تُضعف تركيا أم تُقوّيها؟

لا يمانع إردوغان في مهاجمة الغرب. فهو يعتبر أن الولايات المتحدة يجب أن تعي أنها لا تتعامل مع قبيلة.

  • يقوم الرئيس التركي بصياغة سياسة خاصة به وهي مزيج من القومية، والأخوة الإسلامية، والمظالم التاريخية، والطموح الهائل
    إنها رسائل يوجهّها إردوغان عبر تصريحاته وخطبه إلى أوروبا والولايات المتحدة وروسيا

لا يألو الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، جهداً في تذكير محازبيه ومؤيديه بتاريخ بلاده ومكانتها كإمبراطورية لعبت دوراً أساسياً في  محيطها الجغرافي وخارجه، ساخراً من تقسيمات الحرب العالمية الثانية التي لم تلبِّ طموحات الدول الاقليمية.

ينتقد إردوغان الأمم المتحدة التي لم تقم بجهد يُذكر لتلبية احتياجات الدول، طارحاً توسيع مجلس الأمن ليشمل الدول الإقليمية الكبرى على رأسها تركيا. ثمّ يغرّد حول القدس ويذكر "كيف بكى المقدسيون عند خروج العثمانيين من المدينة"، ليذكّر بالعلاقة مع فلسطين وتاريخها  وحاضر هذه العلاقة.

إنها رسائل يوجهّها إردوغان عبر تصريحاته وخطبه إلى أوروبا والولايات المتحدة وروسيا، وهي تطال أيضاً  ليبيا، وشرق المتوسط وسوريا وناغورنو كراباخ حيث  تفرض تركيا تواجدها العسكري.

وصف الرئيس التركي إتفاق جنيف الذي عُقد بشأن ليبيا بأنه صفقةٌ تفتقر إلى المصداقية وألقى بظلالٍ من الشك على استدامة وقف إطلاق النار. ترى تركيا أن هناك محاولات لإضعاف تأثيرها في المعادلة على الساحة الليبية وفي القارة السمراء، وأن هناك أطرافاً مثل الإمارات ومصر وفرنسا تسعى إلى إبعادها. وتساءل عن آلية إجراء الإنتخابات المقرّرة وإمكانية انسحاب كل القوى الأجنبية المتورطة بالصراع في ليبيا ، ففي ظلّ الظروف الحالية، لا زالت آبار النفط  بأيدي حفتر ومليشياته، ولا يوجد ردّ على هذه النقطة المتعلقة بكيفية إدارة هذا الأمر. 

القلق التركي نابع من مصير الإتفاقية الأمنية التي أبرمتها مع حكومة السراج لأن أحد بنود الإتفاق ينص على "تعليق الإتفاقيات العسكرية التي أبرمتها أطراف الصراع في ليبيا" ويمتد القلق إلى طبيعة الموقف الأميركي المستقبلي في ليبيا الذي قد ينسحب من اتفاقية الغاز لاحقاً واصفاً إياها باتفاقيةٍ من طرف ليبيّ أحادي الجانب. 

فالقاعدة الجوية التركية في الواطية هي ذات أهمية استراتيجية في غرب ليبيا كذلك القاعدة البحرية في مصراتة، وهي ضرورية لتركيا للحفاظ على طموحاتها في شرق البحر الأبيض المتوسط. وترى تركيا أنها بعد كل ما قدّمته في ليبيا، من غيرالمقبول تجاوزها في أي ترتيبات، وتعتبر أنها فرضت نفسها في المعادلة الدولية.

هذه التساؤلات كفيلة بالاستنتاج أنه ليس لدى أردوغان مصلحة في تنفيذ اتفاقية جنيف سيّما وأنّ تركيا تمتلك نفوذاً في طرابلس إضافةً إلى العلاقات المميزة مع بعض أعضاء حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من المدينة مقراً لها، كوزير الداخلية القوي فتحي باشاغا وجماعة "الإخوان المسلمين"، بغض النظر عن موقف السراج المتغير.

تراهن تركيا على إصرار الولايات المتحدة على عدم الاعتراف بأي دور روسي في ليبيا وهو المنفذ الذي تعتقد أنه سيساعدها على تخطي الاتفاق. فهل يمكن لتركيا ضرب عرض الحائط إتفاقٌ تُجمع عليه كلّ من أوروبا وموسكو ودول إقليمية عربية ؟ 

إن تعنّت تركيا في مواجهة ما تعتبره حقوقها عبر إعادة سفينة "أوروك ريس" إلى المنطقة البحرية المتنازع عليها في 12 تشرين الأول/أكتوبر، قد يتسبّب بعودة التصعيد بعدما بذل "الناتو" والاتحاد الأوروبي وألمانيا جهوداً استثنائية من أجل استتباب الوضع، مع أن الولايات المتحدة كانت قد وجهت تحذيراً لتركيا إثر هذا السلوك. ولا يخفى أن العلاقة بين البلدين تشهد حالة تراجع وهذا لا يعني تقدّمها مع موسكو.

لا يمانع إردوغان في مهاجمة الغرب. فهو يعتبر أن الولايات المتحدة يجب أن تعي أنها لا تتعامل مع قبيلة، في توضيح مباشر أن تركيا دولة استراتيجية قوية. هذا عنصر من عناصر فوزه في نظر قاعدته السياسية. ويعتقد إردوغان أن أنقرة قررت منذ فترة طويلة تفعيل صواريخ "S-400" وليس لديها نية للتراجع. يعكس تفعيل صواريخ "S-400" سعي تركيا نحو "الاستقلال" عن الكتلة الأمنية الغربية وحلف "الناتو" لصالح موقف خاص بها لا ينحاز إلا لمصالح تركيا. بعبارة أخرى، يرمز هذا القرار إلى المكانة الجيوسياسية التركية الجديدة والثقة بالنفس كي تثبت نفسها قوةً إقليميةً مستقلة.

تريد تركيا إبقاء علاقاتها مفتوحة مع روسيا وإيران. لديها خلافات مع روسيا حيث تتعارض مصالح إردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أحياناً في سوريا وليبيا. كما أن بوتين يراقب تدخل إردوغان في حرب أذربيجان مع أرمينيا ومحاولته اللّعب على العصب التركي في دول مثال كازاخستان وتركمنستان، بل وأبعد من ذلك، يستاء الرئيس التركي من استضافته نظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي لإعلان شراكة دفاعية استراتيجية وتوقيع اتفاقيات تعاون عسكرية، وفي حديثه في نادي "فالداي" السنوي للحوار في 23 أتشرين الأول/كتوبر، قال الرئيس الروسي: "إن تعاوننا مع تركيا آخذ في التوسع. تركيا هي جارتنا، ويمكنني أن أخبر بمزيد من التفصيل عن مدى أهمية التفاعل بين كل من تركيا وروسيا". وأردف قائلاً إنه "بغض النظر عن مدى قسوة موقف الرئيس إردوغان، فأنا أعلم أنه شخص مرنٌ، ومن الممكن إيجاد لغة مشتركة معه".

اعترف بوتين بالخلافات بين روسيا وتركيا بقوله إنه لا يتفق  معها في كل الموضوعات. تركيا وروسيا ليستا دائماً على نفس الصفحة فيما يتعلق بالوضع في جنوب القوقاز وعندما تتباين المواقف يتم البحث عن حل وسط. لكن هذه التصريحات لم تمنع الطائرات الروسية  في 26 أكتوبر/تشرين الأول، من قصف معسكر تدريبي لفيلق الشام، وهي جماعة مسلحة معارضة ترعاها تركيا في محافظة إدلب شمال غرب سوريا.

تركيا هي الدولة الوحيدة التي ترفض جهود وقف إطلاق النار التي تبذلها مجموعة "مينسك" التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا والتي تشارك في رئاستها روسيا والولايات المتحدة وفرنسا في الحرب بين أرمينيا وأذربيجان.

يقوم الرئيس التركي بصياغة سياسة خاصة به وهي مزيج من القومية، والأخوة الإسلامية، والمظالم التاريخية، والطموح الهائل. وعلى الرغم من رغبته المعلنة في "إبقاء قنوات الحوار مفتوحة حتى النهاية" في علاقاته الدولية، يبدو أنه غالباً ما يلجأ الى القتال بدلاً من الاحتكام إلى طاولة المفاوضات في ملفات سوريا والعراق وليبيا ومؤخراً في ناغورنو كاراباخ .

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
هدى رزق

باحثة في الشأن التركي والإقليمي

إقرأ للكاتب

إردوغان بعد انتخاب بايدن: من استراتيجيّة القوّة إلى المهادنة

التقطت تركيا بعض توجهات إدارة بايدن، وحاول إردوغان مكالمة الرئيس الأميركي هاتفياً خلال الشهر...

تركيا والاستعداد السياسي للانتقال إلى العام 2021

تصرفات القيادة السياسية التركية وقراراتها تدلّ على أنّ أنقرة تناقش السيناريوهات المحتملة مع...

إردوغان يعيد التموضع استراتيجياً

تصدَّرت تركيا إلى جانب دول أخرى موضوع نقاشات ساخنة داخل فريق السياسة الخارجية لبايدن الَّذي...

تركيا والإتحاد الأوروبي صراع المصالح

يعتبر الرئيس الفرنسي ماكرون أنّ إردوغان يستغلّ وجود تركيا في الناتو ليتوسّع تحت خيمتها، لكن في...

الربح والخسارة في ميزان الاتفاق الروسي حول ناغورنو كاراباخ

بالنسبة لموسكو، تحقّق الصفقة – الاتفاق، اقتراح عام 2018 في نشر قوات حفظ سلام روسية في ناغورنو...

انتصار بايدن يُربك خطط إردوغان

قد يكون الرئيس الأميركي المنتخب أكثر من يعرف الرئيس االتركي، فهو كان المبعوث الرسمي الدائم إلى...