تأسيس المقاومة لخطاب فكري مقنع

القصد من هذا الافتراض بيان أن التراث مؤسّسة موصولة الأعطاف، مُتراكبة الحلقات، كل نظر إلى فرع منها يستوجب الإحاطة بتفاعُلاته، في ذاته، ومع محيطه.

شاب فلسطيني خلال مواجهات مع الاحتلال الاسرائيلي (أ ف ب)
شاب فلسطيني خلال مواجهات مع الاحتلال الاسرائيلي (أ ف ب)

كي نعير كلام المبلغ من منطقه، علينا أولاً أن نؤمن بسيرورة الفكرة فنقول إن منظومة البرهنة من افتراض منهجي مفاده أن الثقافة العربية القديمة - ومنها السِيَر الشعبية - كل مُتكامِل، ووجود مُتفاعِل، ترتدّ في بنيته الأصول على الفروع، والأطراف على المراكز، والأجزاء على الأنساق. وتنجدل في ماهيته عناصر التاريخ، بالجغرافيا، بالوعي الجماعي، بقِيَم التعبير الأدبي والعِلمي والعقدي. وتنتظم حقوله تقاليد خاصة، تضمر "مبادئ" ثابتة، و"مقولات" متحوّلة، و"تجليّات" مُتغيّرة. 

القصد من هذا الافتراض بيان أن التراث مؤسّسة موصولة الأعطاف، مُتراكبة الحلقات، كل نظر إلى فرع منها يستوجب الإحاطة بتفاعُلاته، في ذاته، ومع محيطه، أو بتعبير آخر يستلزم أخذ هذا الفرع بما هو تجلّ نصّي، تحكم وجوده الذاتي مكوّنات بنيوية: منها اللازم الذي تختصّ به عن باقي البنيات، ومنها المُتعدّي الذي يصِلها بمجرى التراث العام. 

إدراج مُصطلح "النصّ الأكبر"، ونحن نتحدّث عن العرب هو ما ساهم فيه كل مُنتج بالعربية بغضّ النظر عن نوعه وقصده. أما التجلّيات النوعية القابلة للتقاطُب إلى ثنائيات كيفما كانت طبيعتها أو وظيفتها، وفي أي عصر فليست سوى "تجلّيات" ملموسة، تتجسد من خلالها بعض مقوّمات النصّ الأكبر، بما هو تمثيل للعقلية والذهنية العربية العامة. وأي اعتماد على بعض هذه التجلّيات، ومحاولة استخلاص صورة الإبداع أو العقل أو الفكر العربي برمّته فليست سوى اجتزاء لعناصر من بُنية الأصل، وتقديمها على أنها هي الكل.

ولعلّ ما يضع الدلالة النقدية لمفهوم "النصّ الأكبر" في مستواها التجريدي، غير المُناقض للتحقّقات، أنها تجري في توسّلها اللفظي مجرى الاستعمال المجازي، فلا يُقصَد بالنصّ الأكبر المعنى الوضعي، الذي يفترض وجوداً ظاهرياً ما، وإنما تنصرف العبارة للتدليل على قيمة علاقات الترابُط والتركيب والتكامُل، ذات الخصيصة النسقية المتصلة بكل ما يُفترَض أن يتضمّنه التراث القديم: سرداً وشعراً وخطاباً علمياً وفقهياً وفلسفياً. فتنشأ من حاصل تلك العلاقات، بأصنافها المختلفة، ظاهرة كلامية تضمر الوحدة وتبدي الاختلاف. ولذا كانت أقرب التصنيفات دلالة على آلية الجدل بين الوحدة المُستترة والاختلاف الظاهِر تلك التي أخزلها الاقتباس في مُقايسة النصّ الأكبر (الدال على الوحدة) بتجلّياته الجزئية (الرامِزة إلى الاختلاف الجنسي والنوعي والنمطي). ونظنّ أن البُعد المجازي للعبارة في سياقها الراهِن لا يُناقض قصدها البرهاني في سياقٍ لاحق، حين تلحق بمفهوم النصّ صفتا "التعالي" و"النموذجية"، بحيث تنزاح الدلالة العامة بدرجة نحو  التخصيص، فتقرنه بالنصّ القرآني، في الإطار الذي يضع هذا الأخير في قمّة البناء الهرمي للنصوص العربية، بحيث تقع منه موقع الفروع المتحوّلة من الأصل الثابت، أو التجلّيات الناقِصة من المبدأ الكامل.

في الحديث عن الخطاب والتراث، يتجسّد لدى العديد من المُهتمّين في هذا الطرح شكلنة  للهاجِس التراثي مُلمّحاً حتى يكون بارزاً في الخطاب العربي الحديث منه والمُعاصِر، ينادون باستعادته كمرجعية تقوم الذات على أساسها (التيار السلفي الإصلاحي) ولا سواء عند المُنادين بالقطع معه ورفضه (التيارات التغريبية الليبرالية).

وفي سياق صيرورة الاعتناء بالحقل التراثي تبلورت في منتصف القرن الماضي جهود متوالية، تحاول صوغ وترتيب المتن التراثي من حيث موضوعاته وأسُسه المعرفية.

محاولات تاريخية سعت إلى تجاوز المنظور الاختزالي للتراث نحو إعادة بناء قارته ومعماره بوسائل منهجية جديدة وانطلاقاً من تحديد مسافة بينها وبين موضوعاته ومحتواه. ما سمح ببروز أبحاث قطاعية جديدة في مجال قراءة التراث، هنا نشير إلى ضرورة المتونة  النصّية التي قدّمت خلاصات هامة في مجال التحقيب والتصنيف والتبويب والترتيب للمتون التراثية. 

وفي هذا المسار، تجسّدت في البيع السنوات الأخيرة، محاولات أجدّ في التعامل مع المتون التراثية وهي محاولات تتميّز بوعيها المركّب بأبعاد التراث، وأوليات المُقاربة المنهجية الجديدة التي تبلورت أدواتها في مدارس الفلسفة والعلوم الحديثة والمعاصرة. وقد باشرت هذه المُقاربات عملية مراجعة جديدة للقارة التراثية، انطلاقاً من مشروع نقدي يتوخّى صوغ حدود معرفية تاريخية وأيديولوجية لمحتوى التراث في علاقته بالزمان، وفي علاقته بالمكوّنات البنيوية العميقة.

في نظري أن ندخل في حوار نقدي مع أسلافنا وذلك من أجل فهمهم فهماً أعمق، وربطهم بنا بشكل من الأشكال كلما كان ذلك ممكناً. وبعبارة أخرى، إنني أعتقد أنه علينا في المرحلة الراهنة أن نجعل مقروءنا الخطابي هذا معاصراً لنفسه بمعنى ألا نحمّله ما لا يستطيع، أن نفهمه في ضوء محيطه التاريخي ومجاله المعرفي وحقله الإشكالي، هذا من جهة ومن جهة أخرى علينا أيضاً أن نجعل مقروءنا الخطابي هذا معاصراً لنا على صعيد الفهم والمعقولية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سيف سالم

كاتب صحفي تونسي

إقرأ للكاتب

في ذكرى اغتيال محمّد البراهمي

يُصادف الخامس والعشرين من تموز/يوليو الجاري الذكرى الـ5 لاغتيال الناشِط السياسي التونسي محمّد...