المقاومة أو البربرية

عربياً، ما نحن أمامه أولاً أشكال مستجدة لشركة الهند الشرقية تسمح لدولة العدو الصهيوني بتجديد نفسها كمتروبول إقليمي.

  • فيما يخص المقاومة، فهي حالة دفاع ذاتي في غياب الشروط والمناخات الأخرى، لانتزاع أو تكريس حق ديمقراطي
    فيما يخص المقاومة، فهي حالة دفاع ذاتي في غياب الشروط والمناخات الأخرى، لانتزاع أو تكريس حق ديمقراطي

سبق لـ روزا لوكسمبرغ أن حذّرت من الطغيان الرأسمالي، وأعادت التأكيد على الشعار الشهير (الاشتراكية أو البربرية).

بوسعنا اليوم أن نستعيد هذا الشعار معدّلاً (المقاومة أو البربرية) وذلك انطلاقاً من أنّ العالم دخل حقبة تاريخية جديدة لها قاموسها الاجتماعي والسياسي والفكري، الذي تتراجع فيه الخيارات الديمقراطية بالتدريج ولا توفّر فيها الرأسمالية المتوحشة، في حقبتها الامبريالية، أية آفاق نظراً لتشعّب الاختلافات المدنية والتعددية السياسية، لينشأ الصراع السياسي لقانون المقاومة بأشكالها المدنية وغير المدنية، سواء على الصعيد الوطني أو على الصعيد الاجتماعي والسياسي.

فمقابل الحقبة الرأسمالية، جاءت حقبة البرجوازية الكلاسيكية وما رافقها من قيام الدولة الوطنية – القومية (دولة السياسيات الحمائية للبرجوازية المحلية) والتي جرى تعزيزها بثقافة وطنية – قومية، قوامها العقل والحق والديمقراطية. أما الحقبة الثانية فهي الحقبة الإمبريالية التي تتنحى فيها الدولة الوطنية – القومية بالتدريج أمام معادلة جديدة تتأرجح بين المركز والمحيط ... مركز إمبراطوري تغذّيه العولمة والشركات المتعددة الجنسيات، ومحيط يقوم على تفكيك الدولة الوطنية القومية، وتحويلها إلى مجموعة من الكانتونات السياسية والمعازل البشرية.

وهو ما يعني أن المعطيات الحالية في الحراك السياسي للحقبة الإمبريالية، وخاصة الحملة الديمقراطية وحقوق الإنسان..الخ، هي معطيات مؤقتة وظلال لمرحلة سابقة (الرأسمالية الكلاسيكية)، فيما تؤسس الإمبريالية المعاصرة لأشكال مختلفة بين الفاشية والخداع الديمقراطي.

 إنّ النزعة الإمبراطورية للإمبريالية السائدة التي تتمثّل بسلوك الولايات المتحدة الأميركية، تعيد العالم إلى شكل جديد من الهيمنة العسكرية والسياسية المباشرة جنوب العالم، فمناخات انهيار الدولة الوطنية وتفتيت المشهد الطبقي إلى عناصر ما قبل الرأسمالية، تجعل العالم أبعد فأبعد عن إنجازات الرأسمالية الأولى ، لا سيما الديمقراطية البرجوازية.

وفي هذه النقطة بالذات، يبدو أن المشهد العالمي الذي يعيش مرحلة انتقالية بين الرأسمالية التقليدية الذاوية، وبين الإمبريالية الصاعدة، يحتاج إلى التمييز بين السياسة كاستجابات تكتيكية مشوشة غير مؤهلة للتعبير عن تعينات حقيقية، وبين السياسة كنهج حيوي للتعبيرعن تعينات استراتيجية تليق بالأفكار الكبرى ورحلتها التاريخية.

فإذا كانت الوطنيات البرجوازية التقليدية (الدولة، المجتمع، الهوية) هي موضوع التعين السابق لدولة السوق القومي الصناعي البرجوازي وحركة الفكرة من الوعي، بذاتها لذاتها داخل مرحلتها التاريخية، تصبح هذه الحركة صورة كوميدية لسياق تاريخي لم يعد قائماً..

واللافت للانتباه أن الأوهام كلها تمر من هذا الشباك وعلى الأخص (الخداع الديمقراطي) كوريث غامض لدولة الاستبداد.

لا جدال في أننا في المدى المنظور أمام ازدهار كاذب لهذا العصر المزعوم، ولكنه كما استدركنا ازدهار في ظلال الحقبة المنصرمة والعد العكسي لأفولها أو صحوة الموت، كما يقال.

ما نحن بصدده في الواقع، هو عصر انهيار المنظورات الوطنية للدولة والمجتمع والهوية، وبالتالي انهيار روافعها التقليدية وخاصة لعبة الاقتراع العام، وذلك في ضوء الشكل الجديد للرساميل الإمبريالية المفتوحة على آليات سياسية محددة حكماً، هي النازية والفاشية، وحيث انتقلت الإمبريالية من ترويض الجنوب باسم تمدين المتوحشين، إلى رأسمالية الإبادة والمالثوسية المتوحشة.

عربياً، ما نحن أمامه أولاً أشكال مستجدة لشركة الهند الشرقية تسمح لدولة العدو الصهيوني بتجديد نفسها كمتروبول إقليمي ... وما نحن أمامه، ثانياً، جغرافيا كونية تصادر التاريخ الإقليمي الشرقي وتحيل دول هذا التاريخ إلى كانتونات ومناطق حرة ومؤهلة مع الشريك الإسرائيلي. جغرافياً مجردة مقابل جغرافيا استشراقية إمبريالية.

بالمقابل، وفيما يخص المقاومة، فهي حالة دفاع ذاتي في غياب الشروط والمناخات الأخرى، لانتزاع أو تكريس حق ديمقراطي أو وطني أو طبقي، ضد سلطة احتلال أو سلطة مصادرة سياسية أو آيديولوجية أو سلطة استعباد واستغلال اجتماعي.

وبقدر ما تبدو شكلاً متطوراً من أشكال العنف، نناقشها هنا، كخيار سياسي مدني مسوغه الرئيسي أولاً: انهيار المفهوم الوطني للدولة والمجتمع وللشروط الموضوعية للاقتراع العام والديمقراطية عموماً، ومسوغه الرئيسي، ثانياً: إعادة الاعتبار لفلسفة المقاومة كبديل لآيديولوجيا السلطة التي لم تعد مجرد آيديولوجيا لطبقة سائدة، بل صارت الآيديولوجيا السائدة (فوكو، غرامشي) ...

ثالثا، لأن المشهد العربي ولا سيما المشرقي، محكوم في وجوده ومصيره لقانون التناقض والصراع في أعنف أشكاله (المقاومة)، بالنظر إلى جدلية العلاقة بين التناقض الأساسي مع الإمبريالية، والتناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني، بكل تجلياتهما: التطبيع، الرجعية والتبعية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

إقرأ للكاتب

لماذا يحاصرون إيران ويصمتون حيال تركيا؟

ما الذي يفسر حصار العالم الرأسمالي، الأميركي – الأوروبي، لدولة قاتلت الإرهاب نيابة عنه، والصمت...

التّوطين الصحراويّ للفلسطينيين

مقاربة السّيناريو الجديد تستدعي قراءة نظرية لمفهوم الأرض والصحراء في العقل الصهيوني، وتستدعي...

محميات النفط.. التطبيع بحد ذاته

ارتبطت الرجعيّة النفطية بالحركة الصهيونيّة ارتباطاً وثيقاً، وسعى تحالفهما الموضوعي إلى ضرب مراكز...

صورتان لفرنسا.. إلى ماذا يحنّ عربها؟

إذا كان معروفاً حجم الجرائم التي اقترفتها الإمبريالية الفرنسية في العالم فإن حصة العرب منها...

الصّراع المصريّ– التركيّ وجذوره

ما يبدو شكلاً من الاصطفافات السياسية الراهنة بين مصر وتركيا، ليس سوى تعبير عن استراتيجية ممتدة،...

شريط إخباري 1949.. ما أشبه اليوم بالبارحة!

في الشأنين الأردني والفلسطيني، يصحّ عليهما القول الدارج: "ما أشبه اليوم بالبارحة!"، وبوسع...