ندوة علمية في الرباط احتفاء باليوم العالمي للغة العربية

نظمت شعبة اللغة العربية في مركز تكوين مفتشي التعليم في الرباط الخميس الماضي ندوة علمية تخليداً لليوم العالمي للغة العربية.

ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية
تقرير: لحسن الكيري*


كان عنوان الندوة العلمية هو "اللغة العربية و تحديات الثورة الرقمية"، وتمت في جلستين. في الجلسة الأولى تناولت الكلمة رئيسة لجنة التنظيم وأستاذة ديداكتيك اللغة العربية في المركز الدكتورة فاطمة حسيني فرحبت بالمحاضرين والحاضرين مذكرة بما لهذه المناسبة من مكان خاصة عند المتكلمين بالعربية عامة ومدرسيها خاصة، مسلطة الأضواء في ذات الآن على وضع اللغة العربية في الزمن الراهن وما ينتظرها من تحديات لعل أبرزها التحدي الرقمي.

    وبعدها تناول الكلمة محمد أمطاط مدير مركز تكوين مفتشي التعليم بصفته رئيسا لهذه المؤسسة فرحب بدوره بالحضور و أشار في مداخلته إلى فضائل اللغة العربية ومكانتها بين اللغات الحية في العالم اليوم رغم ما يتهددها حقيقة من أخطار يتمثل أبرزها في اللهجات العامية. و بعده تنال الكلمة السيد يوسف أبو دقة نيابة عن السيد عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإسيسكو) الذي لم يستطع الحضور شخصيا، فذكر هو الآخر بالجهود التي ما فتئت تبذلها هذه المنظمة منذ ثلاثين سنة على عدة مستويات محلية وإقليمية ودولية خدمة للغة العربية وتمكينا لها كي تواصل الحفاظ على مكانتها لغة حية وأداة للتدريس وموضوعا للدرس. وقد كشف عن مجموعة من المشاريع التي تدخل في السياسة التي تنتهجها الإسيسكو كذلك لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. ثم تناول الكلمة بعده الدكتور عبد الفتاح الحجمري؛ مدير مكتب تنسيق التعريب فشدد على أنه رغم الجهود المبذولة إلى حدود الآن من طرف الأفراد والهيئات والحكومات في مجال النهوض باللغة العربية إلا أنه لا يزال ينتظرنا عمل كبير خاصة فيما يتصل بعلاقة اللغة العربية بالرقمية وفيما يتصل كذلك بالبحث المصطلحي. وقد كشف عن بعض إنجازات المكتب الذي يتشرف بإدارته و المتمثلة في قرب إصدار ثلاث معاجم رباعية اللغة منها واحد في علوم التربية. وإثر ذلك أخذ الكلمة الدكتور فؤاد شفيقي مدير قسم المناهج بوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني فقدم عرضا مختصرا عن السياسة التي تتبعها الوزارة من أجل النهوض باللغة العربية ما دام يمثل مؤسسة حكومية حسب قوله. وهكذا أكد أن مستوى تدريس اللغة العربية لا بأس به اليوم في المدرسة المغربية على العموم. كما أشار إلى أربعة مشاريع جعلت منها وزارة التربية الوطنية و التكوين المهني أولويات رئيسة وهي تلك المتعلقة بمشروع المنهاج المنقح للتعليم الابتدائي ما دامت أزمة القرائية آتية من المرحلة الابتدائية، ومشروع الديداكتيك المتداخلة ومشروع تدريس اللغة العربية لأبناء الجالية المغربية في الخارج ثم مشروع تحدي القراءة العربي.

    وبعد ذلك تناول الكلمة الدكتور محمد بلحسن نيابة عن الدكتور فؤاد بوعلي رئيس الائتلاف الوطني للدفاع عن اللغة العربية الذي لم يستطع الحضور هو الآخر. و قد أكد في تدخله أن اللغة العربية عنوان الثقافة العربية الإسلامية و لا محيد عن إعطائها العناية التي تستحقها إذا ما أرادنا أن نتقدم. ولا يجب أن نتعجب من ذلك ما دام التاريخ يبين بما لا يترك مجالا للشك أن الشعوب التي تتقدم و تتطور تفعل ذلك بلغتها الوطنية الموحدة وبعيدا عن التشرذم والتناحر اللغوي. ثم تناول الكلمة الدكتور موسى الشامي رئيس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية فقرر هو الآخر كون اللغة العربية في المغرب اليوم بحالة حسنة شاء من شاء وأبى من أبى. إن اللغة العربية حالة خاصة بين لغات الأرض إذ كرمها الله بأن حملت رسالة القرآن فنحن عندما نقول الإسلام نقول العربية، وبالتالي فهي باقية ما بقي المسلمون رغم مشاكلهم السياسية اليوم خاصة في بعض الدول العربية كسوريا والعراق. وقد أضاف بأن كون تقدمنا سبيل إلى تقدم لغتنا وتطورها.

   و بعد استراحة شاي انطلقت الجلسة الثانية التي سيرتها الدكتورة فاطمة حسيني كذلك و شارك فيها نخبة من الدكاترة المتميزين بورقات بحثية مستفيضة صبت جميعها في مسألة اللغة العربية و تحديات الرقمية. و قد تناول الكلمة في البداية الدكتور محمد لهلال؛ أستاذ اللسانيات بكلية آداب المحمدية و عضو الجمعية المغربية للسانيات العربية الحاسوبية. وقد سلط الضوء على ما للتكنولوجيا من أفضال على تحسين جودة تدريس اللغة العربية وتدويلها ونشرها على نطاق واسع في أوساط المتكلمين عالميا. أما المداخلة الثانية فقدمها الدكتور حسن بدوح؛ أستاذ اللسانيات بالكلية المتعددة التخصصات بخريبكة والذي أفاض بدوره في موضوع اللغة العربية والتحديات المعرفية المطروحة عليها في زمن العولمة مشددا على تأخرنا في مجال لغوي ثقافي حيوي هو الترجمة إلى اللغة العربية و منها إلى لغات حية أخرى. وهذا حسبه ليس في صالح لغتنا التي تتجاوزها تلك اللغات بخطوات في استيعاب المفاهيم و المصطلحات العلمية الحديثة. ولعل تقرير اليونيسكو يبين تأخرنا كدول عربية في مجال الترجمة. وقد دعا إلى إعطاء البحوث اللغوية التطبيقية أهمية كبرى لما لها من قيمة في مجال تحسين تدريس اللغة العربية كما شدد على ضرورة التجسير الأكاديمي أي التكامل بين العلوم و المعارف و الذي أصبح ضرورة علمية.

    في حين تناول المتدخل الثالث الدكتور محمد بلحسن، مكون بالمركز الجهوي لمهن التربية و التكوين بفاس، الكلمة فسلط الضوء على المحتوى الرقمي العربي على الشابكة. فبين أن هذا المحتوى بات يعرف تطورا من حيث الكم و الكيف و ذلك راجع إلى عدة أسباب وعوامل يتداخل فيها الحضاري والسياسي والاقتصادي والثقافي. فمثلا التوسع التدريجي للوسائل التكنولوجية في أوساط المجتمع العربي جعل هذا المحتوى يغتني يوما بعد يوم. و إثر ذلك، تناو ل الكلمة الدكتور عبد الفتاح شهيد وهو أستاذ بشعبة اللغة العربية بالكلية المتعددة التخصصات في مدينة خريبكة. وعالج في مداخلته قضية القصيدة العربية في الفضاء الرقمي. وقد بيّن أن القصيدة التفاعلية لا زالت تحول دون فرض ذاتها وإثباتها صعوباتٌ لعل أبرزها ضعف ثقافة التقنية في مجتمعنا العربي و عدم استمرارية التجارب إما بسبب فقدان الثقة والقناعة في المشروع أو انشغال الشعراء بوهم ومرض الزعامة. وقد ذكر ببعض التجارب في هذا المضمار كتجربة مشتاق عباس معن ومنعم الأزرق.

    وفي الختام، تناول الكلمة الدكتور عبد العزيز عشعاش باسم الطلبة المفتشين بقسم اللغة العربية وذلك في مداخلة ابتغى لها عنوانا "اللغة العربية و الفجوة الرقمية". وهكذا فبعد مدخل تأطيري بين فيه مكانة اللغة العربية بين لغات الدنيا و وقف على بعض فضائلها و خصائصها و قيمتها في أعين أولي العلم القدامى والمحدثين، انتقل إلى تقديم مجموعة من الاقتراحات القمينة بسد تلك الفجوة الرقمية التي أمست تعاني منها اللغة العربية. و هي فجوة يتم تداركها عبر عدة مداخل يتعالق فيها السياسي بالتربوي و الثقافي والتقني.

   وأخيراً وليس آخرا، فقد تفاعل الحضور مع المحاضرين بطرح أسئلة و تساؤلات لامست بعض القضايا العالقة في الورقات البحثية التي تقدم بها هؤلاء الباحثون الأكاديميون الرصينون. تم ذلك في أجواء أكاديمية يطبعها الاحترام و التبادل والتقاسم والموضوعية والتواضع والتفاؤل والأمل وذلك رغم ضيق الوقت. ثم تناولت الكلمة الدكتورة فاطمة حسيني فأثنت على المحاضرين وشكرت لهم جميل حضورهم  

*كاتب، مترجم، باحث في علوم الترجمة ومتخصص في ديداكتيك اللغات الأجنبية - الدار البيضاء - المغرب.