قراءة في خطّة الإصلاح المالي للحكومة اللبنانية

بعد أشهر قليلة من نيلها الثقة، الحكومة اللبنانية تضع خطةً للإصلاح المالي، وتتقدّم على أساسها بطلب مساعدة من صندوق النقد الدولي، للخروج من نفق الأزمات الكبيرة التي تواجه البلاد. أية فضائل وأية عيوب للخطة؟ وأية فرص لنجاحها ولقبول الصندوق بالمساعدة.

  • قراءة في خطّة الإصلاح المالي للحكومة اللبنانية
    الرئيس اللبناني ميشال عون يترأس اجتماعا مع رؤساء الكتل البرلمانية (أ ف ب - أرشيف)

أقرّت الحكومة اللبنانية أخيراً خطة الإصلاح المالي التي عملت عليها منذ انطلاقتها وبعد نيلها الثقة في فبراير/شباط الماضي. الخطة الجديدة تحاول الحصول على مساعدة خارجية تسهم في محاولة قادة البلاد للخروج من نفق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنقدية التي تعيشها منذ أشهر. لكن هذه الخطوة الهامة التي اتخذتها الحكومة تواجه انتقادات من المعارضة، ومن قطاعات مختلفة أبرزها جمعية المصارف اللبنانية التي عبّرت عن مخاوفها على النظام المصرفي اللبناني في بيان لها بعد صدور الخطة.

تطرح الخطة تصوّر الحكومة للإصلاح المالي في البلاد، لكنها تتضمّن أبعاداً اقتصادية أخرى مرتبطة بالنيّة المُتصاعِدة لدى القيادات اللبنانية بتحويل الاقتصاد اللبناني من اقتصادٍ رَيعي إلى اقتصادٍ مُنتج، وهو النقاش الذي بدأ في البلاد قبل سنوات، مع بدء تكشّف الفجوات المالية بين مصرف لبنان والمصارف التجارية والدولة، وبعد ارتفاع عبء المديونية العامة، ووصولاً إلى شهر آذار/ مارس من العام الحالي حيث أجّلت الحكومة اللبنانية تسديد استحقاقات دين بالعملات الأجنبية "يوروبوندز"، وبدأت استعداداتها لمفاوضة الدائنين على إعادة جَدوَلة للدين، بانتظار الخطة موضوع البحث، والتي صدرت في ما بعد.

ومع أنه لا يمكن اعتبار الخطة هذه خطةً اقتصادية بمعنى الرؤية الشاملة لإدارة الاقتصاد الكلّي، إلا أنها تبقى صالحةً كمنطلقٍ لمعالجة الاستحقاقات الداهِمة، كتفلّت سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي، وعدم قدرة المصرف المركزي على التدخل بالقوّة نفسها التي كان يتدخل بها في السابق لتثبيت سعر الصرف، خوفاً على ما تبقّى في البلاد من احتياطات بالعملات الأجنبية.

وتحاول الحكومة تنفيذ هذه الخطّة خلال أربع سنوات، على الرغم من تضمّنها مواعيد لتحقّق نتائج في جوانب مالية عديدة في سنواتٍ أبعد من العام 2024، وصولاً إلى العام 2027، حيث ترى الحكومة أن السنوات الأولى من تطبيق الخطة سوف تشهد صعوباتٍ معيشية على المواطنين، وصعوبات تنفيذية على الدولة، نظراً لحجم المشكلات التي تواجهها البلاد، مع دَين عام وصل إلى حوالى 90 مليار دولار، وعجز في الميزان التجاري خلال السنوات الماضية بمعدل وسطي يقارب 17 مليار دولار سنوياً، وعجزٍ في الموازنة العامة أيضاً لسنوات طويلة يتجاوز 7 مليارات دولار، ومعدلات بطالة مرتفعة جداً، زاد منها تعطّل البلاد منذ اندلاع احتجاجاتٍ شعبية ابتداءً من 17 تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، وتفشّي أزمة كورونا، حيث أقفلت البلاد بصورةٍ شبه كاملة لشهرين متواصلين، قبل أن تبدأ بتخفيف الإجراءات في أواخر شهر نيسان/أبريل من العام الحالي.

تمهيد لطلب مساعدة صندوق النقد

لا شك في أن مجرّد دخول لبنان في منطق التخطيط الحكومي أمر إيجابي لمَن يعرف الحياة السياسية اللبنانية، ودورانها الدائم في دوّامة السياسات الارتجالية التي تحكمها التوجّهات قصيرة المدى من جهة، والصراع السياسي الدائم من جهةٍ ثانية. 

تعتمد الخطة على المساعدة الأجنبية بصورةٍ كاملة، وبالرغم من واقعية هذه النظرة، إلا أنها تهدّد مرونتها. وإن كانت الحكومة تتوقّع وصول دعمٍ خارجيٍ على شكل برنامجٍ متعدّد الأطراف، وتعتبر أنه يشكّل طريقة واقعية وفاعِلة لاستعادة الثقة، فإن الحقيقة تقول إن لبنان في هذه المرحلة بحاجة إلى إجراء إصلاحاتٍ حقيقية قبل موافقة أي من الأطراف الخارجية على المساعدة، حيث أنه لا يمكن تأكيد أن الإجراءات المشمولة بالخطة كافية لإقناع هؤلاء، بالنظر إلى المطالب المُعلنة. وتعتبر الخطة أن هدفها الرئيس المتمثل بإعطاء انطلاقة جديدة للاقتصاد مع وضعه على مسارٍ طويل الأجل وقابلٍ للاستمرار، لا يمكن تحقيقه من دون برنامجٍ مع صندوق النقد، وترجع ذلك إلى "عدم رغبة المجتمع الدولي في تقديم الدعم الواسع النطاق المطلوب".

أحد أبرز البنود الخلافية في مناقشة الخطة، والذي ساهم لاحقاً بتعديلات على نسختها النهائية كان تضمّنها لعبارات تؤكّد استمرار القيود على الودائع المصرفية، أو ما بات يُعرَف بـ"كابيتال كونترول". وقد عارضت قوى سياسية من داخل الحكومة ومن خارجها هذا الإجراء، ووروده في الخطة، ليتم لاحقاً تخفيف العبارة إلى "ضوابط رأس المال". وتقول الخطة إن هذه "الضوابط ستظل سارية المفعول طالما أن الاستقرار المالي في خطر". لكن الجدل القانوني حول هذه النقطة انقسم بين رأيين: يقول الأول إن تشريع إجراءات ضوابط رأس المال يحتاج إلى صدور قانونٍ من مجلس النواب، بينما يرى الرأي الثاني (وعلى رأس أصحاب هذا الرأي رئيس مجلس النواب) أن قانون النقد والتسليف الساري المفعول يتيح لحاكم مصرف لبنان اتخاذ القرارات التي تشمل مثل هذه الإجراءات.

ومع أن الخطة تتوقّع "وصول دعمٍ خارجيٍ متعدّد الأطراف" تقدّره بـ10 مليارات دولار، وأن يؤدّي ذلك الى "استقطاب دعم خارجي إضافي"، إلا أنها في الوقت نفسه تشير إلى استمرار إجراءات الضوابط على رأس المال، ما يطرح السؤال حول ثقة الدائنين الخارجيين والمستثمرين على حدٍ سواء بإمكانية استعادة عائدات استثمارهم مع استمرار هذه الإجراءات.

لكن الخطة تراهن على تحقيق نموٍ حقيقي 3.1% ابتداءً من عام 2024، وتشير إلى أن التعافي في المرحلة المقبلة سيتضمّن تطوير القطاع الخاص، الذي سيحقّق مكاسب تنافُسية من خلال انخفاض قيمة العملة. على الرغم من ارتفاع أكلاف القطاع الخاص كنتيجة لاستيرادها معظم المواد الأولية لأغلبية أنشطة القطاع. وتتوقّع الخطة "أن يتكيّف" القطاع الخاص تدريجاً مع الأجواء الجديدة، وأن يجد "بدائل للواردات".

ومع أن خطة الحكومة اللبنانية تلتزم حدوداً منخفضة جداً للإنفاق الحكومي، إلا أنها متفائلة بإعادة إطلاق الاقتصاد، لمعالجة آثار جائحة كورونا. وهي تتوقع تلقّي أموال مؤتمر "سيدر" الذي وعد فيه المانحون الدوليون باستثمار حوالى 21 مليار دولار في السنوات المقبلة في قطاعات البنى التحتية في لبنان.

 

سعر صرف الليرة.. الخطر الذي يهدّد الخطة

تقول الخطة إن ضعف الطلب المحلي وانخفاض قيمة العملة سوف يؤدّيان إلى تراجع ملحوظ في استيراد السلع والخدمات. وتتوقّع أن تتأثّر (سلباً) صادرات الخدمات المالية وغيرها... بالتطوّرات في القطاع المصرفي. ثم تضيف أن من شأن الاستقرار السياسي وتحسّن البنية التحتية إنعاش عائدات السياحة بعد عام 2020. 

ومع وصول سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار لأضعاف ما كان عليه قبل ستة أشهر من صدور الخطة، فإن أرقامها مبنية على أساس سعر صرف متوقّع يبدأ من 3500 ليرة مقابل الدولار الواحد خلال العام الحالي، ويصل إلى 4298 ليرة مقابل الدولار في عام 2024. وذلك بموازاة تقلّص الاحتياطات بالعملات الأجنبية عند مستوى وسطي 19 مليار دولار.

والحقيقة أن تغير سعر صرف العملة الوطنية بهذه الحدّة وخلال فترة قصيرة ستكون له انعكاسات أكيدة على الاقتصاد من جهة، وعلى الأمن الاجتماعي من جهة أخرى. ولهذا فإن بند تحرير سعر صرف الليرة واجه معارضةً داخل الحكومة، وتم تأجيل البحث فيه، ولم تتضمّنه النسخة النهائية من الخطة. وأول من سيؤثّر عليهم سعر الصرف الجديد إذا استمرت قيمة الليرة بالانخفاض هم الموظفون الحكوميون الذين يقارب عددهم 350 ألفاً في الإدارات والمؤسّسات العامة والقوات المسلّحة، وهم الذين خسروا حتى اليوم ما يقارب 67% من قيمة مداخيلهم. 

لكن الخطة تشير بالمقابل إلى أن خسارة الليرة لقيمتها رسمياً مع بدء تنفيذ الخطة سيدعم إعادة توازن الاقتصاد، وسيخفّف من العجز في الموازنة، بالتوازي مع تقلّص العجز في الميزان التجاري، نتيجة الاتجاه لتقليص الاستيراد، وتحفيز قطاعات الإنتاج، وتمكينها من الاستفادة من انخفاض سعر العملة الوطنية لكسب مزيد من التنافسية في الأسواق الخارجية. لكن ذلك يتطلب حماية الفئات الأكثر ضعفاً خلال المرحلة الأولى التي ستواجه البلاد خلالها الصعوبات الأقسى، قبل أن تبدأ الأمور بالتحسّن وفقاً لتوقّعات الخطة.

 

شبكات الأمان الاجتماعي: حاجة مُلحّة

تتضمن الخطة وعوداً لحوالى 200 ألف أسرة من الأسر الأكثر فقراً، وأن تولي الحكومة العناية للسلع الأساسية كالأدوية والطحين والمحروقات، خصوصاً مع احتمال انزلاق عشرات آلاف الأسر إلى مستنقع الفقر خلال الفترة السابقة لبدء الحصول على نتائج إيجابية لتنفيذها وأن تنشىء شبكات أمان اجتماعي بدعم الشركاء التنمويين، لكنها لم تحدد كامل معالم هذه الشبكات. وتلوّح الخطة بـ"دراسة إمكانية الانتقال نحو مساعدة عامة أكثر استهدافاً لوسائل النقل العام والأشخاص الذين هم في حاجةٍ فعلية".

وتتضمن الخطة نوايا "إلغاء بعض إعفاءات الضريبة على القيمة المضافة"، و"مراجعة الحوافز الضريبية الأخرى في قطاعات التعليم والعقارات والنقل والخدمات المالية". وتشير إلى زيادة الضريبة على القيمة المضافة على الكماليات من 11 إلى 15 بالمئة، وخفض 5% سنوياً من المتعاقدين في الإدارات والمؤسّسات العامة، الأمر الذي يهدّد بارتفاع إضافي في معدلات البطالة والفقر. لكن خطة الحكومة تشير في هذا السياق إلى نيّتها اتخاذ التدابير والأنشطة الآيلة إلى خلق الوظائف بشكلٍ مستدام.

ولمعالجة الانخفاض الحقيقي في القدرة الشرائية لدى الموظفين العموميين تشير الخطة إلى اعتزامها التعويض عن هذا الانخفاض عبر زيادات مقطوعة للرواتب الإسمية التي يتم تحديدها سنوياً، من أجل تخفيف آثار التضخّم المرتفع على القوّة الشرائية للموظفين. وذلك بالتوازي مع الإشارة إلى معالجة موضوع الفائض في الموظفين في الإدارات العامة والمؤسّسات ممن لا يعملون.

لكن الانخفاض الذي تتوقّعه الخطة في حجم الناتج المحلي الإجمالي سنوياً من حوالى 52 مليار دولار إلى 33.1 مليار دولار بحلول عام 2024 يهدّد بمزيد من التقلّص في إمكانية خلق فرص عمل جديدة، ويتعارض مع الاتجاه العام خلال السنوات الفائتة حيث كان هناك شبه إجماع حول ضرورة تكبير حجم الاقتصاد الوطني. لكن لا يجب هنا إغفال حقيقة أن أرقام الخطة تأثّرت إلى حدٍ كبير بالتطوّرات التي شهدها الاقتصاد الوطني في الأشهر الأخيرة، إن من ناحية تأثير تعطّل البلاد بسبب التحركات الشعبية والسياسية، أو من ناحية الآثار المترتّبة عن الإقفال القَسْري الذي عاشته البلاد جرّاء أزمة فايروس كورونا.

لقد حفظت الخطة الحالية إمكانية اتخاذ "إجراءات أخرى يتم تحديدها في المستقبل". لكن واحداً من أبرز مهدّدات تحقّق هذه الخطة هو أنها موضوعة للتطبيق في بيئة من الخلاف السياسي المستمر، وهذا قد يشكّل العامل الحاسم في تأمين التمويل اللازم لها. 

ومهما يكن من أمر، فإن هذه الخطة تشكّل بارِقة أمل للبنانيين في ظل تلبّد أجواء البلاد بالكثير من المُعطيات السلبية التي أرهقت كاهل الدولة وأهلها.

 

إقرأ أيضاً

"كان ياما كان".. منذ البداية كان هناك خياران